«حكومة فيشي» اللبنانية: بين سقوط الشرعية ومحاكمة الخيانة

في اللحظة التي كانت فيها صواريخ المقاومة تشقّ عنان السماء رداً على مجازر العدو في الضاحية والجنوب والبقاع، وعدوانه المتمادي على مدى خمسة عشر شهراً، كانت غرف القصور توزع قرارات لا تختلف في جوهرها عن أوامر الإذعان التي صدرت عن حكومة «فيشي» أيام احتلال فرنسا. الفارق الوحيد أن الزمن اختلف، وأن الدم اللبناني أغلى من أن يكون وقوداً لسلطة تبيع ما تبقّى من كرامة باسم «حصر السلاح» و«حماية السلم الأهلي».
ما صدر عن مجلس الوزراء أول أمس، ليس قراراً عابراً يمكن مراجعته أو تعديله، بل هو انقلاب مكتمل الأركان على الدستور والميثاق، يستند إلى مغالطة تاريخية كبرى تتمثل في مساواة المقاومة بالميليشيات التي أنهت الحرب الأهلية. العودة إلى محاضر مجلس النواب لعام 1989 تكشف تزييفاً متعمداً للحقائق؛ ففي جلسة 26 تشرين الثاني من ذلك العام، أكد النائب زاهر الخطيب أن «المقاومة هي الأسلوب الرئيسي للتحرير»، وهو ما تكرس في البيانات الوزارية لعقود، وآخرها ما أكده النائب الراحل مصطفى سعد عام 1995 حين قال إن «التمديد الوحيد المسموح به هو التمديد للمقاومة الباسلة». هذه ليست ذكريات عاطفية، بل نصوص رسمية في محاضر المؤسسات الدستورية، وهي وحدها تكفي لإسقاط أي قرار يحاول مصادرة إرادة شعب بأكمله.
التمييز بين الميليشيا والمقاومة ليس ترفاً فكرياً، بل هو صلب اتفاق الطائف الذي نص على «اتخاذ كافة الوسائل اللازمة لتحرير الأرض من الاحتلال الإسرائيلي». فالميليشيا تقاتل للسيطرة على الداخل، أما المقاومة فتقاتل لوجود احتلال قائم في مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، وهو ما تعترف به الدولة اللبنانية رسمياً. هذا النص الميثاقي يندرج تحت بند «التحرير» الذي أبقاه الطائف مفتوحاً، ولا يجوز لأي حكومة أن تغلقه بقرار إداري ما دام المحتل على الأرض.
من الناحية القانونية الصرفة، يندرج قرار نزع سلاح المقاومة في ظل عدوان مستمر تحت بند «القضايا المصيرية» المنصوص عليها في المادة 22 من الدستور اللبناني، والتي تحصر البتّ فيها بمجلس الشيوخ أو مجلس النواب حصراً. عندما تنفرد الحكومة بقرار يمسّ وجود الكيان واستقراره، فإنها تغتصب صلاحيات لا تملكها، ويصبح ما تصدره مجرد «توصيات غير ملزمة» لا تكتسب صفة القانون ولا النفاذ. والأخطر أن هذا القرار يصطدم بالنصوص ذات القيمة الدستورية العليا، وفي مقدمها الميثاق العربي لحقوق الإنسان الذي أبرمه لبنان بموجب القانون رقم 1 لعام 2008، ونص في مادته الثانية على أن «للشعوب كافة الحق في مقاومة الاحتلال الأجنبي». هذا النص، وفق اجتهاد المجلس الدستوري (القرار 7/2024)، يكتسب صفة دستورية ملزمة لجميع السلطات، ما يعني أن المقاومة اليوم هي المنفّذ الحقيقي للدستور، بينما الحكومة هي المنقلبة عليه.
لا يمكن لمراقب محايد إلا أن يلمس التشابه الصارخ بين ما تفعله السلطة اللبنانية اليوم وما فعلته حكومة فيشي إبان الاحتلال النازي لفرنسا. هناك «الرذيلة المشتركة» نفسها: التعاون النشط مع إرادة المحتل، وتطويع الأجهزة الأمنية لملاحقة المقاومين بدلاً من مواجهة العدو، وتغليف الخيانة بخطاب «حماية السلم» و«الواقعية السياسية». فكما كانت ميليشيا فيشي تطارد الديغوليين وتصفهم بالإرهابيين، تطلب الحكومة اللبنانية اليوم من الجيش توقيف شباب يتركون منازلهم المدمرة ليصدّوا توغلاً برياً إسرائيلياً. الفرق الوحيد أن الاحتلال اليوم صهيوني، وأن الدم المسفوح هذه المرة ليس في شوارع باريس بل في أزقة الخيام وأرنون وبعلبك والضاحية.
وقبل أن تعود نيران الحرب المفتوحة لتلتهم ما تبقى من هدوء هش، كان لبنان يعيش خمسة عشر شهراً من «حرب وقف إطلاق النار»، حيث استمرت الخروقات الإسرائيلية براً وجواً وبحراً، وسقط مئات الشهداء، وبقي الاحتلال متمركزاً في نقاط استراتيجية، والدولة عاجزة عن ردعه أو حتى استنكاره. في هذا السياق، لم تكن عودة المقاومة إلى الاشتباك إلا استجابة طبيعية لعدوان يومي لم توقفه دبلوماسية الإذعان.
إنّ خريطة الطريق للمرحلة المقبلة واضحة في أبجدياتها: في خضمّ المعركة، على كل مواطن يرى في نفسه جزءاً من هذا الوطن أن يتعامل مع القرارات الحكومية على أنها «قصاصات ورق» لا قيمة لها، وأن يقدّم كل أشكال الدعم الممكنة لمن يحمون الأرض فعلاً
الميدان لا يكذب، وهو يفضح زيف القرارات الحكومية بأوضح صورة. بينما يؤمر الجيش سياسياً فينسحب من أكثر من خمسين موقعاً حدودياً، تاركاً القرى الأمامية لمصيرها، تحاول قوات ومدرعات العدو التوغل في يارون وكفركلا والخيام وكفرشوبا. في اللحظة ذاتها، تعلن المقاومة تدمير آليات عسكرية بصواريخ موجهة، وتضرب قاعدة ميرون للمراقبة الجوية، وتصل مسيراتها إلى عمق تل أبيب وحيفا. هذا المشهد يلخص كل شيء: سلطة تنسحب وتطلب من العالم «الضغط على إسرائيل»، ومقاومة تصدّ وتضرب وتحمي ما تبقّى من كرامة وطنية. أليس من العجيب أن تصادر الحكومة سلاح من يفعل ذلك، بينما العدو لا يزال ينشر خرائط إخلاء جديدة لاثنتين وخمسين قرية، بل يطلب إخلاء كامل الجنوب اللبناني؟
إن ما يجري اليوم ليس مجرد اختبار عسكري، بل هو لحظة تأسيسية لإعادة تعريف مفهوم الشرعية. الشرعية لا تمنحها صناديق الاقتراع وحدها، بل تصونها القدرة على حماية الشعب والتصدي للعدوان. حين تتحول السلطة إلى أداة لتنفيذ مطالب الخارج، وتجرد المواطنين من حقهم الطبيعي في الدفاع عن الوجود، فإنها تسقط من اعتبارها الشرعي، وتنتقل المسؤولية الوطنية إلى القوى الحية القادرة على الفعل والصمود. ليس هذا تحريضاً على الفوضى، بل هو منطق القانون الدولي الذي يعترف بحق الشعوب في مقاومة الاحتلال، وفي مقاومة السلطات التي تتواطأ معه.
وليس أدلّ على هذا المنطق من تجربة القانون الفرنسي نفسه، الذي حاكم عملاء فيشي بعد التحرير بتهمة «الخيانة العظمى» و«التواطؤ مع العدو». فالقانون اللبناني، المنبثق من ذات الأسس الحقوقية والمنقول عن النظام القانوني الفرنسي، يتسع لمحاكمة كل من تآمر على المقاومة في زمن العدوان. فالخيانة ليست فعلاً سياسياً عابراً يغتفر بمجرد تغير الظروف، بل هي جريمة جنائية ودستورية تسقط معها الحصانات، وتستوجب المحاكمة مهما طال الزمن.
لكن التحدي الأكبر لا ينتهي بصد العدوان. التاريخ يعلّمنا أن الانتصارات الميدانية يمكن أن تتبدّد على طاولات السياسة إذا لم تقترن بإرادة تطهير البيت الداخلي. تجربة فرنسا بعد التحرير تقف شاهداً: لم يكتفِ الديغوليون بطرد النازي، بل أقاموا محاكمات للخونة وطاردوا عملاء فيشي حتى في ملاجئهم البعيدة. في لبنان، سيكون الانتصار على العدو ناقصاً إذا بقيت السلطة التي تآمرت على المقاومة في مواقعها، قادرة على تكرار التجربة في كل مرة يلوح فيها خطر جديد. مَن وقّع على حظر المقاومة، ومَن بارك هذه القرارات في قصر بعبدا والسرايا، يتحمّل مسؤولية تاريخية كبرى، لا تسقط بالتقادم ولا تمحوها الانتصارات.
لكن أخطر ما تتحضر إليه هذه السلطة هو ما يمكن تسميته بـ«الخيانة الوظيفية» بعد انتهاء الحرب. فعندما تخفت أصوات المدافع، ستسعى جاهدة إلى قلب الانتصار الميداني إلى هزيمة استراتيجية عبر مقايضة إعادة الإعمار بتنازلات سيادية، وشرعنة ترتيبات أمنية تخدم أمن العدو الصهيوني، وتحويل حلم «الدولة القوية» إلى أداة لقمع المقاومة وتجريدها من سلاحها إرضاءً للخارج. هذه السلطة، التي عجزت عن حماية شبر من الأرض خلال العدوان، ستحاول أن تكون «جسر عبور» للأهداف الإسرائيلية التي فشلت الطائرات في تحقيقها. ومن هنا، فإن إزاحتها ليست خياراً سياسياً عابراً، بل ضرورة وطنية لضمان ألّا تذهب تضحيات الشهداء هدراً في دهاليز الارتهان والتبعية.
إن خريطة الطريق للمرحلة المقبلة واضحة في أبجدياتها: في خضمّ المعركة، على كل مواطن يرى في نفسه جزءاً من هذا الوطن أن يتعامل مع القرارات الحكومية على أنها «قصاصات ورق» لا قيمة لها، وأن يقدّم كل أشكال الدعم الممكنة لمن يحمون الأرض فعلاً. الجيش اللبناني، صاحب العقيدة الوطنية، ليس مطالباً بتنفيذ أوامر سياسية تحوله من درع للشعب إلى سيف على المقاومة، والقادة الشرفاء فيه يعرفون أن قوتهم من قوة الشعب ومقاومته. أمّا بعد انتهاء الحرب، وهو أمر محسوم لصالح الصمود، فتأتي مرحلة المساءلة والمحاكمة، لتكون رسالة واضحة لكل من تسوّل إليه نفسه المراهنة على الخيارات «الفيشية»: أن الخيانة جريمة لا تغتفر، وأن دماء الشهداء لن تذهب هدراً تحت قبة البرلمان أو في دهاليز القصور.
الوقت ليس وقت يأس، بل هو وقت وعي. العدو سيُهزم كما هزم في 2000 و2006، ولكن الخطر الحقيقي يكمن في إعادة إنتاج نفس الوجوه التي راهنت على هزيمتنا. اللبنانيون الذين صمدوا في وجه أعتى آلة حرب في الشرق الأوسط قادرون على إسقاط حكومة أثبتت الأيام أنها لا تمثلهم. بين صواريخ المقاومة وقرارات الخيانة، تتحدد ملامح لبنان القادم: إما وطن يليق بتضحيات أبنائه، وإما سلطة تذهب إلى مزبلة التاريخ حيث مصير كل من راهن على المحتل. الخيار لم يعد في أيدي السياسيين، بل صار في قلوب الناس وبنادق المقاومين. وإنّ غداً لناظره قريب.
* كاتب لبناني
