جهاد الصّمد كما هو... ولو وحيداً
لا يشبه جهاد الصمد سائر زملائه. شخصيّة صعبة المراس تحتاج إلى قاموس خاص به لفهمها، وقاموس آخر للتعامل معها. يُمكن لابن مرشد الصّمد أن يغادر مجلساً لأنّ الحاضرين ليسوا «على خاطره»


لا يشبه جهاد الصمد سائر زملائه. شخصيّة صعبة المراس تحتاج إلى قاموس خاص به لفهمها، وقاموس آخر للتعامل معها. يُمكن لابن مرشد الصّمد أن يغادر مجلساً لأنّ الحاضرين ليسوا «على خاطره»، وأن يُقاطع صديقاً لسنوات بسبب هفوة عابرة، ولا يتردّد في التصادم مع أقرب المقرّبين. هكذا يرى أبناء المدن «أبو جمال» الذي يحسبون ألف حساب قبل الدخول في نقاشٍ معه. أمّا في الضنّية، فلا يُنظر إلى هذه الشخصية كحالة استثنائية، بل كـ«ابن طينتهم»: عناد حتى النهاية، وثبات لا يتزعزع، «دم حامٍ» وطبع حادّ يشبه دمهم وطباعهم.
من يزرْ الضنّية يتعرّف سريعاً إلى «لغة» الصمد، ويكاد يقتنع بأن الأمكنة تصوغ طباع أبنائها. يشبه الرجل قمم جبالها بعزّتها، وغابات أرزها بصلابتها، وطقسها بقساوته، وشلالات عيون السمك بانفعالاتها. هناك، يتلاشى الفارق بينه وبين أبناء القضاء المحروم: في صوته الجهوري، وفي مزاجه المتقلّب بين هدوء وغضب، وبين فرح وحزن، وبين قرب وجفاء في لحظات متلاحقة. ومع ذلك، للصمد وجوه أخرى، يخفيها خلف صرامة مزاجه.
تعرفه الدوائر الرسمية والمخافر والمحاكم جيداً. وجه مألوف خلف الشبابيك التي يتردّد إليها أسبوعياً تقريباً، متنقّلاً على عجل بين المكاتب لمتابعة طلبات البلديات أو معاملات إخلاء سبيل شبّان من أبناء منطقته. يدفع رسوم الطوابع من جيبه، ويطلب تسريع الإجراءات قبل انتهاء الدوام، كأنّه واحد من العاملين في المكان، لا مجرّد مراجع.
تثور ثائرته عندما تُربط هذه الجهود بحسابات انتخابية. سريعاً يستلّ هاتفه، ليُسمِع محدّثه صوت أم مرتجف تتوق إلى رؤية ابنها. هكذا يقدّم نفسه: منحازاً إلى من لا يسأل عنهم أحد. «نشيط» و«خدوم» و«ابن بيت»… صفات يردّدها أبناء الضنّية على اختلافهم. «لولا أبو جمال لما كان هذا الخط السريع»، يقول أحدهم، مشيراً إلى طريق يربط بلدات القضاء، قبل أن يضيف: «قبل شقّ هذا الطريق، كان الناس يموتون في منازلهم لعجزهم عن الوصول إلى المستشفيات حين تقفل الثلوج الطرقات».
اختار الصمد البقاء بين أهله، فاتحاً أبواب منزله لسماع شؤونهم. يمارس النيابة على طريقة جيل السبعينيات، في القرى كما تحت قبة البرلمان. ذاك جيل انقرض، وحلّ مكانه نواب ربطات العنق والسيجار، فيما «بقي جهاد جهاد»... على سجيّته.
«وبقي جهاد جهاد»… عبارة تختصر مسيرته. لا يقيس الأمور بمنطق الربح والخسارة، بل بميزان الأخلاق والشهامة، إلى حدّ يبدو معه أحياناً كأنّه ينتمي إلى كوكب سياسي آخر.
خصومه، في كثير من الأحيان، أقرب إلى الإعجاب به من حلفائه. «مُتعِب وصعب»، يقول أصدقاؤه. فلا خصم يشبهه في شدّته، ولا حليف يشبهه في ثباته. يخوض معاركه بشرف، ويتراجع عنها حين يقتنع، لا حين يُطلب منه. وفي السياسة المحلية، هذا استثناء نادر: قد ينام خصماً شرساً لسعد الحريري، ويستيقظ ليسمّيه لرئاسة الحكومة.
لهذا، يبدو «حملاً ثقيلاً» على حلفائه. يصعب التفاوض معه أو انتزاع تسوية وسطية منه؛ لا يساوم، لا يهادن، ولا يعترف بالمساحات الرمادية. قناعاته عصيّة على التبديل، حتى لو تعارضت مع حسابات المصلحة. ظلّ دائماً خارج القوالب الجاهزة، وخارج الحسابات المُسبقة، ما جعله في كثير من الأحيان خارج المحاور السياسية، يدفع أثماناً أكبر بكثير ممّا ينال من دعم.
جهاد الصمد حالة تُربِك محيطها. اندفاعه، حدّته، والتصاقه بما يراه حقاً، تجعل فهمه مهمة صعبة. من أين يأتي هذا الإصرار؟ ولماذا يذهب إلى أقصى المواقف، حتى عندما تبدو الكلفة باهظة؟ أسئلة تلازمه بقدر ما تلازم من يحاول مقاربته.
كان يمكن له أن يختار طريقاً أكثر سلاسة، أن يساير التحوّلات، أو يتجاوز محطات خلافية من دون صدام. كان يُمكِن، مثلاً، أن يغضّ الطرف عن سقطة المجلس الشرعي في دعم التفاوض المباشر مع العدو، ولا يذهب إلى حدّ الإعلان أن «مفتي الجمهورية لا يُمثّلني». كان يمكن أن يتكيّف مع قواعد اللعبة كما يفعل كثيرون. لكنّ هذا الخيار لم يكن يوماً جزءاً من تكوينه. يبقى «أبو جمال» كما هو: صلباً حدّ العناد، مباشراً حدّ الصدام، ومتمسّكاً بما يراه حقاً ولو كلّفه ذلك العزلة. وفي زمن التسويات، تبدو هذه الصفة نادرة… ومُكلِفة.
