وظائف جديدة لـ«الرقم 9»... التطوّر ليس تَرفاً!
تغيّرت كرة القدم على مدى السنوات، وبات الاعتماد اليوم على المنظومة أكثر من المهاجم الصريح، أو من كان يُعرف بـ«الرقم 9» الذي يقف داخل منطقة الجزاء ليقتنص الأهداف من أنصاف الفرص.


تغيّرت كرة القدم على مدى السنوات، وبات الاعتماد اليوم على المنظومة أكثر من المهاجم الصريح، أو من كان يُعرف بـ«الرقم 9» الذي يقف داخل منطقة الجزاء ليقتنص الأهداف من أنصاف الفرص. ولكنّ هذا المهاجم لم «ينقرض» بل تغيّر شكله ووظيفته، والنجم النرويجي إيرلينغ هالاند خير مثال على ذلك
إذا أردنا التحدّث عن المهاجم الصريح في عالم كرة القدم، خاصة قبل التحوّل الكبير في التكتيك، فإننا سنمر على النجم الألماني ميروسلاف كلوزه، والبولندي روبرت ليفاندوفسكي والإيطالي اينزاغي، كما لاعب ساحل العاج ديديه دروغبا والبوسني ايدين دزيكو وغيرهم... هؤلاء يمثّلون اللاعب «رقم 9» الكلاسيكي جداً. وفي نسخة كأس العالم الحاليّة يُعتبر قائد منتخب إنكلترا لكرة القدم هاري كاين، أكثر مهاجم كلاسيكي من حيث الشكل والتحرّكات. لا يزال نجم نادي بايرن ميونيخ الألماني يلعب بأسلوب المهاجم الصريح القادر على اقتناص الأهداف، وهو ما فعله تحديداً عندما قاد «الأسود الثلاثة» للفوز على الكونغو الديمقراطية في الدور الثاني من البطولة بهدفين في الدقائق الأخيرة.
ورغم أن كاين اليوم يُعتبر مهاجماً كلاسيكياً إلا أن المدرب الألماني توماس توخيل لا يبني المنظومة حوله، بل يحاول التنويع بأسلوب اللعب والتركيز على وسط الملعب، وإيجاد المهاجم الوهمي الذي يتراجع إلى وسط الملعب لتسلّم الكرة وسحب المدافعين. من هنا نرى أن دور اللاعب «رقم 9» تغيّر، وبات المدرّبون يعتمدون على تنوّع اللاعب، حيث يشارك الأجنحة ولاعبو الوسط وحتى الظهيران في صناعة الأهداف وتسجيلها.
وفي مثال واضح جداً على تطوّر دور اللاعب «رقم 9» وعدم اختفائه، هو النجم النرويجي إيرلينغ هالاند. الأخير هو لاعب «رقم 9»، ولكنه تطوّر بشكل كبير مع المدرب الإسباني بيب غوارديولا في نادي مانشستر سيتي الإنكليزي. الهدفان اللذان سجّلهما هالاند في مرمى البرازيل، كانا كلاسيكيَّيْن فعلاً لمهاجم صريح، إذ إنه وقف وانتظر الكرة وسجّل... ولكنّ هالاند اليوم هو اللاعب «رقم 9» الذي يركض ويراوغ ويمرّر، ويخلق المساحات بفعل سرعته المُذهِلة، فلا يقف في منطقة الجزاء وينتظر فقط. وفي أمثلة أخرى يبرز بنجامين شيشكو السلوفيني، وروميلو لوكاكو وغيرهما، من اللاعبين الذين يجيدون اللعب كمهاجمين صريحين، وفي نفس الوقت طوّروا أنفسهم، فباتوا يعودون إلى الخلف لتسلّم الكرة، وخلق المساحات والركض وصناعة الفرص والأهداف...
هذا التحوّل لم يأتِ من فراغ. فالتطور الكبير في أساليب اللعب، والاعتماد على الضغط العالي والاستحواذ وتبادل المراكز، كل ذلك فرض على المهاجم أدواراً جديدة. والـ«رقم 9» اليوم أصبح مُطالباً بالضغط على المدافعين، وهو ما دفع المهاجمين إلى تطوير أنفسهم لكي لا يخسروا مراكزهم.
كان لزاماً على هؤلاء تطوير أنفسهم، والتماشي مع كرة القدم الحديثة، لأن التكتلات الدفاعية التي تعتمدها الأندية والمنتخبات تعطّل المهاجم الصريح، وتجعله محاصراً غير قادر على التسجيل، ولكنّ عودته إلى وسط الملعب لتسلّم الكرة، تخلق مساحات وفراغات في دفاع الخصم. ومن الاستراتيجيات الجديدة أيضاً، قيام الثنائي أو الثلاثي الهجومي، بتبادل المراكز طوال المباراة، الأمر الذي يُربِك المدافعين ويمنعهم من مراقبة لاعب واحد.
إذاً المهاجم التقليدي لم ينتهِ، ولكنّ كرة القدم تطوّرت، والمهاجم الذي يمتلك حاسّة التهديف من أنصاف الفرص لا يزال موجوداً، ولكنّ دوره مختلف، والوظائف التي يقوم بها كثيرة ومتنوّعة. الأفضلية اليوم للمنظومة، التي تبني اللعب من الخلف إلى الأمام، والتي يشارك فيها الظُّهراء والأجنحة بالهجمات ويسجّلون الأهداف. وربما يكون إيرلينغ هالاند اليوم هو المهاجم الذي سيقود ثورة جديدة في مركز الهجوم.
