هل حان الوقت لمشروع جديد؟

«حان الوقت لمشروع وطني فلسطيني جديد»؛ عبارة فاخرة لم تغب يوماً عن الساحة (ربما من أواسط القرن الماضي)، لكنّ صعودها المضاعف في الفترة الأخيرة ذكّرني بقصة مرّ عليها قرابة القرن وأظنّها جديرة بالذكر، مع اعتذاري المسبق عن حُوْشية القصة وبُعدها عمّا يألفه أغلب الناس (ليس لي شفاعة في هذا سوى أن المرء حبيسُ سياقه في النهاية، وأن صوره وقصصه مطبوعة غصباً بمعاشه وما يمتهن):
أوائل القرن الماضي تكشّف للعاملين في مضمار الفيزياء جملة إشكالات في فهمهم للذرّة وسلوكها في حضرة الضوء. وصار جلياً أن النموذج الذي استند إليه الجميع (برياضياته ومفاهيمه وافتراضاته) أخذ يغدر بأصحابه أحياناً ويعود عليهم بغرابات شتى. وسط هذه الأزمة، طفت على السطح عبارة كرّرها عدد من شيوخ المجال وألمع شخصياته: «حان الوقت لفيزياء جديدة». وجوهر العبارة هو أنّ الإشكال القائم كان أكبر من أن يُحلّ بالترقيع، وأن «الفتق اتّسع على الراتق»، وأن التمكّن من الذرّة وسلوكها صار بحاجة إلى قماشة جديدة ونموذج مختلف عن كل ما سبق. وتبلور عملياً تياران في مداورة الإشكال ومحاولة حلّه؛ تيّار تقليدي يحاول إصلاح الأعطاب من داخل أسوار النظرية القديمة، وآخر عازم على تحطيم جدران الصندوق والإتيان ببدعة نظرية لم يَسبق لها الأوّلون.
وشاءت الأقدار في النهاية أن ينجح التيار التقليدي وأن يفشل التيار الإبداعي، فالإشكال انحلّ دون إطاحة بما سبق، بل بالبناء من داخله. كانت لحظة مجيدة للفكر المحافظ. وحاز أبطال هذا الحل «التقليدي»، عام 1965، أرفع جائزة أوروبية في مضمار الفيزياء على ما اجترحوه.
من السهل طبعاً أن يأتي المرء بمثال مضاد كُتب فيه لأنصار التجديد حظٌّ أوفر وخابت فيه آمال المحافظين، لكنّي أسرد ما تقدّم تأكيداً -أولاً- لهذه الثنائية التي تحضر في كل مضمار يخصّ النشاط البشري (صون السابق والعمل من داخله في مقابل الإطاحة به وابتداع سواه)، وأسرده أيضاً لأطعن في النزعة المتفشّية في إعلاء الجديد المتمرّد على القديم الراسخ بوصفِ الأول أجودَ وأنفس بطبيعته. وعلاوة على ذلك، فأنا أذكرها واعياً بحدودي -فيما آمل- أمام شيء بضخامة «المشروع الوطني الفلسطيني»، فما أكتبه لا يتعلّق بفحوى المشروع (ومقترحاته الصاخبة هذه الأيام) قدر تعلّقه بسياق ما يجري وتاريخه.
قبل 5 سنوات، أصدرت «مؤسسة الدراسات الفلسطينية» كتاباً هو في قلب موضوعنا اليوم. الكتاب نُشر تحت عنوان: «المشروع الوطني الفلسطيني: تطوره، ومأزقه ومصائره» لمؤلفه المؤرّخ ماهر الشريف. كتاب قيّم ومكتوب بعناية، لكن جملةً واحدة فيه طَبعت على عيني ما لم تطبعه صفحاته الثلاثمئة. يقول الدكتور ماهر في موضع قريب من خاتمة الكتاب: «يرجع مأزق المشروع الوطني الفلسطيني إلى عدة عوامل تأتي في مقدّمها السياسات التي انتهجها حكّام إسرائيل» - انتهى الاقتباس.
الأمر بلغ درجةً من الابتذال بحيث إن عدد «المشاريع» المتراكمة عبر العقود -باقتراحات المثقّفين وانعطافات السياسيين- لا يترك حاجة إلى مشاريع جديدة. يكفي أن ترقِّم ما سبق، ثم تُخبرنا برقمك المفضّل حالياً. والمعنى العملي لهذه الكثرة هو تآكل الكتلة وضمور الوزن
لا بد أن أعترف أن لديّ ولعاً بهذا النوع من العبارات لأنها تقول شيئا بليغاً عن موضوعها من خارج إرادة كاتبها ودون قصد منه؛ عبقريتها ليست في ما تقوله عياناً، بل في ما ينكشف عنها عَرَضاً. العبارة مدهشة عندما تتأمّل بها: أن ترى في سلوك عدوّك (عدوّك الوجودي) أزمةً لمشروعك التحرّري. ودون شك، فهذا يحكي جوهر أزمة المشروع المذكور (في نسخته المُدجّنة) لأنه بات مرهوناً بسلوك مأمول من مستعمِرك، لا بجهد مبذولٍ من نفسك. هل حصل شيء كهذا في التاريخ: أن يشكو صاحب مشروع نضالي مِن سياسات مَن يناضل ضدّهم بوصفها تخريباً لنضاله، وأن يحمّل العدوّ مسؤولية الفشل في التغلّب على ذلك العدوّ نفسه؟
ومهما يكن فهذه الغرابة -التي تُحمَّل فيها إسرائيل مسؤولية الأزمة في المشروع التحرري- مقرونة بِسِمة تليق بها: طواعية «المشروع الوطني» والتآكل المستمر في كتلته الصلبة واللدانة المتفشية في بنيته. فكلما وَضعت معركة أوزارها في هذا العالم، تقدّمت نخبة لدينا لتطلب تغيير المشروع أو تعديل المشروع أو تجديد المشروع. ويصعب على المرء أن يتخيّل شيئاً أسوأ من هذا: أن تتحوّل الرؤية الحاكمة (ومعها غاية النضال ومعناه) إلى حيلة تكتيكية وشيء من جنس المناورة. ومن نافل القول أن هذا يدمّر الاثنين معاً. والأمر بلغ درجةً من الابتذال بحيث إن عدد «المشاريع» المتراكمة عبر العقود -باقتراحات المثقفين وانعطافات السياسيين- لا يترك حاجة إلى مشاريع جديدة.
يكفي أن ترقِّم ما سبق، ثم تُخبرنا برقمك المفضّل حالياً. والمعنى العملي لهذه الكثرة هو تآكل الكتلة وضمور الوزن. أيُّ جدية سيأخذ بها مشروع تتخطّفه كل هذه الانعطافات؟ يذكّرني كل هذا بشيء من عالم السفن والمراكب البحرية، حيث تُودَع كتلةٌ ضخمة في أسفل المركبة تدعى في العربية «الصُّبْرة». وعلى الرغم من الثقل الهائل الذي ترميه على كاهل السفينة، فالصُّبرة مسألة مصيرية لمن يخوضون البحر، وليس للمركب أمل بالتوازن دونها. ويحصل دوماً توتر بين مَن يريد حركةً أسرع وانعطافات أرشق (فينزع للتخفّف من الصبرة) ومَن يريد ثباتاً في الإبحار وتوازناً في العواصف (فينزع للعكس). والواضح أن كثيراً من نخبتنا لا يريدون صُبرةً في سفينة مشروعها ويرون أنّ الخفة وسرعة الانعطاف هما كل شيء في عالم النضال والسياسة. ولعل النتيجة واضحة.
ليس الخلاف الفعلي متعلّقاً بمحتوى هذه المشاريع الجديدة، ولا بهذا البند الذي هنا وذاك البند الذي هناك. جوهر الإشكال هو ابتذال فكرة المشروع الوطني وتحويله إلى مسوّدة للتجريب المرحلي. جوهر الإشكال هو إعادة التفكير في سؤال «ماذا نريد» على رأس كل منعطف بدلاً من سؤال «كيف نصنع ما نريد». ومَن يعمى عن الجذور الكبرى لهذا الصراع، ويتأفّف ضجراً كلما سمع ربطاً له بحقب الغزو الصليبية الأولى، أو بالصراع بين الغرب والجنوب العالمي، لن يحتمل مشروعاً ثابتاً طويل النفس يَطول عمرُه عن أعمار أبنائه، ويرحل المرء عن هذه الدنيا قبل أن يلمح له خاتمة.
قديماً، كان العرب يقولون: «الدهرُ أَروَدُ ذو غِيَر»، أي إنه -بتعبيرهم- «يعمل عمله في سكونٍ لا يُشعَر به». وقضية بحجم قضية فلسطين لا بد للنضال فيها أن يستعير شيئاً من سمات الدهر نفسِه؛ في خضمّ الهدير الجهادي وثورته واضطرامه، ينبغي لجوهر القضية أن يبقى ساكناً، راسخاً، وأرودَ ذا غِيَر.
* كاتب فلسطيني
