الهواتف غير المُجمركة: خلل إداري أم معركة على المنصة؟

215 ألف هاتف خلوي في دائرة الجدل: أجهزة عملت سنوات على الشبكتين قبل أن تُصنّف فجأة «غير مسدّدة الرسوم». فهل في الأمر خلل في الجمارك والاتصالات، أم وراءه معركة على منصة تسجيل الأجهزة؟

ندى أيوب
ندى أيوب
الخميس 27 آب 2026
(مروان بو حيدر)
(مروان بو حيدر)
الخط


لماذا يتلقّى مواطن رسالة تطالبه بتسديد الرسوم الجمركية عن هاتف اشتراه أصلاً من السوق اللبنانية؟ وكيف أمكن لمئات آلاف الأجهزة أن تعمل على شبكتي الاتصالات لسنوات، قبل أن تتحوّل فجأة إلى «أجهزة غير مُسدّدة الرسوم»؟
هذا ما اختبره عشرات آلاف اللبنانيين، بعدما تلقّوا رسائل من وزارة الاتصالات تفيد بأن الرسوم الجمركية المستحقة على هواتفهم غير مسدّدة، ضمن حملة تشمل نحو 215 ألف جهاز خلوي تقول الوزارة إن رسومها الجمركية غير مُسدّدة.

لكن معطيات ومراسلات داخلية حصلت عليها «الأخبار» تكشف عن مساعٍ متزايدة من وزير الاتصالات شارل الحاج وأحد مستشاريه للإمساك بملف تسجيل الهواتف الخلوية والرسوم الجمركية المرتبطة بها. وبحسب مصادر متابعة، يتجاوز هذا المسعى الجانب التقني إلى «التدخل في تحديد الأجهزة التي يُسمح لها بالعمل على الشبكات وتلك التي يمكن وقفها». وتتحدّث المعطيات عن محاولة لاستغلال ملف الأجهزة الهاتفية غير المجمركة لـ«تطيير» الشركة المشغّلة للمنصة المخصّصة لتسجيل الهواتف، وإدخال شركة جديدة محلها. وقد بدأ بالفعل التداول بأن «ثلاث شركات أبدت اهتماماً بتولّي تشغيل المنصة».

وبحسب رواية وزارة الاتصالات، بدأت القضية بعد استفسار من وزير المال ياسين جابر عن تراجع الإيرادات المتأتية من هذا القطاع، ما دفع إلى فتح تدقيق في نظام تسجيل الأجهزة الخلوية. وأظهر التدقيق أن نحو 215 ألف جهاز تعمل على شبكتي الاتصالات منذ عام 2019، من دون أن تكون التعرفة الجمركية محدّدة أو الرسوم مُسدّدة في النظام. وتعود هذه الأجهزة إلى شركات وأفراد، معظمهم اشتروها من السوق اللبنانية. واللافت أن إجراءات إيقاف الأجهزة لم تقتصر، بحسب المعلومات، على أجهزة مجهولة المصدر أو غير مُصرّح عنها جمركياً، بل طاولت أيضاً هواتف سبق إدخال بياناتها الجمركية، وتحمل أرقاماً تعريفية (IMEI) مُسجّلة في أنظمة الوزارة. وبمعنى أوضح، أجهزة يُفترض أن رسومها الجمركية مُسدّدة.

وهنا تبرز علامات استفهام حول الأساس الذي استندت إليه إجراءات تعليق التشغيل، وما إذا كانت المنصة التقنية المخصّصة لتسجيل الأجهزة قد تحوّلت إلى أداة للتحكم في الملف الجمركي، بدلاً من أن تقتصر وظيفتها على تنفيذ البيانات الواردة من الجمارك. فالمسألة، عندها، لا تعود مجرد خلل في احتساب الرسوم أو في تبادل المعلومات بين الجمارك والوزارة، بل تفتح الباب أمام احتمال وجود تحكّم إداري غير مبرّر في مصير أجهزة استوفت الشروط والرسوم المطلوبة.

ويتقاطع ذلك مع تناقض واضح في معالجة الأجهزة التي لم تكن أسعارها الجمركية قد وردت بعد من إدارة الجمارك. فقد اعتُمد، بموافقة الحاج، إجراء يقضي بتوقيف هذه الأجهزة لمدة 30 يوماً، قبل أن يطرح مكتب الوزير لاحقاً سؤالاً عن الجهة التي طلبت وقف جميع الأجهزة التي لم يصل تسعيرها الجمركي. عندها، أرسل مستشار الوزير خالد مواس بريداً إلكترونياً يطلب عدم توقيف هذه الأجهزة وانتظار ورود الأسعار من الجمارك، أي عملياً العودة إلى الآلية السابقة.

وهنا تبرز الحاجة إلى التدقيق في كامل سجلّات الأوامر الإلكترونية والـ«Logs» الخاصة بالمنصة، لتحديد من أصدر أوامر وقف الأجهزة وإعادة تشغيلها، ومتى صدرت، وما الأجهزة التي شملتها، ومقارنتها ببيانات الجمارك في التواريخ نفسها. فذلك من شأنه أن يحدّد المسؤوليات ويكشف ما إذا كان الأمر مجرّد ارتباك في إدارة الملف، أم أن هناك محاولة فعلية لوضع ملف تسجيل الهواتف ورسومها الجمركية تحت إدارة جهة محدّدة داخل الوزارة.

تعليق تشغيل
أجهزة هواتف رغم تسديد رسومها الجمركية

وتزداد أهمية ذلك مع تبيّن أن أجهزة بقيت مُعلّقة عملياً، بانتظار التسعير الجمركي، من شباط إلى تموز 2026، ما يعني أن التأخير في تبادل البيانات بين الجمارك ووزارة الاتصالات انعكس مباشرة على أصحابها. وبحسب مصادر متابعة، لم تعد الإشكالية تقنية بحتة، بل باتت تتصل أيضاً بتحديد الجهة صاحبة الصلاحية الفعلية في إدارة ملف الرسوم الجمركية داخل الوزارة.

أمّا الرسائل التي وصلت إلى أصحاب الهواتف، فقد منحتهم مهلة لتسوية أوضاع أجهزتهم. وفي المقابل، أتيح لمن كان جهازه مُسدّداً جمركياً الاعتراض وإبراز المستندات التي تثبت الدفع، علماً أن من المُفترض أن تكون بيانات الجهاز ورقم الـIMEI والمعلومات الجمركية محفوظة في أنظمة الدولة. وهنا يطرح السؤال نفسه: كيف تصل رسالة تطالب بتسديد الرسوم إلى صاحب هاتف سبق أن «جُمرك»، وتوجد بياناته الجمركية ورقم الـIMEI الخاص به في أنظمة الدولة؟

والأمر نفسه ينطبق على المواطن الذي اشترى هاتفه من متجر لبناني. فهل كان يُفترض به، قبل الشراء، أن يتحقق من التصريح الجمركي الذي قدّمه المستورد؟ حكماً لا. فالمستهلك لا يستطيع معرفة ما إذا كان التاجر أو المستورد قد صرّح عن الهاتف بقيمته الحقيقية، أو ما إذا كان قد سدّد الرسوم المتوجّبة عليه.

وبحسب الآلية المُعتمدة، يُفترض بالهاتف الذي يدخل لبنان من دون تسديد رسومه الجمركية أن يعمل لمدة 90 يوماً، قبل أن يُوقف عن الشبكة إذا لم تُسوَّ وضعيته. وإذا كانت أجهزة غير مُجمركة قد استمرت في العمل لسنوات، فلا يمكن حصر المسؤولية بأصحابها، بل ينبغي البحث في كامل السلسلة التي سمحت بدخولها إلى السوق وتشغيلها على الشبكات.

وهنا تبرز مسؤولية الجمارك، بوصفها الجهة المختصة بتحديد الرسم واستيفائه عند دخول البضاعة إلى لبنان، لا بعد سنوات من طرحها في السوق وبيعها. أمّا دور وزارة الاتصالات، فيُفترض أن يقتصر على الجانب التقني وربط بيانات الأجهزة بالشبكات والجهات المعنية. ومن هنا، فإن رسائل «الاتصالات» إلى أصحاب الأجهزة التي تطلب منهم تسديد الرسوم ليست من صلب مهمات الوزارة، بل الجمارك. والسؤال الذي ينبغي أن تكون له إجابة واضحة هو: من يتحمّل مسؤولية عدم استيفاء الرسوم عند دخول هذه الهواتف إلى لبنان، والسماح لها بالعمل على شبكتي الاتصالات لسنوات؟

وفي ضوء كل ذلك، يطرح الملف سؤالاً أكبر: هل يجري استخدام قضية الهواتف غير المُجمركة لمعالجة خلل فعلي في استيفاء الرسوم وتعزيز الإيرادات العامة، أم أن الملف بات أيضاً مدخلاً لإعادة توزيع السيطرة على المنصة والجهة التي تتولّى إدارتها؟