الطعن في التمديد لدريان في «الثلّاجة السعودية»؟

أضفى مشهد الحشد السياسي في احتفال المولد النبوي ليل الإثنين، شرعية يريدها مفتي الجمهورية لمواجهة القرار المُرتقب لمجلس شورى الدولة بشأن قانونية التمديد لولايته

لينا فخر الدين
لينا فخر الدين
الخميس 27 آب 2026
(هيثم الموسوي)
(هيثم الموسوي)
الخط


نال مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان، في الاحتفال الذي نظّمته المديرية العامة للأوقاف الإسلامية، ما أراده تماماً: بيعة مُتجدِّدة مُكتمِلة الأركان، بمشهدية توافرت فيها حتى شروط نصاب مجلس الانتخاب الإسلامي، المنوط به انتخاب مفتي الجمهورية. وكان الحضور لافتاً، بمشاركة رئيس الحكومة نواف سلام، إلى جانب رؤساء الحكومات السابقين، باستثناء سعد الحريري، ومعظم النواب السنّة، فضلاً عن علماء دار الفتوى ومسؤوليها.

ولم يكن دريان يريد أكثر من هذه المشهدية لتأكيد أنه «المفتي الشرعي»، وحشد «أسلحته السياسية» استعداداً لمواجهة القرار المُرتقب لمجلس شورى الدولة في الطعن الذي تقدّم به قبل عامين القاضيان الشرعيان عبد العزيز الشافعي وهمام الشعار، والشيخ الراحل جميل عيتاني، في قانونية التمديد له في أيلول 2023. وفي مقدّم هذه الأسلحة، يحتاج المفتي إلى غطاء رئيس الحكومة. ومن هنا، يمكن فهم إغداق دريان بالدعم السنّي على سلام، وعلى عهد رئيس الجمهورية، على قاعدة «خذ وهات»، إذ ينتظر المفتي أن يردّ له سلام الدعم بالمثل، عبر «تنييم» الطعن أمام مجلس الشورى.

ولذلك، أدّى دريان «الواجب وزيادة» مع من يعتقد أنه قادر على إحباط قرار عزله من منصبه. فتودّد إلى سلام، ومن خلفه السعودية، في محاولة للتنصّل من «حريريته» التي تؤخذ عليه في أروقة الديوان الملكي. ومن هذا المنطلق، يصبح مفهوماً إصرار المفتي على وضع ما سمّاه «الحملة» على دار الفتوى في سياق حملة على مقام رئاسة الحكومة، في محاولة لربط نفسه بسلام والسعوديّة.

لماذا تعدّلت الكلمة؟

ومع ذلك، لم يُطلِق مفتي الجمهورية العنان لنفسه في الحديث عن أزمة التمديد، التي تطرّق إليها بـ«الغمز واللمز» في الجزء الأخير من كلمته، مكتفياً بالقول إنّ «المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى» هو سيّد نفسه منذ إقرار المرسوم 18/1956، ويتمتع بصلاحيات تشريعية واضحة، داعياً إلى «الحفاظ على احترام دار الفتوى وسلامها واستقلاليتها». وهنا تحديداً، بدت عليه علامات ارتباك لافتة، خلافاً لما ظهر عليه في بقية الكلمة.

ويشير متابعون إلى أنّ الفقرة الخاصة بأزمة التمديد شهدت أخذاً ورداً وتعديلات متلاحقة، وهو ما انعكس بوضوح على بنية الكلمة واختلال توزيع محاورها وتداخلها. فدريان، مثلاً، تناول المفاوضات مع العدو الإسرائيلي في القسم الأول، قبل أن يعود إلى الموضوع نفسه في المحور الثالث. وهو ما يستنتج منه متابعو شؤون دار الفتوى أنّ دريان عدّل، في اللحظات الأخيرة، عن إلقاء كلمة عالية السقف كان قد أعدّها للمناسبة، خشية أن تتحوّل إلى مادة لهجوم خصومه، فتأتي نتائجها عكس ما أراد. فيما يرجّح آخرون أنّه أخذ بنصيحة مقرّبين منه، وبينهم رؤساء حكومات، بعدم رفع سقف المواجهة، وعدم الإمعان في مهاجمة مجلس شورى الدولة، مقابل الحصول على مؤازرة من السراي الحكومي. ويستند أصحاب هذه المقاربة إلى تطمينات وصلت إلى المفتي بعدم إمكان الإطاحة به في المرحلة الراهنة، في ظل عدم حصول أيّ من الأسماء المُتداولة لخلافته على إجماع السفارات العربية والقوى السياسية.

في المقابل، يرى آخرون أنّ المسألة لا تتصل بـ«مواصفات المفتي العتيد»، بقدر ما تعكس رغبة لدى عدد من المؤثّرين في ملف دار الفتوى في التريّث وعدم استعجال اختيار خلف لدريان، طالما أنّ الحكم النهائي لمجلس الشورى بشأن قانونية جلسة التمديد لن يصدر قبل مطلع السنة المقبلة، في ضوء المسار والإجراءات القانونية التي يُفترض استكمالها.

ومن هنا أيضاً يأتي الكلام المنقول عن سلام بأنه ينوي «تنييم» الملف حتى مطلع السنة المقبلة، بالتوازي مع محاولاته الدخول على خط تهدئة خصوم دريان وتبريد القضية، ما يعني أنّ ما يفعله رئيس الحكومة لا يرقى، في هذه المرحلة، إلى حماية فعلية للمفتي، إذ إنّ قرار مجلس الشورى النهائي لن يصدر، في جميع الأحوال، قبل أشهر. وعليه، يُرجّح أن يكون احتواء سلام لأزمة التمديد مرتبطاً بعدم حسم السعودية موقفها من مصير دريان. وينعكس هذا التردّد في مواقف المقرّبين منها، إذ يتولّى بعضهم الدفاع عن المفتي، فيما ينخرط آخرون في حملة لإقصائه والترويج بأن أيامه في «الدار» باتت معدودة.

في المقابل، تشير مصادر متابعة إلى أنّ السفارة المصرية تستكمل مشاوراتها بحثاً عن شخصية يمكن أن تخلف دريان، فيما بادر معظم أصحاب الأسماء المُتداولة إلى زيارة عدد من القوى السياسية والسفارات لاستطلاع الأجواء و«جسّ نبضها» بشأن حظوظهم. ويتردّد، في هذا السياق، أنّ أحد المرشّحين تكبّد عناء التوجّه إلى دمشق ولقاء أركان النظام السوري الجديد للغاية نفسها، بعدما أُخذ عليه سابقاً قربه من النظام السابق!


صفوفٌ أمامية لإرضاء الحاضرين!

نجحت دار الفتوى في حشد معظم الشخصيات السياسية التي شاركت في احتفال المولد النبوي في مسجد الأمين مساء الإثنين الماضي، فيما بدا واضحاً أن الاستنفار الذي بذله مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان لتأمين حضور شعبي، واستقدام العلماء وموظّفي الدار من المناطق، لم يحقّق النتائج المرجوّة. وقد انعكس ذلك فراغاً في الصفوف الخلفية. في المقابل، وُزّعت المقاعد الأمامية بشكل متوازٍ، بحيث جلست الشخصيات السياسية والقضائية والدينية بعضُها قُبالة بعض، ما أدّى إلى ازدحام الصفوف الأمامية مقابل فراغ شبه تام في الصفوف الخلفية.

وبحسب متابعين، لم يكن المشهد نتيجة خلل تنظيمي، بل جاء استجابةً لاشتراط بعض الشخصيات، ولا سيما القضاة الشرعيين وبعض المشايخ، الجلوس في الصفوف الأمامية، وإلا الاعتذار عن عدم الحضور. وهكذا، اضطر المنظّمون إلى «ابتداع» صفوف أمامية إضافية لإرضاء المشاركين!