ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

النوستالجيا السياسية كفعل تدمير ذاتي

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
محمد فضل الله
محمد فضل الله
الأربعاء 25 شباط 2026
الخط

على الأقل خلال السبعينيات، كان هناك حرص على إعطاء النيوليبرالية طابعاً فكرياً والادّعاء بأنها مذهب يستحقّ أن يناقَش إلى جانب النظريات الأخرى في الاقتصاد السياسي والاجتماعي؛ اليوم ليس هناك حتى حدّ أدنى من الجهد لإعطاء ما تقوم به إدارة الرئيس دونالد ترامب طابعاً فكرياً. في جانب منه هذا مفهوم، «الجامعة هي العدو» بحسب جي دي فانس (تحدّثنا عن نهاية سلطة الجامعة الأميركية في مقالات سابقة)، ووسائل التواصل الاجتماعي استَبدلت الجامعة باعتبارها منصة التقاء السياسة باللغة أو منصة التجربة الفردية في التفاعل مع السلطة اللغوية (في وسائل الإعلام التقليدية ليس للفرد أي فاعلية سوى القراءة بعكس الجامعة ووسائل التواصل الاجتماعي)، وهو ما أدّى إلى تدهور في اللغة السياسية غير مسبوق على الأقل منذ التنوير (التنوير الذي يهاجمه اليمين الأميركي).

شخص مثل نيكولاس فوينتس أو برادن بيترز وغيرهما أصبحوا أقطاباً في السياسة الأميركية يُسأَلون عن رأيهم في مَنْ يجب أن يكون رئيساً للولايات المتحدة (الإنفلونسر هو خليفة المغنّي في السياسة الأميركية، لم نعد نجد الصراخ والبكاء من قِبَل الفانز في الحفلات الغنائية لكن بدأنا في المقابل نجد اتّباعاً شبه ديني للإنفلونسر).

لكن مستوى الرداءة السياسية لا يقتصر على الإنفلونسرز؛ مثلاً يخرج نتنياهو ليقول عبارات تافهة مثل إنه لولا الماكابيين لم يكن هناك وجود للولايات المتحدة، ولا يتصدّى الأكاديميون الأميركيون إلى هذا الهراء. يخرج الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي ليقول إن إسرائيل هي قلب الحضارة الغربية، وأيضاً لا أحد يردّ عليه؛ كيف أصبحتْ هذه الادّعاءات تمرّ دون تعليق؟ هناك بلا شك مشكلة متعلقة بخصوم الولايات المتحدة، روسيا والصين وإيران وفنزويلا وكوبا لم يُنتِجوا دراسات تجعلهم يعرّفون ماذا يعني الغرب ومَنْ هو الغربي، إلى أن وصلنا إلى نقطة تقول فيها هنغاريا (في ظل فيكتور أوربان) إنها تريد الدفاع عن الحضارة الغربية؛ نحن أصلاً نشكّك في ما إذا كانت ألمانيا الشرقية جزءاً من الغرب التاريخي أم لا، فما بالك بالشعوب غير الجرمانية أو اللاتينية، طبعاً ناهيك عن أن يصبح السلافيون جزءاً من الحضارة الغربية. تصنّف الولايات المتحدة هنغاريا كدولة غربية، فنبدأ تلقائياً بالتعاطي معها كدولة غربية بدلاً من أن نشكّك في انتماء هنغاريا إلى هذه الفئة.

سلافوي جيجيك يتحدّث باعتباره فيلسوفاً غربياً، اسمه «سلافوي»، وأحدٌ لا يسائله في هويته الغربية التي يدّعيها. مثلاً فكرة أو صفة هامشية لا وزن أكاديمياً لها «اليهودية-المسيحية» (Judeo-Christian) تصبح محوراً للسياسات والخطابات دون أي تصدٍّ لها من قِبَل الباحثين المعنيين، والتي تَختزل التاريخ المسيحي إلى هوامش يهودية (وهو أمر ليس بالسوء المفترَض فهؤلاء مشرقيون أو أنصاف-مشرقيين في نهاية المطاف) وكما لو أنه لم يكن هناك تاريخ أوروبي قبل المسيحية (ناهيك عن أنه يمكن الحديث عن يهودية-آشورية أكثر من يهودية-مسيحية). كانت هناك في القرن التاسع عشر اتجاهات استكشافية للهوية اللغوية الهندو-أوروبية تُضاف إلى الإرث الكلاسيكي اليوناني-الروماني وغيره من الاتجاهات التي تمّ محوها مؤخراً.

إلى جانب إهمال وتكاسل وتقصير خصوم الولايات المتحدة في إنتاج مدارس فكرية جدّية تُعيد من بين كثير من المواضيع تعريف «الغربي»، هناك أيضاً موجة تقديس الاتحاد الأوروبي من قِبَل التقدميين اليساريين «الغربيين» بعد صدمة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (الاتحاد هو قلعة الدفاع عن حقوق الإنسان والقيم الإنسانية ولا يجب أن تنجرّ خلف التطرّف اليميني للولايات المتحدة)، إذْ إنه قبل ذلك كان التيار اليساري مشكّكاً بالاتحاد الأوروبي وكانت أزمة اليونان عام 2015 قمة هذا الاتجاه. هل من المستغرَب أن يتحوّل الاتحاد الأوروبي إلى مستنقع أورو-مركزي حيث التداعي الحرّ للأوهام والهلوسات «الحضارية»؟ تماماً كما لو أنك أسّستَ «رابطة المواطنين البيض» ومن ثم تُفاجَأ وتُصدَم بأن الرابطة تحوّلت إلى رابطة الفاشية والتفوّق العرقي الأبيض.

مثلاً ما هي مساهمة بولندا في الحضارة الغربية؟ ليست أكثر من مساهمة تركيا أو المغرب أو مصر فيها. أحد الأكاديميين الإيطاليين كان يحاضر بأن ميزة الغرب هي ليست أنه لا يُخطئ بل إنه يراجع تاريخه ويعتذر عن أخطائه؛ عمّن يدور الحديث هنا؟ بولندا؟ رومانيا؟ هو يتحدّث هنا حصراً عن أوروبا الغربية أو تيارات ضمن أوروبا الغربية، لذلك قلنا قبلاً إن «أوروبا» تعني أوروبا الغربية، والباقي أشبه بالقطعان السفاردية (لا أرغب في استخدام عبارة قطعان في وصف أي مجموعة، لكن سلوكهم يصعب وصفه بغير ذلك).

لذلك، قبل أن نتصدّى إلى تفاهات نيكولاس فوينتس وبنيامين نتنياهو، علينا أن نتصدّى إلى صمت الأكاديمي التقدّمي اليساري الأميركي والذي يؤدّي مع مرور الوقت إلى تكريس المفاهيم كما لو أنها مفاهيم حقيقية.

بمناسبة الحديث عن «اليهودية-المسيحية»، الاتجاه اليهودي الأميركي (هم ألمان وأشكيناز-متألمنين، وليسوا قطعاناً سفاردية) للدفاع عن الغرب والتاريخ الغربي مبنيّ على شعور مضلّل بأنهم مؤثرون جداً داخل الإستابلشمنت الأميركية وسيبقون كذلك؛ المهووسون بتعداد كم يهودي موجود في هذا الموقع المؤثر أو ذاك في الولايات المتحدة ليسوا المعادين للسامية، بل الصحف الإسرائيلية التي تَزخر بعناوين حول هذا اليهودي الأميركي أسّس هذه الحركة السياسية في واشنطن وذاك اليهودي الأميركي أسّس هذه الشركة الريادية في كاليفورنيا... وملفات إبستين تُشير بوضوح إلى هلوسات اليهود الأميركيين بخصوص نفوذهم في الولايات المتحدة وكونهم من البيض بطريقة ما، لذلك إبستين وإسرائيل هما المثالان الأوضح للعداء للسامية، هما يُعيدان إنتاج الأدبيات المعادية للسامية ولكن بقالب إيجابي؛ مثلاً، الرئيس الأرجنتيني ميلي يتقرّب من إسرائيل باعتبارها مفتاح اليهود الأميركيين وبالتالي مفتاح القرار الأميركي. لكن اليهود الأميركيين لم يُنتِجوا تأويلات تاريخانية لنفوذهم الحالي (لم يكن كذلك ولن يكون كذلك لاحقاً) سوى الاستناد إلى أوهام عن تمايز ثقافي مبني على نصوص دينية أو شبه-سوسيولوجية.

مثلاً: تصوير اليهود كما لو كانوا تاريخياً كروّاد بنكيين مهرة، وهو أمر غير صحيح رغم تداوله أكاديمياً في الآونة الأخيرة، فالبنكيّون الأساسيون ومبدعو التقنيات المالية في أوروبا كانوا الإيطاليين (شمال إيطاليا) ثم يأتي الهولنديون ومن ثم البريطانيون، لاحقاً أتى البنكيون اليهود في وقت متأخر. حتى أوائل القرن العشرين مع ماكس فيبر كانت البروتستانتية روح الرأسمالية وليست اليهودية، اليوم مع ثقل الأوهام المسكوت عنها أكاديمياً (أو حتى المعززة بها أحياناً) يبدو الأمر معكوساً.

على كلٍّ، يُراد اليوم استعادة غرب لم يكن موجوداً يوماً، ومحاولة استعادة الولايات المتحدة الأميركية البيضاء ستكون أثمانها كبيرة على «البيض» أنفسهم: حتى منتصف القرن العشرين لم يكن هناك ببساطة «بيض»، كانت صفات مثل إيرلندي أميركي أو إيطالي أميركي أو يهودي أميركي وغيرها صفات حقيقية لها ثقل سياسي واقتصادي واجتماعي، كانت تعني أنك ستَسكن في أحياء محددة من المدينة وتَشغل وظائف محددة وترزح تحت ثقل صور نمطية محددة؛ كانت مجموعات الكو كلوكس كلان تهاجم الإيرلنديين والفرنسيين والبولنديين واليونانيين وغيرهم من غير «الواسب» (البيض الأنغلو-ساكسون البروتستانتيين).

منتصف القرن العشرين في الولايات المتحدة تمّتْ إزالة الحدود الإثنية من أجل تشكيل «الأبيض»، وذلك ضمن تفسير بيولوجي قائم على لون البشرة الظاهر للعيان وليس على تفسير تاريخاني أو ثقافي إثني. حصل ذلك في موازاة حركات السود الحقوقية، لكن ليستْ هذه الحركات الحقوقية هي التي أدّتْ إلى تصليب الهوية البيضاء الجامعة العابرة للإثنيات، نعم قد تكون هذه الحركات قد قصّرتْ في التصدّي لهذا المحو للفروقات بين الإثنيات «البيضاء». طبعاً، محو الفروقات الإثنية بين البيض في الخطاب السياسي لا يعني أنها اختفتْ، كل ما هنالك أنه، كمثال، بدلاً من «الإيرلنديين الأميركيين» أصبحنا نتحدّث عن «الطبقة العاملة البيضاء»، بحيث أن الصفات التي كانت تُنسَب إلى الإيرلنديين الأميركيين أصبحتْ تُنسَب إلى الطبقة العاملة حتى غير الإيرلندية وغير البيضاء أصلاً، وكذلك الحديث عن بيض الساحلَين مقابل بيض الداخل...

«تبييض» الولايات المتحدة عبر طرد اللاتينيين يهدّد بإعادة إنتاج الفروقات الإثنية بين البيض أنفسهم، لا بل إنتاج انقسامات جديدة بينهم. يتعامل اليهود الأميركيون مع العداء للسامية في صفوف اليمين الأميركي على أنها مشكلة محدودة يمكن معالجتها بالتجاهل كونهم «مسيطرين على مفاصل القرار». هذه قراءة قصيرة النظر بلا شك؛ لكن هناك ما هو أسوأ من العداء للسامية وإعادة إنتاج الخطوط الإثنية بين البيض، فاليوم بدأ الحديث عن «الأميركي التراثي» (Heritage American) والتي قد تكون تبعاتها أسوأ من الهيمنة السابقة للبيض الأنغلو-ساكسون البيض، فقد تصبح «الأميركي التراثي» إثنية جديدة بحدّ ذاتها في حال توفّرت الظروف؛ جي دي فانس أعطى هذه العبارة زخماً كبيراً مؤخراً، وهي تعني الأميركيين الذين تعود جذورهم إلى مدة الحرب الأهلية وما قبل، ويأتي تحوّل فانس إلى الكاثوليكية ليزيد الأمر تعقيداً.

تتعاطى إسرائيل مع اليهود الأميركيين على أنهم تلقائياً أصول إسرائيلية داخل الولايات المتحدة، وهذا الأمر لا نجده لدى الدول الأوروبية، لذلك لم نجد اعتراضاً جبهوياً من الإسكاندينافيين الأميركيين (الذين يحتلون أجزاء واسعة من الغرب الأوسط في الولايات المتحدة) على موقف الرئيس ترامب العدائي تجاه الدنمارك في موضوع غرينلاند؛ لكن النموذج الإسرائيلي، حيث كل دولة تعتبر المواطنين المتحدّرين منها أصولاً لها داخل الإدارة الأميركية، وبالتالي تفتيت الهوية الأميركية والبيضاء السابقتَين، قد يَدفع الدنمارك وغيرها من الدول وحتى المواطنين المتحدّرين منها إلى تغيير رؤيتهم للولايات المتحدة وهويتها ودورهم داخل هذه الهوية.

ما هي مشكلة تبييض الولايات المتحدة واستعادة الغرب وإمبراطورياته وحضارته؟ أن هذا الغرب لم يكن موجوداً يوماً بالشكل الذي يتخيّلونه، وما هو متداول حالياً ليس سوى ابتكار منتصف القرن العشرين، ويبدو أنه في طريقه إلى الانمحاء، دون أن يعني ذلك أن ما سيأتي سيكون أقل إشكالية، لكنه بالتأكيد سيَحمل فرصاً جديدة، على أمل أن تكون جبهتنا أكثر همّة معرفياً هذه المرة، ولم لا أن تسهم في تشكيل النظام الهوياتي الجديد.

* باحث

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك