مَن له؟ جنده والناس

في صباح السابع عشر من كانون الثاني 2026، وصلتُ إلى القاعة قبل الموعد بوقتٍ قصير. كانت الساعة تشير إلى السادسة والنصف، والبرد يلفّ المكان. قيل لنا إن الظروف الأمنية تفرض تأخير اللقاء. مضت الدقائق بطيئة، ثم تحوّلت إلى ساعات. عند الحادية عشرة ظهراً دخل القاعة.
كان اللقاء بمناسبة المبعث النبوي الشريف، جلستُ على بعد بضعة أمتار منه، لم يحتج إلى كثير حركة ليملأ المكان، كان رجلاً ممتلئاً هيبة ورحمة في آن؛ صرامة في الملامح، وطمأنينة في النظرة، وهدوء يشي بأن الزمن عنده ليس مستعجلًا.
حين اعتلى المنصة أمامي شعرت أنّي في قبال «لا إله إلا الله» تمشي على قدمين، بدأ خطابه بالفارسية، ورغم غياب الترجمة الفورية بقيت أحدّق به ساعةً كاملة، خشية أن تفوتني لحظة نظر واحدة.
اليوم، وبعد الرحيل، أعود إلى تلك الليلة كمن يعود إلى آخر صورة محفوظة في الذاكرة قبل أن ينطفئ الضوء. يمكن للناس أن يختلفوا في المواقف والعقائد، فيؤمنون بولاية الفقيه أو لا يؤمنون بها، لكنه، هو من هو، حاكم إيران الإسلامية، كلمة الحق الوحيدة في وجه السلطان الجائر، وقلعة المقاومة الأخيرة.
إن سقوط إيران اليوم، أكثر من مجرد تغيّر سياسي في نظام حكم، هو انتزاع أظْفار القيم الإنسانية وتركها عرضة لثقافة استهلاكية معادية للإنسان بطبيعته. هكذا هي المعركة: صراع معنى. لذلك لم يكن هذا الرجل حامياً لدولة أو نظام فقط، كان وما زال (بما تركه من إرث في قلوب الكثيرين) سداً أخيراً أمام انزلاق الإنسان إلى فراغٍ بلا قيم، ودرعاً حاميةً للإسلام، بل وللإنسانية.
أمّا لماذا هو كلمة الحق الوحيدة؟ يكفي أن ننظر كيف أن قائداً عظيماً بهذا الحجم والشأن، ينعاه بيان للحرس الثوري، بكلمات مُقتضبة، رغم ما تحمله من ثقل، في خضمّ معركة هي «كربلاء العصر»، بكل ما تحمله العبارة المُستهلكة من معنى، معركة صفرية بين الحق والباطل، الحق كله في مواجهة الباطل كله، دفاعاً عن الإسلام والإنسان.
كيف أنّ قائداً عظيماً بهذا الحجم والشأن يغيب عن نعيه قادة «الأمة» وزعماؤها ومراجعها، فلا يتسع المشهد لغير جنده ينعونه، والناس يملأون الشوارع وباحات مقام اﻹمام الرضا... جنده والناس، هؤلاء هم، فدوه وفداهم. وهم سيقرؤون اسمه في السنوات المقبلة، على أولادهم وأحفادهم، قائداً، وعلامةً على مرحلة، وعلى صراعٍ لن يُحسم.
في صباح السابع عشر من كانون الثاني، كنتُ على بعد أمتار قليلة منه. اليوم، المسافة أبعد بكثير. ولكن ما زالت «لا إله إلا الله» حيّة فينا، وهو فيها سيبقى حياً، في قلوب المؤمنين بأنّ إلههم المعبود هو الله وليست أميركا.
* صحافي
