ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

الإخلاء... ذاكرة الدمار والصمود

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
أيهم السهلي
أيهم السهلي
الجمعة 6 آذار 2026
الخط

«وطني على كتفي... بقايا الأرضِ في جسدِ العروبة» ــــ محمود درويش، «مديح الظل العالي»

حين تنشر صفحات المتحدثين باسم الاحتلال أوامر إخلاء أحياء بأكملها، كما البارحة في بيروت، برج البراجنة والحدث (الحدت) وحارة حريك والشياح، أستعيد ذاكرة العابرين، أنا الذي مرّ مروراً في بعض الأحياء. فذاكرتي عن تلك الأماكن قصيرة وقليلة، ليس فيها أجمل من الحيوية الكبيرة في تلك الأماكن، حركة الناس التي لا تتوقف، ازدحام السير، وحركة «الموتوسيكلات» المزعجة للغاية التي يظن راكبها أنه صاحب الشأن الرفيع في اتجاه الطريق.

هذه الأماكن التي تأتيها أوامر الإخلاء، لها أهل، ذاكرتهم حافلة بالكثير، طفولتهم ومدارسهم وجيرانهم ودور عبادتهم، باعة الخضار، المقاهي، وماكينات «الاسبريسو» والمطاعم. في ذاكرتهم حروب ودماء، وحجارة بيوتهم التي ستدمّر للمرة الثالثة أو الرابعة على الأقل.
في التدميرات السابقة، في حرب تموز، تحولت بيوت السكان المدمرة، ركامها وحجارتها، إلى جبل «كوستا برافا» على طريق الأوزاعي أمام البحر، والجانب المقابل. هذه الطريق التي أخذت شكلاً جديداً «طبيعياً» لمن لا يعرف حكاية «الجبل» سيبهج به، وقد يتأمله، فهو وحده على الساحل قرب الشاطئ في هذه المنطقة. أما أصحاب هذا الجبل، فهكذا وبكل بساطة، بوسع الذاكرة أن تتخذ شكلاً جديداً على هيئة جبل، فتدخل صاحبها بفصام أحياناً، بين بيته في الحي، وبيته الذي صار جبلاً من ركام.

ذاكرة مثل هذه لا تموت، لا تمسحها الأيام، تبقى حية تشتعل. فعلى مرّ عامين كاملين، كان قطاع غزة تحوله إسرائيل إلى ركام. هذا القطاع الذي تصل مساحته إلى 365 كم2 قرر صاحب القرار في تل أبيب أن يجعله ركاماً، ففعل. دمّر الأماكن من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، فلم يترك إلا بضع أبنية نشاهدها في أطراف الشاشة أحياناً خلال نقل أحد القنوات الفضائية صورة لحدث ما من غزة. ولاحقاً، حتى الخيام، هاجمها، فاقتلعها، وقتل أهلها.

هذا المكان الكبير، الذي كان يسكنه أكثر من مليوني إنسان، ذاكرتهم حافلة بالكثير عنه، يتكلمون عن ديارهم فتنثال الذاكرة أمام الحاضرين، وكأنهم يتحدّثون عن جمال ما رأته عين ولا سمعته أذن، هذا رغم معرفتنا نحن الذين لم نعرف غزة عن قرب، أنها تعرضت إلى حروب كثيرة، وأن بعض ما دمرته إسرائيل في حرب 2014، اندلعت حرب 2023 ولم يكن قد عمّر بعد. لكنها ذاكرتهم عن أماكنهم، ذاكرتهم عن حياتهم المديدة في بلادهم، فمن يمكنه أن ينسى صديقاً يتحدث عن حي الزيتون في مدينة غزة، وآخر يتحدث عن دير البلح، والمستمتع يظن وكأن مسافات شاسعة بين المكانين، وما هي إلا ربع ساعة في السيارة إن زادت.

أنقذوا أوراقهم الثبوتية، وأمسكوا ما أمكن من فراش، نظروا إلى بيتهم، ولو تمكنوا لوضعوه في حقيبة، وحملوه معهم

ومن هنا يسهل فهم جدتي رحمها الله، التي تهجرت من قريتها بلد الشيخ، ومن بيتها الذي حملتها بريطانيا نفسها على تركه، ففي نيسان 1948، بعيد المجزرة في القرية، جاءت قوات بريطانية ونقل أهل القرية، تحت ذريعة حمايتهم. ونقلتهم، ولاحقاً أخرجتهم الدولة الوليدة من فلسطين، فذهبت جدتي إلى سوريا، لتعيش وتموت لاجئة في مخيم اليرموك في سوريا. جدتي مثل كتّاب مبدعين، كتبوا ذاكرتهم عن مدنهم وقراهم في فلسطين، كلما قرأت لواحد منهم، انتعشت ذاكرتها فيّ، وقد فرشتها أمامي لسنوات طويلة، وهي لا تريد أن تعرف أن قريتها التي تعرفها ماتت، هدموا بيوتها، ولم يتركوا منها سوى أماكن قليلة، بيت تحول إلى كنيس، وقبر جدي وجدها الشيخ سهل، ومقبرة القرية.

وضمن هول الإخلاءات والتدمير، يسهل جداً فهم الفنان الراحل محمد بكري، حين ذهب مبكراً إلى مخيم جنين عام 2002، ليصوّر المخيم بعد أن دمرته إسرائيل في عملية عسكرية، تعرضت فيها إلى مواجهة كبيرة، فكان فيلم «جنين جنين» الذي سيبقي المخيم حياً في الأعين لسنين طويلة، إذ التقطت عدسته دمار المخيم، بيوتهم، أثاثهم تحت الركام، ثيابهم المتناثرة بين الدمار، والتقطت كذلك ذاكرة الناس، أهالي المخيم، الذي أعيد إعماره، وأعادت إسرائيل هدمه مجدداً، وشردت أهله. وهم اليوم لمّا تمتد ذاكرتهم، فإنها تعود إلى المخيم الجديد، والقديم، وإلى القرية التي تهجّر أهلهم منها.

وكما مخيم جنين، مخيم طولكرم ونور شمس، وقبلهم مخيم النبطية جنوب لبنان الذي دمّرته إسرائيل باكراً، وشرّدت أهله في باقي مخيمات لبنان. ومثلهم مخيم اليرموك، فأنا أعرف معنى الذاكرة ها هنا، فلست عابراً في هذا المخيم، فقد عرفته طفلاً وكبرت فيه، ولذلك أعرف معنى فقدان الحيز المرتبط بالذاكرة، معنى أن تعود إلى مكان جاءت آلة الحرب (السورية هذه المرة) لتدمّره عام 2018، وتقضي معه على أمور تخص كل فرد عاش في المخيم، أماكن جميلة لن تتكرر في أماكن أخرى، وأشخاص ما كانوا بجمالهم وخصوصيتهم لو لا هذا المخيم.

ومثل كل الأماكن التي تدمّر، الضاحية، وقد خرج سكانها من أماكنهم، بوجوه مرعوبة، ومشهد لا يذكّر إلا بنزوح أهل غزة، لا يعرف معظمهم إلى أين يذهبون. أنقذوا أوراقهم الثبوتية، وأمسكوا ما أمكن من فراش، نظروا إلى بيتهم، ولو تمكنوا لوضعوه في حقيبة، وحملوه معهم. خرجوا بحثاً عن مكان لا يصله صاروخ إسرائيل، ولا تحليل «خبير» يقول إن إسرائيل هددت الأماكن المدنية لأنها لم تقدر على إمكانيات المقاومة، من دون أن يتواضع ويقول إن إخلاء الناس هو للضغط على المقاومة عبر نقطة ضعفها.

أمّا الخرائط التي تنشرها صفحات الاحتلال، وتتناقلها «مجموعات إخبارية»، مع إضافة بعض الأماكن التي لم ترد في تهديد الاحتلال. ستبقى في ذاكرة الناس، مع مزيد من القهر والألم والدموع التي تختنق فيها الأعين، فهم حين يحملون أطفالهم وحقائبهم ويخرجون بحثاً عن مأوى آمن، يقاومون بحكايتهم وذاكرة صمودهم.
* كاتب فلسطيني

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك