أين «الكلاشنكوف الصيني»؟

بعد تقرير «رويترز» عن بناء الصين لنموذج أولي لآلة طباعة بالأشعة ما فوق البنفسجية (EUV)، أشارت التقديرات إلى احتمال أن تتمكّن الصين من استكمال العمل بهذه الآلة في أثناء خمس سنوات. اللافت أن الولايات المتحدة تَعمل على الاستغناء عن المعادن النادرة الصينية في أثناء خمس سنوات أيضاً؛ بالتالي فإن العام 2030 أو 2031 سيَشهد مستوى قياسياً من فكّ الارتباط (decoupling) التكنولوجي بين البلدَين في موازاة فكّ الارتباط المالي والتجاري.
بمعنى أنه إذا لم تَظهر مفاهيم تكنولوجية جديدة، فإنّ الصين قد تكون منافساً تكنولوجياً للولايات المتحدة أكثر تقدّماً مما كانه الاتحاد السوفياتي قبلاً؛ مفهوم الكومبيوتر كان طرحاً تكنولوجياً جديداً، تَقدُّمه أخذ السوفيات على حين غرة. هم قدّموا إسهامات في البداية مثل الحوسبة الثلاثية بدل الثنائية (الانطباع الثقافي الاختزالي بأن كل العبارات هي إما صفر أو واحد كان ليكون أقل حدة)، ثم تدريجياً غابوا عن المشهد بشكل كلي تقريباً.
وبما أن «الدروس» السوفياتية هي الهاجس المركزي للقيادة الصينية الحالية، فإن السؤال الذي علينا طرحه (نحن شعوب الأطراف) هو عن «الكلاشنكوف الصيني»، بمعنى أن الاتحاد السوفياتي أَنتج سلاحاً غيّر مسار الحروب الثورية في القرن العشرين، لا بل أصبح رمزاً لها، تكلفة إنتاجه منخفضة وفاعليته مرتفعة في الوقت عينه؛ هل يكون الدرون (نسخة ما منه) هو «الكلاشنكوف الصيني»؟ وفق هذا السيناريو ستقدّم الصين تصميماً سهلاً لدرون يتفوّق على الرادارات، يمكنه الطيران لمسافات طويلة جداً (أربعة آلاف كلم مثلاً)، أو تَطرح برمجيات ذكاء اصطناعي مبسطة ورخيصة السعر تَجعل الدرون قادراً على اتخاذ القرارات المستقلة.
أو قد يكون «الكلاشنكوف الصيني» هو برمجيات اتصالات للتشويش على الاتصالات العسكرية للعدو، على أن تكون بسيطة التصميم وسهلة الاستخدام وزهيدة الثمن أيضاً... الفكرة أننا لا نَملك سلاحاً صينياً بهذه المواصفات بعد (مزيج الفاعلية والبساطة والسعر المنخفض)، ورغم أن قطع الدرونات حول العالم تسيطر عليها الصناعة الصينية، فإن مَنْ تحقّق تقدّماً في هذه المواصفات هي إيران وأوكرانيا في مجال الدرون وليس الصين (وإنْ ليس في مجال المسافات الطويلة جداً والانتقاء المستقل للأهداف). أمّا في مجال التشويش، فليس هناك أي مؤشر بعد إلى منتَج من هذا النوع بعد، رغم أن إنتاج المضادات عادة أبسط من إنتاج الأجهزة المعنية المستهدَفة بهذه المضادات.
لكنّ هناك نقاشاً موازياً لهذا السلاح (درون أو تشويش أو تقنية أخرى) يجب أن نَبدأ به: الكلاشنكوف كان فعالاً في مرحلة الحروب الثورية، في ظل الدولة-الأمّة ذات السيادة (وإنْ شكلياً)؛ كان الفضاء والسيادة مستقرين نظرياً إلى حدّ ما وكانت الدول الطرفية تسعى إلى الاحتماء بهذا الاستقرار الخطابي المعرفي. اليوم مفهوم السيادة المشتق من الدولة-الأمّة لم يعد موجوداً (يكرّره فقط لولا دا سيلفا وكلاوديا شاينباوم، جزء من الإفلاس الخطابي اليساري الراهن والمرتبط بالأزمة الهيكلية لخطاب السكان الأصليين، كما حصل في بوليفيا مؤخراً، وضمناً في إيران، على اعتبار أن تجربة الجمهورية الإسلامية كانت كما في بوليفيا وعداً بتقديم كوزمولوجيا سياسية أصلانية مختلفة).
ما يقوم به الرئيس ترامب هو محو أي أثر لمفهوم السيادة التقليدي، نحن لا نتحدّث هنا عن انتهاك الولايات المتحدة لسيادة دولة ضعيفة هنا أو هناك، بل عن مشاريع لضمّ كندا وغيرنلاند إلى الولايات المتحدة. اليمين المتطرف في آلبرتا (أكبر ولاية نفطية في كندا) يتفاوض مع الإدارة الأميركية للانضمام كولاية أميركية إضافية. كان يُعتقَد أن خرائط الدول أصبحت تقريباً نهائية، وما هو ممكن الحصول هو أن تقوم دولة قوية بفرض إرادتها على دولة ضعيفة وليس أن تضمّها إليها.
الاتحاد السوفياتي أَنتج سلاحاً غيّر مسار الحروب الثورية في القرن العشرين، لا بل أصبح رمزاً لها، تكلفة إنتاجه منخفضة وفاعليته مرتفعة في الوقت عينه؛ هل يكون الدرون (نسخة ما منه) هو «الكلاشنكوف الصيني»؟
مع مفهوم الدولة-الأمّة ذات السيادة كان هناك مفهوم المواطن باعتباره شخصية قانونية مختلفة عن الجندي في الجيش النظامي. مشروع الرئيس ترامب لإنهاء مفهوم السيادة التقليدي تزامن (أو هو متعلّق هيكلياً) مع محو برامج الذكاء الاصطناعي العسكرية لمفهوم المواطن. في قطاع غزة ولبنان، برامج الذكاء الاصطناعي الإسرائيلية ليس لديها مواطنون ومقاتلون مع حساب مختلف لكل منهما؛ هناك أفراد مع نسبة احتمالية لأن يكونوا مقاتلين مرتفعة أو منخفضة، أي ليس هناك مواطن بل فرد احتمال أن يكون مقاتلاً أقل من خمسين في المئة. ومع العدد «المسموح» به من الضحايا الجانبيين، يصبح واضحاً أن الذكاء الاصطناعي لا يحدّد مَنْ هو المقاتل بقدر ما هو يبرّر بمنطق رقمي القتل الإبادي، يَجعل الأرقام والنسب المئوية تخفّف من الوزن الفكري لفعل الإبادة.
إحدى إشكالات الرؤية السياسية لحزب الله كانت عدم تمييزه بين «مواطنين» وعسكريين في إسرائيل، لكنه كان فعلياً يضرب فقط المواقع والتجمعات العسكرية الإسرائيلية ويتجنّب «المدنيين» الإسرائيليين (كي لا تَستهدف إسرائيل في المقابل المدنيين اللبنانيين)، في وقت كانت إسرائيل تتجه عبر منطق الذكاء الاصطناعي إلى محو الفارق بين المدني والمقاتل (إذْ يصبح الجميع «مشبوهين» بنِسب مختلفة).
على الأرجح، فقط إسرائيل والصين تَمتلكان برامج ذكاء اصطناعي مع مراقبة نظامية لكل الأفراد وأتمتة مشبوكة مع النظام البيروقراطي المفتوح (وليس السرّي) والصناعة البحثية الأكاديمية؛ نحن هنا لا نتحدّث عن مراقبة على طريقة الأجهزة الأمنية التي يكتب أفرادها التقارير. وكالة الأمن الوطني (NSA) في الولايات المتحدة كانت تتجسّس على أفراد بعينهم، وهذا ليس رقابة شاملة بيروقراطية كما هو الحال مع الشعبَين الفلسطيني والصيني (طبعاً مع اختلاف الأهداف في المراقبة، فإسرائيل تريد أن تأتمت إبادة الفلسطينيين بينما الصين تريد إنشاء «نظام الرصيد الاجتماعي»). لذلك قد نجد لاحقاً أن إسرائيل والصين طوّرتا أنماطاً من الألغوريثمات والذكاءات الاصطناعية المعنيّة بالمراقبة غير موجودة عند غيرهما، وهذا يُحيلنا مجدداً إلى محاولة وضْع تصوّر لما قد يكون عليه «الكلاشنكوف الصيني» الذي سيساعد الأطراف على مقاومة الإمبريالية الأميركية.
أيضاً كان الكلاشنكوف سلاح الأحزاب الثورية، الأحزاب باعتبارها كيانات نمت بشكل جدي أوائل القرن العشرين؛ فما هو نوع التشكيل السياسي الذي سيَستخدم الدرون أو جهاز التشويش أو السلاح الفلاني الجديد؟ هل بإمكان فكرة الأحزاب التقليدية القيام بذلك في زمن الإبادة الإمبريالية؟ بمعنى أن فكرة السيادة كانت تَمنع قبلاً بشكل جزئي انفلات المشاريع الإبادية، وبالتالي إذا نَفّذتْ المقاومة عمليةً عسكرية فلن يكون بإمكان العدو بشكل صريح وعلني الهجوم على المدنيين، لأن مفاهيم السيادة والمدنيين كانت لا تزال قائمة.
على الأرجح فإن الإجابة على سؤال مَنْ سيَحمل «الكلاشنكوف الصيني» سنجده في تتبّع مآلات ما بعد مفهوم السيادة: يتّجه الرئيس ترامب إلى نوع من الملكية داخل الولايات المتحدة وخارجها، وقد تمكّننا مراجعة التشكيلات الاجتماعية-السياسية التي كانت موجودة في العهود الملكية القديمة والتي اختفتْ مع ظهور الدولة-الأمّة ذات السيادة، قد تمكّننا من إيجاد نوع التشكيل المقاوم الذي سيَحمل «الكلاشنكوف الصيني». المدارس المستقبلية هي عودات إلى مدارس بائدة كما يُقال في تاريخ الفنون؛ ومن المفارقات أن تكون فكرة الجمهورية الإسلامية في إيران (والتي كانت تُرمى بالرجعية من قِبَل البعض) أكثر تقدّماً من نموذج الدولة الذي يصوغه دونالد ترامب.
على الهامش، يلفتني بعض مدّعي اليسارية الذين يهاجمون إيران دون أن يعرفوا أن اقتصاد إيران الجمهورية الإسلامية هو إلى يسار يسار اقتصاد برازيل لولا دا سيلفا، وأن الاقتصاد الإيراني (على الأقل قبل التحولات التي فرضتْها العقوبات) هو اقتصاد يساري، كل ما هنالك أن الجمهورية الإسلامية لم ترد تسميته كذلك لأنها كانت تعد بأنها ستوجد مفاهيم اقتصادية مبنية على العلوم الإسلامية؛ عدم نجاحها في ذلك هو موضوع آخر.
* باحث
