استشهاد القائد الخامنئي: النهج عصيّ على الكسر

مهما علا زَبَدُ الطغيان، فإن فقاعاته إلى تلاشٍ. وأنّى تصاعد العدوان، فأوْزارُه تُرهقُ مُنفّذيه قبل ضحاياه. وكيفما راوغ المجرمون فالمياه تُكذبُ الغطّاسين.
في الزمن العربي الغابر، كان شعار الأمة «لا صلح ولا تفاوض ولا اعتراف». تَنزّل الشعار شيئاً فشيئاً، وعبَر مرحلة «الأرض مقابل السلام»، إلى «إبرام الصلح المُنفرد»، وصولاً إلى «حلّ الدولتين»، وانتهاء بتفكيك وضع المنطقة، بدءاً من رفع لافتة «مصر أولاً»، ثم «الأردن أولاً» ثم «الرياض أولاً»، فـ «أوسلو أولاً»، فيما بقيت القدس وفلسطين في آخر سلّم الأولويات.
وحدها إيران الثورة الإسلامية التزمت استراتيجية استعادة الأرض المُحتلة ورفض الاعتراف بالعدو الصهيوني الغاصب أو التعامل معه بأي شكل من الأشكال. ولذا انطلقت حملات التحريض ضدها وقطع العلاقات معها والتشكيك بمصداقية مواقفها والتواطؤ مع رعاة «الاستسلام» الدوليين ضدها، وانتفخت أوداج الحاقدين وهي تطعن بموقف الجمهورية الإسلامية وترميه بصفة المُزايدة، وتسوّق للتعب من الحروب وللوعود بالتنمية المُستدامة وبأحسن العلاقات مع العالم الحرّ (راعي الاستعباد والإرهاب والهيمنة)، والزهو بصفقات الصلح في كمب ديفيد ووادي عربة وأوسلو... والناتج النهائي لهذا المسار كله تدعيم الاحتلال، وتوفير المناخ الدولي لمزيد من الاعتراف به وإقامة العلاقات مع كيانه، والتمترس خلفه دولياً وإقليمياً لمناهضة قوى المقاومة وطعن فصائلها ووسم نضالها بالإرهاب كمدخل لتنفيذ استراتيجية تصفيتها وحماية الكيان الصهيوني منها، وتهيئة الرأي العام الشعبي والرسمي في المنطقة العربية والإسلامية للمُساكنة بين «إسرائيل» و«الأنظمة» من جهة، والتمهيد عبر بعض الاتصالات والعلاقات السرية لإنضاج المناخ المُؤاتي للتطبيع الرسمي أولاً، وصولاً إلى إزالة السُدود والحواجز الفكرية والثقافية والنفسية بين الكيان وقطعان المُستوطنين الصهاينة وبين شعوب العالم العربي والإسلامي.
«الجريمة الكبرى» التي ارتكبتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية بشكل موصوف، وعن سابق قصد وإصرار، أنها عملت على تعطيل كُل هذا المسار الاستسلامي المُذل للأمة ولشرفاء العالم، وتبنّت سياسة وجوب إنهاء الاحتلال واستعادة القدس وفلسطين ودعم القوى المقاومة، وبذل أقصى الجهود لتوحيد رؤية أنظمة المنطقة وشعوبها وبناء القدرات الذاتية المطلوبة للتحرر من ضغوط المُستكبرين.
وزاد في جريمتها هذه، إصرارها على تمايز موقفها وحماية استقلالية قرارها وبناء قدرات النمو والإنماء الذاتي بالاعتماد على كفاءات أبنائها وإبداعاتهم، والاستفادة من العلاقات الدولية الندّية مع بعض الدول المُتقدمة في مجال الخبرة والتقنية العلمية والصناعية المُختلفة.
ورغم التسامح الذي أبدته إيران مع معظم الدول التي تورطت في دعم الحرب العدوانية المفروضة عليها على مدى ثماني سنوات شداد، إلا أنها لم تلق من الآخرين الانفتاح المُتناسب.
وليس خافياً أن قائد ورائد الاستراتيجية الإيرانية المُناهضة للاستكبار العالمي وللصهيونية الغاصبة والاستيطانية هو سماحة الإمام السيد علي الخامنئي الذي تولى بعد الإمام الخميني المُؤسس (رض) رعاية هذا النهج بشكل بارع حكيم ورؤيوي وشُجاع.
وهذه الرعاية بحد ذاتها تكفي، لدى الأعداء ومُستخدميهم، لمُراكمة حقدهم وغلّهم وتوثبهم للانتقام الإجرامي الذي ليس له أي مُبرر أخلاقي أو قانوني على الإطلاق.
إقدام إدارة ترامب الأميركية الطاغية والعدو الصهيوني على استهداف شخص القائد الإمام الخامنئي توهماً أن من شأن ذلك أن يُسقط نظام الجمهورية الإسلامية في إيران، سيبوء بشكل أكيد بالخيبة والفشل الذريع، وسيرتد مزيداً من الثبات والتماسك الداخلي الإيراني، والاعتزاز بإرث هذا القائد الفذّ المُخلص لمبادئ الثورة الإستقلالية الحرة. وسيدفع الشعب الإيراني الأبي إلى تأكيد أصالته وتجديد التزامه وتعزيز وحدته والتفافه حول النظام السياسي الذي حرّره من براثن الذل والتبعية والإذعان لسياسات الأجانب الطامعين وأعداء الإنسانية والدين.
على مستوى المُواجهة بين النهجين المُتناقضين، لا شك في أن رؤية الأُمناء على خط الإمام الشهيد في إيران ستكون أمضى وأحرص على مواصلة الصمود والتحدي والإصرار على بناء القدرات، ورفض مُصادرة الحُقوق الوطنية والسيادية من قبل الأعداء، كما ستكون على قدر الآمال والرهانات التي تعاظمت على صدقية وثبات وفعالية الالتزام الثوري الإيراني بنصرة فلسطين والقدس ودعم نهوض المُستضعفين في العالم في وجه مُخططات المُستكبرين واللصوص الدوليين.
في المُقابل، يبدو مُلحاً مطالبة ودعوة القوى المقاومة، على اختلاف منطلقاتها وتوجهاتها في منطقتنا والعالم المُستضعف، إلى مزيد من الانفتاح والتلاحم والتنسيق والالتفاف حول الجمهورية الإسلامية، وإدانة العدوان عليها، ودعم حقها في التصدي للمُعتدين وإحباط مُخططاتهم التي تستهدف مُصادرة حق الشعوب في التحرر وإسقاط الثورة - النموذج التي تجرأت على مُعاندة مشاريعهم التسلطية والتآمرية، وكبح جَماح الرأي العام في العالم المُستضعف عن التأثر، والإنخراط المُتزايد لتفعيل المسار المُقاوم في بلدانه.
استشهاد الإمام القائد الخامنئي (قدس سره) في محراب الجهاد والرفض الحسيني القاطع لجبروت المُعتدين، سيمنح أجيال المُقاومة جرعة بالغة التأثير المُحفز على مُواصلة التقدم في طريق النهوض والتحرر ومُجابهة مُخططات الطواغيت الدوليين، رعاة الإرهاب ومُرتكبي الجرائم ضد الإنسانية ومُجتمعاتها.
ستظلّ السمات المميّزة لشخصية الإمام الشهيد تبثّ إشعاعاتها في عقول وقلوب وإرادة الشرفاء الأحرار من أجيال شعوبنا المظلومة، ومن شعوب العالم التوّاقة إلى العدل والحرية والسلام النفسي والعقائدي والإنساني. وسيُدرك كثيرون، يوماً بعد يوم، ومن خلال تجاربهم ومقارباتهم لوقائع الظلم والتسلّط وما يخلّفانه من معاناة، مدى عظمة وندرة تلك الشخصية القيادية الاستثنائية التي يحركها يقين راسخ بالله المتعالي في حكمته ونزاهته وعدالته وقدرته، وتستضيء في أدائها للحكم والإدارة بسيرة أعاظم الأنبياء (ص) والأوصياء (ع)، الذين مثّلوا الأمناء الربانيين والقدوة والأسوة للبشرية على امتداد التاريخ. وهي قد امتلكت، في الوقت نفسه، شجاعةً وحزماً في مواجهة أعداء الإنسانية والحق والعدالة، وتحلّت بانفتاح ووفاء وحنان ومحبة ورعاية للمظلومين والمضطهدين، وللمجاهدين الساعين إلى رفع الظلم عنهم. ومن هذا التوازن العميق استمدّ قلبها ثباته، ورؤيتها نفاذها وصفاءها، وهي تتحرّى السداد والتوفيق على الدوام، «ومن يؤمن بالله يهدِ قلبه».
■ ■ ■
إن إقدام العدو الصهيوني مع إدارة ترامب المُجرمة على تنفيذ جريمة الاستهداف بحق هذه الشخصية التي لها وزنها وحُضورها العميق في نفوس الشعوب المقاومة، سيعجّل من دون أدنى شك في تقصير أمد كيان الإحتلال، فضلاً عن الارتدادات السلبية المُتوالية التي سيصاب بها هذا الكيان المُؤقت خلافاً لما يأمل ويتوهم.
وتصاعد استهدافات العدو ضد القيادات المناوئة لمشروعه العدواني، وتدرجه في ذلك بدءاً من قيادات الساحة الفلسطينية وصولاً إلى القائد المُميز الشهيد قاسم سليماني والقائد الشهيد أبي مهدي المُهندس ثم الشهيد الأسمى السيد حسن نصرالله وصولاً إلى قائد الأمة السيد علي الخامنئي، لا يُؤشر مُطلقاً إلى نجاح مساره، بقدر ما يدلّل على خيباته المُتوالية في تحقيق ما يصبو إليه. وتدحرج مسار التقتيل يُؤكد فشل كُل الرهانات على جدوى هذا الأسلوب الإجرامي في فك ارتباط المقاومين بالنهج الذي يُمثله هؤلاء الشهداء.
■ ■ ■
في الختام، لا بُد من توجيه تحية استثنائية للشعب الإيراني العزيز الذي يُقدم الدروس تلو الدروس لكُل أجيال أمتنا المظلومة الناهضة التي تتعلم من وقفاته وأحزانه ووفائه لقيادته والتزامه بمبادئه ونظامه، ونشدّ على أيديه ونؤكد اعتزازنا بأدائه في الحرب والسلم والحزن والفرح. ونتقدم من أبنائه رجالاً ونساءً بأحر التعازي والمُواساة بإرتحال وشهادة قائدهم الأعز ومسؤوليهم وأبنائهم وأطفالهم المظلومين، ونُجدد عهدنا لهم بالأخوّة والشراكة ووحدة المسار والمصير.
* رئيس كتلة الوفاء للمقاومة
