وماذا عن سلاح الموقف؟

من كثرة ما ينهمك لبنان، المُنْصاع، بمقولة حصر السلاح، أنواعاً وأفراداً ومناطق، قولاً مفعولاً به، ومفهوماً استسلاميّاً، شردت ذاكرتي إلى أوقات مضت عشناها مع مَن علّمنا معنى سلاح الموقف، مع ذاك الذي بقي ضميراً للإنسان، راحلنا الكبير الرئيس سليم الحص.
سلاح الموقف، وجُلّهُ يسطع في مؤلّفاته التي وثّقت وحَقّبت ومَرْحَلَت أهمّ الأحداث والمواقف في حينها. أمّا كلّه، فاكتمل أيضاً في طيّات بيانات ندوة العمل الوطني، ومن ثمّ في بيانات منبر الوحدة الوطنية. وقد كان لثلّة منّا شرف مشاركته مواقفها.
مواقف قاطعة كانت كما أرادها دائماً، بقيادته وبتصميم وبمبادرة منه، مِرآة قناعاته. لقد صنعناها معاً بمنطق ما جاء باللاتيني Primus inter pares، أي أوّل بين متساوين.
زُملاء ونُظراء، كما أرادهم، والأهمّ، كما خاطبهم وعاملهم. هكذا كنّا: أوائل بين أوّلين. وتكراراً ما كنّا نجتمع في وجه الانهزام الاستسلامي: هيّا إلى سلاح الموقف.
والآن، بتنا نتابع، غير راغبين، السجالات التي تدور حول مفهوم حصر السلاح وشرح مقصد احتوائه، ثمّ ما هو المطلوب بين جنوب النهر وشماله، وليس أخيراً بين الليلة... وضحاها!
وتشرد بنا التوقّعات إلى يوم سيُطلب منا، وحتماً سيُطلب منا، تسليم سلاح الموقف، ونتساءل: هل سنفاوض على تسليمه جنوب الليطاني في المرحلة الأولى لتنتقل مواقفنا الحرّة إلى شماله؟
وكوننا بشراً، أي مع الشيء وضدّه، هل يا تُرى سيكون سلاح الموقف الذي يُطلق شمال الليطاني غير ذاك الذي يصدر في جنوبه عملاً بقول الفيلسوف الشهير مونتيسكيو: Vérité au deçà des Pyrénnées, mensonge au-delà.
أم أنّنا مرتاحون للدوران في الدوّامة التي قال عنها الشاعر: «كلّ شيءٍ في ضدِّه ضارب جذراً خفياً، ويعجز التنقيب»! (*)؟
في صخب وقاحة الفوضى، ومع الارتجال والاستخفاف والقرارات «المصيرية»، نسأل: متى تكتمل حلقة كمّ الأفواه التي تضيق يوماً بعد يوم، في المحلّة، وفي البلاد، وفي العالم؟
أيّها السياديّ،
متى ستُشهِر سيف الحقّ بوجه المرتكب، وباليسْتي الكرامة بوجه العدو، ومُسيّرة العزّة بوجه المهزوم، والفرط صوتي بوجه المُتعجرِف؟
أيّها الحياديّ،
هل ستذهب إلى المطبوعات أو الجنائية أو العسكرية من محاكم يوم الحساب، أم ستنضم إلى المطالبين بتخصيب الموقف سلاحاً؟
نحن مع تخصيب نوايا الموقف... بِنسَبٍ لا حدود لها!
«فقد جهل السياسة من يراها
مراوغةً وأسلوباً كذابا» (**)
(*) سليم حيدر - ديوان «الخليقة»
(**) سليم حيدر - قصيدة «العدالة»
