ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

جعجع والتاريخ المُختلَق: حين تتحوّل الهوية إلى مشروع حرب

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
كريم حداد
كريم حداد
السبت 28 شباط 2026
الخط


تصريح سمير جعجع بأن «القوات اللبنانية» مسيرة تمتد لأكثر من 1500 عام، ليس مجرد تعبير إنشائي عن الصمود أو الاستمرارية، بل هو إعلان فكري كامل عن تصور للهوية والسياسة والتاريخ في آن واحد. فحين يُقال إن حزباً معاصراً هو امتداد لكيان تاريخي بدأ منذ أول مناضل دافع عن حريته على هذه الأرض، فإن الحديث لا يعود عن تنظيم سياسي حديث نشأ في القرن العشرين ضمن شروط الدولة الوطنية، بل عن جماعة ترى نفسها استمراراً لكيان سابق على الدولة، بل سابق على تشكل المجتمع السياسي الحديث نفسه. بهذا المعنى، لا يعود الحاضر إطاراً للفعل السياسي بل يصبح مجرد حلقة في سلسلة تاريخية طويلة من الصراع المفترض. ويغدو الحزب ليس أداة تمثيل بل حامل رسالة وجودية، ليس طرفاً في نظام ديمقراطي بل وريث معركة ممتدة.

هذا التحول من السياسة إلى التاريخ المقدّس يبدّل طبيعة الفعل السياسي. فبدلاً من أن يكون الصراع حول البرامج أو الخيارات الاقتصادية أو نماذج الحكم، يتحول إلى صراع حول الوجود والهوية. ويصبح الخصم ليس منافساً بل يصبح تهديداً تاريخياً، وتغدو التسوية تنازلاً عن الماضي. في هذه اللحظة، تنفصل السياسة عن زمنها الحديث وتدخل في زمن الميثولوجيا. وهنا بالضبط يكمن الخطر الكامن في هذا النوع من الخطاب: إنه لا يعيد فقط تفسير التاريخ، بل يعيد تعريف الحاضر على أساس صراع حضاري مستمر.

غير أن هذه السردية تتجاهل حقيقة تاريخية أساسية أثبتتها الدراسات الحديثة حول نشأة الطائفية السياسية في لبنان والمنطقة. فالطائفية لم تكن بنية ثابتة في المجتمع، ولم تكن أساساً لتنظيم السياسة قبل القرن التاسع عشر. بل على العكس، كما يوضح أسامة مقدسي في دراسته عن «ثقافة الطائفية»، فإن الطائفية السياسية هي ظاهرة حديثة نشأت عند تقاطع عاملين رئيسيين هما التحديث العثماني والتدخل الاستعماري الأوروبي. لقد أدت إصلاحات الدولة العثمانية ومحاولات القوى الأوروبية فرض نماذج حديثة للحكم إلى إعادة تعريف الانتماءات الدينية بوصفها وحدات تمثيل سياسي. أي أن الدين لم يكن في ذاته إطاراً سياسياً، بل جرى تحويله إلى هذا الإطار عبر عملية تاريخية محددة.

في المجتمعات المحلية قبل هذا التحول، كانت الصراعات تدور غالباً حول مسائل اجتماعية واقتصادية، ولم تكن الطائفة وحدة سياسية قائمة بذاتها. كان الفلاحون من مختلف الانتماءات الدينية يتشاركون مصالح مشتركة، وكانت البنى الاجتماعية أكثر تعقيداً من اختزالها في هويات دينية صلبة. لكن مع دخول القوى الأوروبية إلى المنطقة، وخصوصاً فرنسا وبريطانيا، تغيّر هذا الواقع تدريجياً. فقد سعت هذه القوى إلى إعادة تنظيم المجتمعات المحلية بطريقة تجعلها قابلة للإدارة والحماية عبر تقسيمها إلى جماعات دينية منفصلة يمكن تمثيلها سياسياً. وهكذا تحولت الطائفة من إطار اجتماعي إلى وحدة سياسية.

الاستعمار نقل المجتمعات المحلية في بلادنا إلى جماعات دينية منفصلة، بعدما كان الناس يتشاركون مصالح مشتركة، وكان صعباً اختزال البنى الاجتماعية في هويات دينية صلبة


هذا التحول لم يكن نتيجة تطور داخلي طبيعي، بل نتيجة تفاعل بين ضغوط خارجية ونخب محلية تبنّت أدوات المعرفة الحديثة لإعادة تشكيل الدولة. ومن أبرز هذه الأدوات الإحصاء السكاني الذي أدى دوراً حاسماً في تثبيت الطائفية كقاعدة للتمثيل السياسي. فقد أدى التعداد السكاني لعام 1932 إلى تحويل الجماعات الدينية إلى وحدات إحصائية رسمية، بحيث أصبح توزيع السلطة في الدولة مرتبطاً بنسبة كل طائفة. وهكذا لم يعد المواطن فرداً متساوياً في دولة، بل أصبح عضواً في جماعة تمثلها الدولة.

بهذا المعنى، لم تنشأ الطائفية من صراع تاريخي قديم، بل من إدخال مفاهيم حديثة للتمثيل السياسي في سياق تدخل خارجي وإعادة تنظيم داخلي. لقد أصبحت الطائفية لغة سياسية حديثة، لا امتداداً لصراعات دينية أزلية. وهذا ما يجعل الخطاب الذي يمد جذوره إلى 1500 عام إعادة أسطرة للهوية أكثر منه قراءة للتاريخ.

الأخطر في هذا التصور أنه ينقل الصراع من زمن السياسة إلى زمن الميتافيزيقا. فالحزب لا يعود فاعلاً يسعى إلى تمثيل ناخبيه أو تحقيق برنامج، بل يصبح حارساً لذاكرة، وجندياً في حرب حضارية مستمرة. في هذه اللحظة يفقد النظام الديمقراطي معناه، لأن المنافس لم يعد شريكاً في الوطن بل أضحى تهديداً وجودياً. وتصبح أي تسوية سياسية تنازلاً عن التاريخ، لا مجرد اتفاق مرحلي.

هذا الخطاب يتزامن أيضاً مع تناقض صارخ بين ادعاء الاستقلال التاريخي وبين الارتباط بمحاور إقليمية ذات مشاريع مذهبية معاصرة. فالحديث عن صراع حضاري طويل لا ينسجم مع خضوع سياسي لإرادات خارجية، لكنه يكشف وظيفة الهوية كأداة تعبئة لا كمشروع استقلال. وهنا تتضح الطبيعة الأداتية للسردية التاريخية: إنها ليست دعوة إلى قراءة الماضي بل وسيلة لإعادة تعبئة المجتمع على أساس خوف قديم.

لبنان لم يتعافَ بعد من الحرب الأهلية، ولا تزال آثار التهجير والانقسام قائمة في الجغرافيا والاقتصاد والذاكرة. واستدعاء سرديات الصراع الحضاري في هذا السياق ليس مجرد تمرين نظري، بل لعب بالنار. فالحرب لم تبدأ بخلافات على السياسات العامة بل بخطابات هوية أعادت تعريف المواطنين كجماعات متواجهة. وعندما يُعاد اليوم تقديم حزب سياسي بوصفه امتداداً لمعركة تاريخية ضد «الآخر»، فإننا نكون أمام إعادة إنتاج للشروط الذهنية التي سبقت الانفجار.

إن لبنان يمكن أن يُبنى كدولة حديثة تقوم على مواطنين متساوين، أو أن يُعاد اختزاله إلى ساحة صراع بين هويات تاريخية. الخطاب الذي يمد جذوره إلى 1500 عام ينتمي إلى الخيار الثاني، لأنه لا يرى الوطن كمشروع مشترك بل كخط تماس في حرب مستمرة. في مواجهة ذلك، يصبح التذكير بأن الطائفية السياسية ليست قدراً بل صناعة تاريخية أمراً ضرورياً، لأن إدراك أن الانقسام مُصطنع هو الخطوة الأولى لتجاوزه.

إن الإصرار على قراءة الحاضر اللبناني عبر عدسة صراع يمتد قروناً لا يؤدي فقط إلى تشويه التاريخ، بل إلى إعادة إنتاج الشروط التي صنعت الطائفية السياسية نفسها. فحين يُعاد تعريف الجماعات السياسية بوصفها ورثة لمعارك قديمة، يُعاد تثبيت فكرة أن المجتمع ليس وحدة سياسية بل فسيفساء كيانات تاريخية متجاورة. وهذه بالضبط هي الفكرة التي أسستها التدخلات الأوروبية في القرن التاسع عشر عندما صوّرت المنطقة كمجموعة «أقليات» تحتاج إلى حماية خارجية. لقد كان هذا التصور في جوهره أداة للهيمنة، إذ مكّن القوى الاستعمارية من التدخل تحت شعار حماية جماعات بعينها، وفي الوقت نفسه أعاد تشكيل هذه الجماعات سياسياً بحيث أصبحت تعتمد على تلك الحماية.

الطائفية تحولت من انعكاس لانقسامات اجتماعية قائمة، إلى نظام للمعرفة السياسية. فقد جرى تفسير كل حدث وكل صراع وكل تمرد ضمن إطار ديني، حتى حين كانت أسبابه اجتماعية أو اقتصادية. ومع الوقت، بدأت الجماعات نفسها تتبنى هذا التفسير، ليس لأنه يعكس واقعها الأصلي، بل لأنه أصبح اللغة الوحيدة المتاحة للمشاركة في النظام السياسي الحديث. وهكذا نشأت حلقة مغلقة: القوى الخارجية.
إن استدعاء خطاب الهوية التاريخية في لبنان المعاصر يعيد إنتاج هذا المنطق في سياق جديد.

فحين يُقدَّم حزب سياسي بوصفه امتداداً لمقاومة قديمة، فإن ذلك يضع الجماعات الأخرى ضمنياً في موقع الخصم التاريخي. ويصبح العيش المشترك حالاً استثنائية لا قاعدة، وفي بلد لم يندمل جرح حربه الأهلية بعد، يصبح هذا الاستعداد بمثابة إنذار. فالحرب لم تبدأ فجأة، بل سبقتها سنوات من الخطاب الذي أعاد تعريف المجتمع على أساس الهوية لا المواطنة. وعندما يُعاد اليوم استحضار نفس المنطق، فإن ذلك لا يعني العودة إلى الماضي فقط، بل احتمال تكراره.

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك