ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

الجنوب العالمي الجديد وأفق المقاومة

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
كريم حداد
كريم حداد
السبت 21 شباط 2026
الخط

لم يعد النقاش حول «الجنوب العالمي» ترفاً أكاديمياً أو توصيفاً جغرافياً محايداً. لقد عاد هذا المفهوم إلى قلب السياسة الدولية، لا بوصفه حنيناً إلى زمن «العالم الثالث»، بل كعنوان لتحوّل بنيوي في توزيع القوّة العالمية. في هذا السياق، تبرز أطروحة أميتاف أشاريا حول «الجنوب العالمي الجديد» بوصفها مفتاحاً لفهم لحظة تاريخية تتداخل فيها أزمات الهيمنة الغربية، وتصدّعات النظام الليبرالي، وصعود تكتلات كـ BRICS+، مع سؤال قديم متجدّد: ما هو أفق المقاومة ضد الإمبريالية والصهيونية في عالم متحوّل؟

أولاً: من خطاب التحرّر إلى بنية عالمية جديدة

في القرن العشرين، ارتبطت المقاومة ضد الإمبريالية بحركات التحرّر الوطني، وحركة عدم الانحياز، ومطالب «النظام الاقتصادي الدولي الجديد». كان الجنوب آنذاك يطالب بالعدالة من موقع الضعف. أمّا اليوم، فإنّ الجنوب العالمي الجديد – وفق أشاريا – لم يعد كتلة هامشية تطالب بالاعتراف، بل بات فضاءً يملك أدوات اقتصادية وسياسية متزايدة، وقادراً على التأثير في قواعد اللعبة.

هذا التحوّل لا يعني نهاية الهيمنة الغربية، لكنه يعني تآكل احتكارها. الولايات المتحدة وأوروبا لم تعودا قادرتين على فرض أجندتهما دون مقاومة أو تحفّظ واسع من دول الجنوب، سواء في قضايا الحرب والسلم، أو في النظام المالي، أو في ملف المناخ. هنا تكمن أهمية «العصر المتعدد المراكز» الذي يتحدّث عنه أشاريا: عالم لا تسيطر عليه قوّة واحدة، بل تتوزّع فيه مصادر التأثير.

بالنسبة إلى قضايا كفلسطين، أو لملفات الهيمنة العسكرية والاقتصادية، فإنّ هذا التعدّد في المراكز يفتح هوامش جديدة للمناورة. لم تعد الرواية الغربية هي الرواية الوحيدة المتداولة، ولم يعد الاصطفاف معها حتمياً كما كان في ذروة الأحادية الأميركية بعد 1991.

ثانياً: الإمبريالية في صيغة جديدة

غير أن الإمبريالية لم تختفِ؛ بل أعادت تشكيل نفسها. لم تعد مجرد احتلال مباشر، بل شبكة معقدة من العقوبات، والمؤسسات المالية، والتحالفات العسكرية، والتفوق التكنولوجي. كما أن المشروع الصهيوني لم يعد يُقدَّم فقط كقضية أمنية إقليمية، بل كجزء من منظومة تحالفات غربية ترى في إسرائيل ركيزة متقدمة في الشرق الأوسط.
في هذا الإطار، تبدو المقاومة التقليدية – المسلحة أو الخطابية – غير كافية. ما يتطلبه الوضع هو مقاومة متعددة الأبعاد: سياسية، اقتصادية، قانونية، ورمزية. وهنا يتقاطع سؤال الجنوب العالمي مع سؤال فلسطين: هل يستطيع الجنوب الجديد أن يقدّم رافعة حقيقية لتفكيك البنية الإمبريالية الداعمة للصهيونية؟

ثالثاً: BRICS+ بين الرمز والإمكان

يُنظر إلى BRICS+ أحياناً بوصفها «تحالفاً مضاداً للغرب»، لكن الواقع أكثر تعقيداً. فالتكتل يضم دولاً ذات مصالح متباينة، وبعضها يحتفظ بعلاقات استراتيجية عميقة مع الولايات المتحدة. مع ذلك، فإن مجرد وجود منصة خارج الهيمنة الغربية الكاملة يحمل دلالات مهمة.
على المستوى المالي، يفتح التكتل نقاشاً حول تقليل الاعتماد على الدولار، وتطوير أدوات تمويل بديلة عبر بنك التنمية الجديد. صحيح أن «إزالة الدولرة» لا تزال محدودة، لكن أي تخفيف لهيمنة النظام المالي الغربي يحدّ من قدرة واشنطن على استخدام العقوبات كسلاح سياسي.

وعلى المستوى الديبلوماسي، يشكل تزايد حضور دول الجنوب في المحافل الدولية عامل ضغط معنوي وسياسي. التصويتات في الأمم المتحدة، والمواقف الجماعية في قمم BRICS+، تعكس تراجعاً في قدرة الغرب على احتكار «الشرعية الدولية».
وعلى مستوى الخطاب، يمنح الجنوب الجديد شرعية سردية لمفاهيم مثل العدالة التاريخية، وازدواجية المعايير، وحق الشعوب في تقرير المصير. هذه اللغة ليست مجرد شعارات؛ إنها أدوات لإعادة صياغة النقاش العالمي حول فلسطين، والاستعمار، والهيمنة.

رابعاً: حدود الرهان على الجنوب

غير أن تحويل BRICS+ أو الجنوب العالمي إلى بديل تلقائي للمقاومة سيكون خطأً استراتيجياً. فالدول تتحرك وفق مصالحها، لا وفق شعارات أيديولوجية. الصين، على سبيل المثال، تتبنى خطاباً داعماً للقانون الدولي، لكنها حريصة على تجنب صدام مباشر مع الغرب يضر بمصالحها الاقتصادية. الهند تمارس سياسة «تعدد الانحيازات»، ولا ترى نفسها جزءاً من محور معادٍ للغرب. بعض دول الخليج تجمع بين عضوية BRICS+ وتحالفات أمنية وثيقة مع واشنطن.
هذا يعني أن الجنوب العالمي ليس كتلة ثورية موحدة، بل فضاء مرن تحكمه البراغماتية. المقاومة في هذا السياق لا يمكن أن تعتمد فقط على التحالفات الرسمية، بل تحتاج إلى بناء شبكات أوسع من التضامن الشعبي، والضغط القانوني، والحملات الاقتصادية.

خامساً: المقاومة كإعادة توزيع للقوة

إذا كان القرن العشرون قد شهد مقاومة عسكرية مباشرة للاستعمار، فإن القرن الحادي والعشرين قد يشهد مقاومة عبر إعادة توزيع أدوات القوة؛ تخفيف الاعتماد على الدولار؛ تنويع الشراكات التجارية؛ تطوير بنوك تنمية بديلة؛ تعزيز التعاون جنوب–جنوب في التكنولوجيا والطاقة… كلها خطوات قد تبدو تقنية، لكنها تحمل أبعاداً سياسية عميقة.
فكلما تقلصت قدرة قوة عظمى على فرض عقوبات شاملة، أو احتكار التمويل، أو التحكم في سلاسل الإمداد، تراجعت فاعليتها في دعم مشاريع استعمارية أو فرض تسويات مجحفة. بهذا المعنى، فإن بناء بدائل اقتصادية ومؤسساتية هو شكل من أشكال المقاومة البنيوية.

سادساً: فلسطين في سياق التحول العالمي

القضية الفلسطينية، بوصفها إحدى أطول قضايا الاستعمار الاستيطاني في العصر الحديث، تجد نفسها اليوم في لحظة مفصلية. من جهة، لا يزال الدعم الغربي لإسرائيل قوياً ومؤثراً. ومن جهة أخرى، تتسع رقعة النقد العالمي، وتتزايد الأصوات في الجنوب العالمي التي ترفض ازدواجية المعايير.
هنا، يمكن للجنوب الجديد أن يؤدي دوراً مضاعفاً: عبر دعم قانوني وديبلوماسي في المحافل الدولية، وعبر إعادة تعريف مفاهيم الأمن والشرعية بعيداً عن الاحتكار الغربي، لكن هذا الدور سيبقى مرهوناً بمدى استعداد دول الجنوب لتحمل كلفة سياسية واقتصادية، وهو أمر لا يمكن افتراضه تلقائياً.

سابعاً: من ثنائية «مع أو ضد» إلى عالم متشابك

أحد أهم إسهامات أشاريا أنه يرفض ثنائية «الغرب ضد البقية». الجنوب العالمي الجديد ليس بالضرورة مشروعاً لإقصاء الغرب، بل لإعادة التوازن. هذا الفهم قد يكون أكثر واقعية في رسم أفق المقاومة: ليس إسقاط النظام الدولي، بل تعديله تدريجياً عبر توسيع هوامش الاستقلال.
في عالم متعدد المراكز، لا تتحقق المقاومة عبر مواجهة مباشرة مع قوة واحدة، بل عبر شبكة من التوازنات والتحالفات المتقاطعة. هذا لا يلغي البعد الأخلاقي أو المبدئي، لكنه يدمجه في قراءة براغماتية للمصالح.

خاتمة: أفق مفتوح لا حتمي

مستقبل المقاومة ضد الإمبريالية والصهيونية لن يُحسم في ساحة واحدة، ولا عبر تكتل واحد. الجنوب العالمي الجديد، وBRICS+ تحديداً، يفتحان نافذة على إمكان إعادة توزيع القوة، لكنهما لا يقدّمان ضمانة تلقائية للتحرّر.
المعركة اليوم ليست فقط عسكرية أو خطابية، بل بنيوية: مَن يضع قواعد التمويل؟ مَن يحدّد معايير الشرعية؟ مَن يملك أدوات التكنولوجيا والطاقة؟ في هذه الأسئلة تتقاطع السياسة بالاقتصاد، والمقاومة بالمؤسسات.

إذا نجح الجنوب العالمي في تحويل زخمه الاقتصادي والديموغرافي إلى أدوات مؤسسية فاعلة، فقد يشهد العالم انتقالاً تدريجياً من هيمنة أحادية إلى توازن أكثر تعددية. أما إذا بقيت التناقضات الداخلية والبراغماتية الضيقة هي الحاكمة، فقد يتحول «الجنوب الجديد» إلى مجرد عنوان في كتاب.
بين هذين الاحتمالين يتشكّل أفق المقاومة: ليس كحلم رومانسي بإسقاط الإمبراطورية، بل كمشروع طويل لإعادة توزيع القوة، وكسر احتكار السردية، وتوسيع هوامش العدالة في نظام عالمي يتغير ببطء، لكنه يتغير فعلاً.

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك