ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

بين السويد والسيّد: من يعرف الضمير؟

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
كريم حداد
كريم حداد
الثلاثاء 24 شباط 2026
الخط


في أكثر لحظات أوروبا ظلاماً خلال الحرب العالمية الثانية، برزت السويد في المخيال الغربي بوصفها «بصيص نور» في قارة التهمتها النازية. لم تكن دولة كبرى، ولم تكن قوة عسكرية فاصلة، لكنها ظهرت كدولة محايدة استطاعت أن توفّر مساحات للإنقاذ الإنساني، وأن تبقي لنفسها صورة أخلاقية وسط خراب شامل.

بعد عقود طويلة، وفي مشهد مختلف تماماً جغرافياً وسياسياً، أطلّ الشهيد السيد حسن نصر الله في خطاب متلفز معلناً انحيازه لغزة في لحظة حصار وحرب. لم يُقدَّم هذا الموقف في الإعلام الغربي بوصفه «نوراً في الظلام»، بل أُدرج ضمن سردية التوتر والتصعيد.

المقارنة هنا ليست بين سياقين تاريخيين متطابقين، ولا بين نظامين سياسيين متشابهين. إنها مقارنة بين نمطين من الفعل الأخلاقي في السياسة: أخلاق الحياد وأخلاق الانحياز. بين الدولة التي تعلن نفسها خارج الصراع، والحركة التي تعلن نفسها جزءاً منه. وبين الفعل الذي يجمّل النظام القائم، والفعل الذي يحرجه أو يتحداه.
السؤال الذي يفرض نفسه ليس من كان على حق؟ بل من يملك سلطة تعريف الضمير في النظام العالمي؟

الحياد كهوية أخلاقية

قدّمت السويد نفسها خلال الحرب العالمية الثانية بوصفها دولة محايدة. هذا الحياد لم يكن مجرد قرار عسكري، بل تحوّل إلى عنصر في بناء الهوية الوطنية. فالدولة التي لم تدخل الحرب مباشرة، ولم ترتبط باسمها مجازر أو معسكرات إبادة، بدت كأنها تقف خارج منطق الجنون الأوروبي.

داخل هذه المساحة الرمزية، تحوّلت بعض المبادرات الإنسانية إلى علامات مضيئة في سردية أوسع: أوروبا ليست كتلة واحدة من الشر، هناك استثناءات، هناك دول حافظت على مسافة من الوحشية. هذا الخطاب لم يُصنع فقط من الوقائع، بل من الحاجة إلى إعادة بناء صورة القارة بعد الكارثة.

لكن الحياد لم يكن فراغاً أخلاقياً صافياً. فالدولة المحايدة كانت تتحرك ضمن توازنات دقيقة، ولها حساباتها الاقتصادية والسياسية، وعلاقاتها التجارية المعقدة مع أطراف الحرب. غير أن الذاكرة الجماعية اختارت التركيز على لحظات الإنقاذ، لا على مناطق الظل.
هكذا يتشكل ما يمكن تسميته «أخلاق الحياد»: فعل إنساني يُمارس من داخل الدولة، ومن دون قلب الطاولة على النظام الدولي. إنه فعل لا يهدد بنية القوة، بل يضفي عليها مسحة إنسانية.

الانحياز بوصفه إعلاناً صريحاً

في المقابل، حين أعلن نصر الله موقفه المؤيد لغزة، لم يكن يتحدث باسم دولة محايدة، ولا من داخل مؤسسة دولية معترف بها غربياً. كان يتحدث بوصفه قائداً لحركة مقاومة تنخرط في صراع مفتوح مع إسرائيل، وفي سياق إقليمي متشابك.
هذا الانحياز ليس إنسانياً محضاً بالمعنى الديبلوماسي، بل سياسي بالكامل. إنه يقول إن ما يحدث ليس مجرد أزمة إنسانية عابرة، بل نتيجة اختلال بنيوي في ميزان القوى. ومن هنا يُقرأ الخطاب كجزء من الصراع، لا كتعليق أخلاقي خارجه.

لهذا السبب تحديداً يختلف الاستقبال. فالانحياز، حين يصدر من خارج المركز الغربي، يُدرج سريعاً في خانة التصعيد. يُنظر إليه بوصفه تهديداً للاستقرار، لا بوصفه صوتاً أخلاقياً. لا يُمنح لقب «ضمير العالم»، بل يُصنَّف ضمن اللاعبين الإقليميين الذين يزيدون التوتر. والفارق ليس في حجم الألم الذي يُشار إليه، بل في الموقع الذي يصدر عنه الصوت.

الضمير بين المركز والهامش

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تشكّل نظام دولي يقوم على مؤسسات صاغتها القوى المنتصرة. في هذا النظام، لا تُوزَّع الشرعية بالتساوي. الموقع الجغرافي والسياسي والثقافي يؤثر في طريقة استقبال الموقف.
حين يصدر فعل إنساني من دولة أوروبية، يُفترض فيه حسن النية حتى يثبت العكس. وحين يصدر موقف تضامني من حركة في الشرق الأوسط، يُفترض فيه التوظيف السياسي حتى يثبت العكس. هكذا تعمل البنية الرمزية للنظام الدولي.
السويد استطاعت أن تتحول إلى رمز أخلاقي لأنها لم تهدد بنية القوة العالمية. أما خطاب الانحياز لغزة، فيُنظر إليه باعتباره تحدياً لموازين القوى الإقليمية والدولية.

الدولة المحايدة تتحرك ضمن توازنات دقيقة، ولها حساباتها الاقتصادية والسياسية، مع أطراف الحرب. غير أن الذاكرة الجماعية اختارت التركيز على لحظات الإنقاذ، لا على مناطق الظل


ليس المقصود هنا تبرئة أحد أو إدانة أحد، بل الكشف عن المفارقة: لماذا يُسمح للحياد بأن يكون فضيلة أخلاقية، بينما يُجرَّم الانحياز عندما يصدر من خارج المركز؟

أخلاق المؤسسة وأخلاق التحدي

يمكن فهم المسألة عبر التمييز بين «أخلاق المؤسسة» و«أخلاق التحدي». فالأولى تتحرك ضمن قواعد معترف بها دولياً، حتى لو كانت هذه القواعد مختلة. هي تحاول تخفيف الألم من دون المساس بالبنية التي أنتجته. لذلك يمكن الاحتفاء بها بسهولة، لأنها لا تهدد أحداً. أما «أخلاق التحدي»، فتنطلق من فكرة أن القواعد نفسها غير عادلة. إنها لا تكتفي بالتعاطف، بل تربط المأساة ببنية القوة. ومن هنا تصبح مزعجة، لأنها تطرح سؤالاً أكبر من الإغاثة: سؤال العدالة.
حين يتحول الموقف إلى تشكيك في التوازن القائم، يصبح من الصعب إدراجه في خانة «الضمير العالمي». لأن الضمير، في كثير من الأحيان، يُراد له أن يكون مريحاً.

الإعلام وصناعة الصورة

يلعب الإعلام دوراً حاسماً في تحويل الفعل إلى رمز. حين تصف صحف كبرى دولة محايدة بأنها «نور في الظلام»، فهي لا تنقل واقعة فحسب، بل تبني سردية. وحين تصف خطاباً تضامنياً بأنه «تصعيد»، فهي لا تصف الموقف فقط، بل تحدد إطار فهمه. والإعلام لا يخلق الوقائع، لكنه يمنحها معناها العام. من هنا يتضح أن سؤال الضمير ليس سؤالاً أخلاقياً صرفاً، بل سؤال عن السلطة الرمزية.
من يملك القدرة على تسمية الفعل؟ من يملك المنبر العالمي؟ من يحدد ما هو إنساني، وما هو سياسي، وما هو تهديد؟

هل الحياد دائماً أكثر أخلاقية؟

قد يبدو الحياد خياراً أكثر نقاءً، لأنه لا يتورط مباشرة في الحرب. لكنه في عالم غير متكافئ قد يعني أحياناً قبولاً ضمنياً باختلال القوة. الحياد قد يحمي الدولة، لكنه لا يغير بنية الصراع. بينما في المقابل، قد يكون الانحياز محفوفاً بالمخاطر، ويقود إلى مزيد من التوتر. لكنه يعبّر عن رفض صريح للواقع القائم. وبين الخيارين لا توجد إجابة سهلة. غير أن تحويل أحدهما إلى معيار أخلاقي مطلق، وتجريم الآخر بوصفه انحرافاً، يكشف خللاً في توزيع الشرعية.

ما وراء المقارنة

ليست الحرب العالمية الثانية هي حرب غزة، وليست السويد هي الشرق الأوسط. فالسياقات مختلفة جذرياً. لكن التشابه يكمن في آلية صناعة الرمز الأخلاقي. وفي الحالتين، هناك مأساة إنسانية. وفي الحالتين، هناك فاعلون يختارون موقفاً. ما يختلف هو موقع الفاعل في النظام الدولي. ومن يتكلم من داخل المركز يُمنح شرعية افتراضية. ومن يتكلم من الهامش يُطلب منه إثبات براءته مراراً.
ربما يكون الدرس الأعمق هو أن الضمير في السياسة الدولية ليس مفهوماً مجرداً، بل موقع. ليس كل صوت يُسمع بالطريقة نفسها، وليس كل موقف يُقرأ بالمعيار نفسه.

بين دولة أوروبية محايدة تحوّلت إلى رمز أخلاقي في زمن حرب، وقائد حركة أعلن انحيازه لغزة في زمن حصار، تتجلى مفارقة النظام الأخلاقي العالمي. مفارقة تقول إن البطولة ليست فعلاً فقط، بل موقع داخل شبكة القوة.
وحين نفهم ذلك، يتحول النقاش من تمجيد هذا الطرف أو ذاك، إلى سؤال أعمق: من يحدد معايير الخير والشر في عالم غير متكافئ؟
ربما آن الأوان لطرح هذا السؤال بصوت أعلى. ليس دفاعاً عن أحد، ولا إدانة لأحد، بل بحثاً عن معيار لا يتبدل بتبدل الجغرافيا.

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك