جردة أفعال كريم سعيد... لا أقواله

بعد أقل من أسبوعين على انتخاب العماد جوزيف عون رئيساً للجمهورية، انطلقت حملة إعلامية في الخارج لترشيح كريم سعيد إلى منصب حاكم لمصرف لبنان. كتب الدكتور مايكل روبن الباحث في «معهد أميركان انتربرايز» AEI مقالاً في 24 كانون الثاني 2025 حول تعيين حاكم جديد للبنك المركزي، طالباً من فريق الرئيس دونالد ترامب في وزارة الخزانة التعاون مع وزير الخارجية ماركو روبيو للتأكد من تعيين حاكم نزيه وكفؤ لمصرف لبنان.
أضاف مايكل روبن في هذا المقال أن سمير عساف وآلان بيفاني مرشحان لمركز حاكم البنك المركزي. إلا أن الخيار الأفضل بكثير هو كريم سعيد، منوّهاً بالسيرة الذاتية لهذا الأخير. ثم عاد روبين ليكتب في 13 آذار 2025، مقالاً ثانياً ذكر فيه أن كريم سعيد هو المرشح الرئيسي لمركز حاكم البنك المركزي، ربما الأهم بعد رئاسة الجمهورية.
بعد أسبوعين، وتحديداً في 27 آذار 2025، تم تعيين كريم سعيد حاكماً لمصرف لبنان بدعم 17 وزيراً من أصل 24. وفي اليوم نفسه، صرحت المتحدثة باسم صندوق النقد الدولي جولي كوزاك في مؤتمر صحفي مقتضب «أولاً وقبل كل شيء ما هو مطلوب هو استراتيجية شاملة لإعادة التأهيل الاقتصادي».
بعد حوالى شهر من تسلم مهماته في المصرف المركزي، قدم كريم سعيد في 7 أيار 2025 إلى مجلس النواب «دراسة قانونية حول استقلالية مصرف لبنان وضرورة المحافظة على تجانس التشريع المصرفي»، ركزت على أن «مشروع القانون المتعلق بإصلاح وضع المصارف في لبنان وإعادة تنظيمها» يمس مباشرة باستقلالية مصرف لبنان وبتجانس التشريع المصرفي.
صدر هذا القانون الذي يحمل الرقم 23 في 14 آب 2025 في الجريدة الرسمية، وقد قبِل المجلس الدستوري الطعن به جزئياً في 3 تشرين الأول 2025. استقلالية المصرف المركزي مسألة ضرورية حتماً، ولكن مع اعتماد مبدأ «obligation d’informer et de rendre compte» كما هي الحال في بلد مثل سويسرا، حيث يوصف المصرف المركزي السويسري بأنه أكثر مصرف مركزي مستقل في العالم.
هذا المبدأ مهم، خاصة إذا كان المصرف المركزي يدرس اتخاذ قرارات مهمة تتعلق بالسياسة النقدية. من المفيد هنا التذكير بالمادة 71 من قانون النقد والتسليف التي تنص على أن «يتعاون المصرف المركزي مع الحكومة ويقدم لها كل مشورة تتعلق بالسياسة المالية والاقتصادية بغية تأمين الانسجام الأوفر بين مهمته وأهداف الحكومة». وكمثال على ذلك، نعود إلى حزيران العام 2016، عندما اتخذ رياض سلامة قراره بإجراء الهندسات المالية، إذ كان يتوجب عليه إعلام الحكومة بهذا القرار مع الأسباب الموجبة.
علماً أن هدف هذه الهندسات هو استقطاب الدولارات التي يحتاجها لبنان، وقد تركت الهندسات أثراً بالغ السوء، وسرّعت في تفاقم الأزمة التي بدأت ملامحها بالظهور في سنة 2015 وفقاً لتقرير أولي قدمه وفد مشترك من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي إلى رياض سلامة في نيسان 2016.
في 6 شباط 2026، صرّح كريم سعيد «أن مصرف لبنان ملتزم سياسة الحكومة والتنسيق الكامل معها، على أن يتم النقاش حول إدخال تحسينات وتحصينات على قانون الانتظام المالي وآلية سداد الودائع، بما يضمن مقاربة متناسقة ومنسقة مع الحكومة، وبما ينعكس إيجاباً على ملف إعادة سداد الودائع ضمن المهل الزمنية المطروحة»... وخطورة هذا التصريح أنه يُسقط أي استقلالية لمصرف لبنان.
توحيد أسعار الصرف
نشر صندوق النقد الدولي في نهاية حزيران 2023 تقريراً حول مشاورات المادة الرابعة مع لبنان، وقد ورد فيه أن لبنان يشترك في ممارسات تعدد أسعار الصرف عبر تعاميم أصدرها مصرف لبنان، أهمها التعميم الأساسي الرقم 151 الصادر بتاريخ 21 نيسان 2020 المتعلق «بإجراءات استثنائية حول السحوبات النقدية من الحسابات بالعملات الأجنبية».
بموجب هذا التعميم، يقوم مصرف لبنان حالياً بشراء عملات أجنبية من المصارف على سعر 15,000 ليرة لبنانية للدولار الأميركي الواحد، وتقوم هذه الأخيرة ببيع هذه العملات إلى مصرف لبنان على السعر نفسه. نشير هنا إلى أن هذا السعر كان قد حدد بموجب التعميم الوسيط الرقم 673 تاريخ 5 تموز 2023، أي قبل 26 يوماً من انتهاء ولاية رياض سلامة في 31 تموز 2023. بعد ذلك، تسلم وسيم منصوري مهمات الحاكم بالإنابة لمدة 20 شهراً، ولم يتم تغيير هذا السعر. وبعد مرور حوالى عشرة أشهر على تعيين سعيد حاكماً، لم يتم تغيير هذا السعر.
وظيفة الحاكم
حماية استقلالية مصرف لبنان، ويفترض بلجان الرقابة إنجاز الخطوات للخروج من الحفرة السحيقة
في المقابل، قامت وزارة المالية، ابتداء من سنة 2023، بتحديد سعر منصة صيرفة (89,500 ليرة لبنانية للدولار الأميركي الواحد) في تعاملها مع الناس إرضاء لصندوق النقد الدولي في زيادة واردات الدولة من دون أن تهتم لحالة الناس المحتجزة أموالهم في المصارف ومن دون الأخذ في الحسبان وجود فرق بلغ 74,500 ليرة لبنانية بين سعر منصة صيرفة المذكور أعلاه وسعر الـ 15,000.
ما الذي تغيّر منذ انتهاء ولاية سلامة في 31 تموز 2023 حتى اليوم بما خص تحديد سعر تعامل مصرف لبنان مع المصارف وتعامل هذه الأخيرة مع عملائها؟ والجواب بكل وضوح وشفافية: لا شيء. وهناك ملف آخر، إذ إن سعيد يذكر في سيرته الذاتية أنه عمل في HSBC Middle East لمدة ست سنوات ابتداء من سنة 2000.
وفي 18 حزيران 2024، أصدرت الهيئة الفدرالية السويسرية لمراقبة الأسواق المالية (FINMA) بياناً صحفياً اتهمت فيه البنك السويسري بانتهاك جسيم للقوانين الرقابية في سويسرا في ما يخص عمليات عالية المخاطر بلغ مجموعها أكثر من 300 مليون دولار أميركي (مصدرها مؤسسة حكومية) نفذت بين 2002 و2015 من لبنان إلى سويسرا. بناء على هذا الاتهام الخطير، ولما كانت مصلحة المودعين فوق كل اعتبار، فإنه يتوجب على الحاكم سعيد التقدم بشكوى ضد البنك المذكور في سويسرا لمطالبته بدفع بدل عطل وضرر لمصرف لبنان بما لا يقل عن مليار دولار أميركي يخصص حصراً للمودعين.
وخلال مراسم التسلم والتسليم التي جرت في 4 نيسان 2025، أكد سعيد أن «مصرف لبنان سيعمل على القضاء على الاقتصاد غير الشرعي عبر مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب»، مشدداً على العمل «لإعادة بناء الثقة بالقطاع المصرفي وإيجاد الحوافز وإعادة تمويل العجلة الاقتصادية من خلال القطاع المالي والمصرفي الشرعي».
هناك مقولة شهيرة لعالم النفس السويسري كارل يونغ تقول: «أنت ما تفعله، وليس ما تقول إنك ستفعله». وهي تؤكد أن الهوية الحقيقية للإنسان تتحدد بأفعاله وسلوكه الفعلي، لا بوعوده أو نواياه. وهي تدعو إلى تحمّل المسؤولية، النضج والمطابقة بين القول والعمل.
ويمكن الاستفادة منها، من أجل التوضيح، بأنه يتوجب على الحاكم سعيد توحيد أسعار الصرف، وليس أن يقول «سنعمل على توحيد أسعار الصرف». كما إنه يفترض بلجنة الرقابة وهيئة التحقيق الخاصة، أن تقوم بهذا الإجراء فعلياً، وليس أن تقول «سنعمل على تنفيذ قانون السرية المصرفية». خصوصاً أنه بعد مضي حوالى عشرة أشهر على تعيينه حاكماً، الجميع ينتظر من سعيد أن يثبت للناس خلال ستة أشهر على الأكثر، أنه شخص مستقل، لا يتبع لأي جهة داخلية أو خارجية، وأنه قادر على انتشال الناس من الحفرة التي وقعوا فيها منذ سنوات عدة، علماً أن «مشروع القانون المتعلق بالانتظام المالي واسترداد الودائع» قد عمَّق هذه الحفرة.
*عضو سابق في لجنة الرقابة على المصارف
