شركات الموت في خدمة إسرائيل: كيف تُصنَّع الإبادة البيئية


في الثالث من شباط، أفاد سكان محليون بمشاهدتهم طائرات حربية إسرائيلية ترشّ مادة كيميائية مجهولة فوق الأراضي الزراعية في جنوب لبنان أثناء تحليقها على علوٍّ منخفض، مستهدفة بشكل أساسي بلدات: البستان، عيتا الشعب، الحِمى، خلّة وردة ومروحين. وقد أدان «تجمّع أبناء القرى الحدوديّة» هذه الجريمة، واصفاً إيّاها بالعمل الإرهابي، ومؤكداً أن هذا التلوّث المتعمّد يهدف إلى تسميم التربة وتدمير خصوبتها، وتحويل المنطقة إلى منطقة غير صالحة للسكن. من جهتها، اعتبرت «الحركة الزراعية» ما جرى «جريمة بيئية» واضحة، مشيرة إلى هجمات مماثلة باستخدام مبيدات الأعشاب استهدفت الأراضي الزراعية وبساتين الزيتون والمناطق الريفية الحدودية في الجنوب في كانون الثاني 2025، وكذلك في محافظة القنيطرة السورية في كانون الثاني 2026.
لطالما شكّلت المواد الكيميائية عنصراً أساسيّاً من عناصر المنطق الاستيطاني–الاستعماري الصهيوني في المنطقة. في لبنان، ومنذ سبعينيات القرن الماضي، استخدمت إسرائيل أسلحة الفوسفور مستهدفة المدنيين والأراضي الزراعية الخصبة. كما خلص تقرير تقييم صادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة عقب حرب عام 2006 إلى وجود أدلة على استخدام إسرائيل للفوسفور الأبيض، مشيراً إلى أنّ العديد من القذائف لم تنفجر فور سقوطها، ما أدّى إلى تأخير إطلاق هذه المادة السامّة الشديدة الاشتعال.
وعلى امتداد الحدود مع غزة، بات الرش الجوّي أمراً روتينيّاً منذ عام 2014 يُنفّذ عادة خلال شهري كانون الأول وكانون الثاني، ثم يُستأنف مجدّداً في نيسان. وتزعم سلطات الاحتلال أن عمليات الرش تتم على الجانب الإسرائيلي من الحدود، وترفض الكشف عن المواقع الدقيقة. إلا أنّ متحدّثاً باسم جيش الاحتلال أقرّ عام 2015 بأنّ عمليات رشّ مبيدات الأعشاب نُفّذت داخل قطاع غزة، وليس فقط على طول حدوده، بهدف «تمكين العمليات الأمنيّة المستمرّة».
وتقدّر وزارة الزراعة الفلسطينية أنّ عمليات الرشّ بين عامي 2014 و2018 ألحقت أضراراً بأكثر من 13 ألف دونم من الأراضي الزراعية في القطاع. وخلال عدوانها على غزة بين عامي 2008 و2009، استخدمت قوات الاحتلال قذائف الفوسفور الأبيض، المحظورة دولياً والمصنّعة في الولايات المتحدة، في مناطق مكتظّة بالسكّان المدنيين.
ورغم أن استخدام الفوسفور الأبيض المحظور دولياً يُعدّ الأكثر شيوعاً في المنطقة، فإنّ مواد كيميائية أخرى تُستخدم أيضاً، مثل الغليفوسات (Glyphosate)، والديورون (Diuron)، والأوكسي فلورفين (Oxyfluorfen).
يُعدّ الغليفوسات (الذي أظهرت نتائج تحليل الجيش واليونيفل للعينات استخدامه في الجنوب) أشهر مبيدات الأعشاب، وهو معروف أيضاً باسمه التجاري «راوند أب» (Roundup). وعلى الرغم من تسويقه المكثّف حتى اليوم كمبيد «آمن» للأعشاب في إطار الزراعة الصناعية، فإنّ خصائصه السمّية تكشف واقعاً مغايراً. فالغليفوسات مادّة عالية الذوبان، تتسرّب بسرعة إلى التربة وتلوّث المياه الجوفية وتتراكم في أنسجة النباتات، ما يجعل التخلّص من آثارها على المدى الطويل أمراً بالغ الصعوبة. وتشير الدراسات إلى أنّ جزءاً محدوداً فقط من الغليفوسات يقضي على الأعشاب، بينما يبقى الجزء الأكبر في البيئة، ما يؤدّي إلى تراجع إنتاجية المحاصيل وجودتها، وتدهور خصوبة التربة، وتلوّث المياه، وبالتالي تهديد الحياة البشرية والحيوانية على حدّ سواء.
تصنّف الوكالة الدولية لأبحاث السرطان (IARC) الغليفوسات باعتباره «مادة يُحتمل أن تكون مسرطنة للبشر»، وقد أظهرت دراسات علمية حاسمة، من بينها أول تجربة مخبرية أُجريت عام 2018، أنّ التعرّض لتركيز يقلّ بعشر مرات عن المستوى الصناعي الموصى به (1 ميكروليتر/مل من Roundup، أي ما يعادل تركيز غليفوسات قدره 0.36 ميكروغرام/مل) يؤدّي إلى شلل حركة الحيوانات المنوية البشرية وتعطيل وظائف الميتوكوندريا، وهو ما يشكّل هجوماً مباشراً على الصحة الإنجابية والأجيال المقبلة. كما أظهرت دراسات أُجريت على الجرذان أنّ التعرّض لهذه المادّة قبل الولادة يُحدِث اضطرابات في النظام الهرموني والنموّ.
إنّ البنية التحتية العسكرية – الشركاتية التي تمكّن ما يُعرف اليوم بالإرهاب الزراعي ما هي إلّا نتاجُ قرنٍ كامل من الإبادة البيئية الجماعية الموثّقة
وقد أدّى الاستخدام المكثّف للغليفوسات إلى تلوّث أنظمة بيئية متعدّدة، ما ألحق أضراراً بالحيوانات والنباتات والكائنات الدقيقة، وأدّى إلى تدهور السلاسل الغذائية، وتفاقم حالات نقص التغذية والأمراض المزمنة، بما يقوّض المجتمعات من الداخل.
تُعدّ الشركات المصنّعة الرئيسية للفوسفور الأبيض والغليفوسات وغيرها من المواد الكيميائية شركات «سيئة السمعة»، ارتبطت تاريخياً بتزويد الولايات المتحدة بأسلحة كيميائية. وهي أيضاً من بين عدد محدود من التكتلات الصناعية التي تسيطر على نحو 60% من أسواق الغذاء العالمية.
وقد أدرجت وكالة تسجيل المواد السّامة والأمراض في عام 2020 أبرز الشركات المُنتِجة للغليفوسات، وفي مقدّمتها شركة «مونسانتو» الأميركية، التي أصبحت شركة تابعة لعملاق الصناعات الدوائية الألماني «باير» (Bayer) عقب صفقة استحواذ بلغت قيمتها 56 مليار دولار أُعلنت عام 2016 واكتملت عام 2018. وتواجه «مونسانتو»/«باير» نحو 192 ألف دعوى قضائية مرتبطة بمنتج راوند أب/الغليفوسات، بينها آلاف القضايا داخل الولايات المتحدة وحدها. في عام 2018، على سبيل المثال، أمرت محكمة أميركية شركة «مونسانتو» بدفع 289 مليون دولار لمقيم في ولاية كاليفورنيا مصاب بالسرطان، بعدما ثبت أنّ مرضه ناجم عن تعرّضه لمبيد راوند أب. كما تُعد «مونسانتو» جهة موثّقة لتصنيع الفوسفور الأبيض المُستخدم في الأغراض العسكرية.
من بين أبرز منتجي الغليفوسات أيضاً شركة «أداما أغن» (ADAMA)، وهي شركة إسرائيلية كانت تُعرف سابقاً باسم «مختشيم أغن للصناعات»، وتتخذ من الأراضي الفلسطينية المحتلة مقرّاً لها، وهي مملوكة لشركة «ChemChina» الصينية التابعة للدولة. وتنفّذ «أداما» عملياتها ضمن المستوطنات غير القانونية، من خلال تشغيل خبراء وموزّعين إقليميين داخل المستوطنات في الضفة الغربية ومرتفعات الجولان. كما تنتج مبيدات أعشاب أخرى تُستخدم في عمليات الرش الجوي التي ينفّذها جيش الاحتلال لإزالة الغطاء النباتي على طول الجدار الحدودي مع غزة.
تُنتِج «أداما» أيضاً مادة الديورون الكيميائية. وبينما أشارت وكالة حماية البيئة الأميركية (EPA) في تقييمها عام 2003 إلى انخفاض سمّيته الحادة، أكّدت الوكالة أن سمّيته المزمنة تستهدف الدم والمثانة والكلى، وتتسبّب في أضرار إنجابية، وإضعاف الجهاز المناعي، والإصابة بالسرطان.
أمّا الأوكسي فلورفين، المعروف على نطاق واسع باسمه التجاري «Goal»، فتنتجه كل من شركة «أداما» وشركة «دو-كيميكال» (Dow Chemical) الأميركية، التي أصبحت جزءاً من تكتّل «DowDuPont»، أكبر شركة كيميائية في العالم. وقد صنّفت وكالة حماية البيئة الأميركية هذه المادة منذ عام 1992 باعتبارها مادة محتملة التسبّب بالسرطان لدى البشر. كما حدّدتها وزارة الزراعة الأميركية كمادة تشكّل خطراً صحّياً على العاملين الذين يتعاملون معها، وكذلك على المستهلكين.
إنّ البنية التحتية العسكرية–الشركاتية التي تمكّن ما يُعرف اليوم بالإرهاب الزراعي ما هي إلّا نتاجُ قرنٍ كامل من الإبادة البيئية الجماعية الموثّقة. بدأت شركة «دوبونت» (DuPont)، التي اندمجت مع شركة «دو» في صفقة بلغت قيمتها 130 مليار دولار، كمورّد للبارود، قبل أن تصبح لاحقاً جزءاً من مشروع مانهاتن، حيث تولّت إنتاج البلوتونيوم المستخدم في القنبلة الذرية التي أُلقيت على ناغازاكي. كما قامت «دو كيميكال» بإنتاج مادة النابالم الحارقة. أمّا «مونسانتو» و«داو»، فكانتا من أبرز المورّدين لمادة «Agent Orange» التي استخدمها الجيش الأميركي خلال حرب فييتنام.
بين عامي 1961 و1971، رشّ الجيش الأميركي نحو 80 مليون ليتر من مبيد «Agent Orange»، الذي يحتوي على 366 كيلوغراماً من مادة ثنائي بنزو ديوكسين المتعدّد الكلور (TCDD- يختصر في بعض الأحيان إلى ديوكسين)، وهي واحدة من أكثر المواد الكيميائية سمّية التي أنتجها الإنسان، فوق مساحة بلغت نحو 30 ألف ميل مربع في فييتنام ولاوس وكمبوديا. تسبّبت هذه المادة في تشوّهات خلقية كارثية، وانتشار السرطانات، وأمراض مزمنة امتدّ أثرها عبر الأجيال. وبحلول نهاية الحرب الأميركية على فييتنام عام 1975، كان نحو 4.8 ملايين فييتنامي قد تعرّضوا لهذه المادة، ما أدّى إلى وفاة نحو 400 ألف شخص. وكشفت وثائق رُفعت عنها السرّية عام 1983 أنّ شركتي «مونسانتو» و«دو» كانتا على علم بالمخاطر القاتلة المرتبطة بالتلوث الشديد بمادة الديوكسين.
من فييتنام إلى غزة، وصولاً إلى بلدات البستان وعيتا الشعب ومروحين في جنوب لبنان، يتكرّر المنطق ذاته: الاستهداف المتعمّد للزراعة المحلّية كضربة مباشرة للسيادة الغذائية وشروط البقاء الجماعي. والأهم من ذلك أنّ المجموعة ذاتها من الشركات، بإرثها الصناعي والعسكري، لا تزال حتى اليوم توفّر الأدوات والبنية اللازمة لمحوٍ بطيء للتراث وسبل العيش.
