أثر المُسيّرات على الحياة البرّية: حتى الطيور في خطر!


منذ وقف إطلاق النار في لبنان، لم تتوقّف الطائرات المُسيّرة الإسرائيلية عن التحليق، ولا عن اختراق أجواء القرى الجنوبية والبساتين والأراضي الرطبة والتلال الحرجية، بمعدل شبه يومي وعلى ارتفاعات منخفضة. ورغم أن معظم التغطية الإعلامية تركّز على التهديدات الأمنيّة، فإنّ مسألة أخرى لا تزال مُغفَلةً إلى حدّ كبير: ما الذي تعنيه هذه المراقبة الجوّية المستمرّة للحياة البرّية في واحدة من أكثر المناطق حسّاسية بيئياً في المنطقة؟
تشير الدراسات العلمية بصورة متزايدة إلى أنّ صوت الطائرات المُسيّرة وحده—بغضّ النظر عن الاضطرابات البصرية—يمكن أن يُحدِث تغيّرات في سلوك الحياة البرّية. فقد حذّرت دراسة في جامعة SDU الدنماركية نُشرت حديثاً (2026) تحت عنوان «تأثير ضوضاء الطائرات على الحياة البرّية»، من أنّ الضجيج المتكرّر لهذه الأجهزة يشكّل تهديداً محتملاً على صحّة الحيوانات، خصوصاً عندما يكون التعرّض مستمرّاً لا عرضياً. ويفيد الباحثون بأنّ الصوت الصادر عن الطائرات المُسيّرة يتميّز بنغمات حادّة وتردّدات عالية، وهي خصائص ثبت أنها تزيد من الإزعاج الإدراكي لدى الحيوانات مقارنة بأنواع أخرى من الضجيج البشري.
يقع جنوب لبنان على طريق الهجرة الأفريقي–الأوراسي، أحد أهم الممرّات العالمية للطيور المهاجرة. ففي كل موسم، تعتمد الطيور على التلال والمستنقعات كمحطات استراحة وتغذية خلال رحلاتها الطويلة بين القارّات. وتُعدّ فترات الراحة هذه أساسية من الناحية البيولوجية، إذ إنّ أي اضطراب، وإن كان بسيطاً، قد يؤثّر على توقيت الهجرة وفرص البقاء على قيد الحياة.
وتأتي هذه الضغوط فوق الأضرار البيئية الموثّقة. فقد وثّق تقييم صادر عن مرصد الصراع والبيئة (CEOBS) في أوائل كانون الأول 2024 حرائق واسعة النطاق وفقداناً في الموائل الطبيعية في جنوب لبنان. وأسفر احتراق البساتين وتجزئة الغابات عن تقلّص المساحات المظلّلة ومصادر الغذاء، ما جعل الحياة البرّية أكثر عرضة للاضطرابات.
في بيئات مثل جنوب لبنان—الذي يجمع بين كونه ممرّاً للطيور المهاجرة وموطناً للنظم الإيكولوجية الزراعية والشجرية—قد تؤدّي هذه الاضطرابات المتكرّرة خلال مواسم الهجرة أو التزاوج إلى تراجع معدّلات التكاثر أو إلى تغيّرات في أنماط الحركة
أمّا الحيوانات البرّية، فالتأثيرات عليها موثّقة في أدبيّات علوم البيئة. إذ يرتبط التعرّض المستمرّ للضجيج الناتج عن النشاط البشري بارتفاع مستويات اليقظة، وانخفاض كفاءة التغذية، وتغيّر أنماط استخدام الموائل، وزيادة الضغط الفيزيولوجي. وأوضحت مراجعة نُشرت عام 2023 في مجلة Frontiers in Ecology and Evolution أنّ الضجيج المستمر قادر على تغيير السلوك الحيواني، بل وقد يُحدِث تحوّلات أوسع على مستوى النظم البيئية.
أمّا الأبحاث المتخصّصة في تأثير المُسيّرات، والتي جُمعت في دراسة تحليلية عام 2025، فقد سجّلت تكرار حالات الفرار المفاجئ، وردود الفعل التجنّبية، وتعطيل مواسم التزاوج والتكاثر لدى فصائل متنوّعة من الكائنات. وكان ارتفاع المُسيّرة وقربها عاملَين حاسمين في شدّة التأثير.
تُعدّ الطيور، تحديداً، عنصراً جوهرياً في النظام البيئي اللبناني، وهي في الوقت نفسه من أكثر الكائنات حسّاسية. فقد وثّقت دراسة نُشرت في مجلة Journal of Field Ornithology مستويات اضطراب كبيرة لدى الطيور في أعشاشها عند تحليق المُسيّرات فوقها، ولا سيما على ارتفاعات منخفضة. وفي بيئات مثل جنوب لبنان—الذي يجمع بين كونه ممرّاً للطيور المهاجرة وموطناً للنظم الإيكولوجية الزراعية والشجرية—قد تؤدّي هذه الاضطرابات المتكرّرة خلال مواسم الهجرة أو التزاوج إلى تراجع معدّلات التكاثر أو إلى تغيّرات في أنماط الحركة.
ولا تقتصر التأثيرات على الأنواع البرّية. فالكائنات الساحلية والبحرية ليست بمنأى عن هذا النوع من الإزعاج. فقد أظهرت دراسة نُشرت في Frontiers in Marine Science تغيّرات سلوكية واضحة لدى الفقمات عند تعرّضها لتحليق مُسيّرات، حتى من دون أي احتكاك جسدي مباشر. وتعتمد الكائنات البحرية والساحلية بدرجة كبيرة على الإشارات الصوتية في تفاعلها مع بيئتها، ما يجعلها أكثر عرضة للتأثّر بالضجيج الجوّي المفاجئ.
وعند النظر إلى الصورة الكاملة، يتبيّن أنّ تضرّر الموائل الطبيعية، والتعرّض للملوّثات الكيميائية، والتحليق اليومي للطائرات المُسيّرة، تُنتِج مجتمعة ضغطاً بيئياً تراكمياً. وحتى في غياب مؤشّرات مرئية لانقراض الحياة البرّية، فإنّ التغيّرات السلوكية تحدث فعلياً، سواء من خلال تقصير فترات التوقّف أثناء الهجرة، أو تبدّل أنماط التغذية، أو تغيّر حركة الحيوانات ليلاً. ومع ذلك، يبقى الأثر البيئي الطويل الأمد غائباً عن البحوث، حين يتحوّل طنين المُسيّرات إلى واقع يومي، بدلاً من أن يكون حدثاً استثنائياً متقطّعاً.
