ذرائع العدو... والسلطة أيضاً!

في تقاليد سياسات وممارسات العدو الصهيوني أن يستغل حدثاً ما، حتى لو كان بسيطاً أو تافهاً. من تقاليده أيضاً أن يخلق الذرائع إذا لم يوفرها سواه. قام ونشأ الكيان الصهيوني على ذريعة زائفة. أساسها وعد كاذب. مصدرها حكاية صنعها روَّاد طامعون، وصاغها «فريسيون» بعد مئات السنين: كما شاءت ظروفهم ومصالحهم المتبلورة في هذه المرحلة التاريخية أو تلك.
التفرد، من جهة، وإلغاء أو تسخير الآخر («الأغيار») من جهة ثانية كانا السمة التي بدأت بالإله الأقوى، وليس الأوحد (يهوه)، وانتهت إلى شعبه «المختار»، و»الوعد» بسيادة العالم! تبلور ذلك في أوضاع استغلتها «بريطانيا العظمى» التي لم تكن تغيب عنها الشمس رغم ضباب لندن الشهير! نابليون و»حكومة المديرين» أطلقا الفكرة. قبل «تيودور هرتزل» تحرّك معلمه القس البروتستانتي والديبلوماسي الإنكليزي «هاشكر» (1845-1935). العنوان كان مباشراً: «عودة اليهود إلى فلسطين». الثمرة تجسّدت، لاحقاً، في «وعد بلفور» عام 1917: «إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين»!
مع تبدّل مركز الثقل الرأسمالي الإمبريالي، من «العالم القديم» إلى «العالم الجديد»، واصل المهمة «فالويل» القس البروتستناني الأميركي الذي أنشأ «الصهيونية المسيحية» عام 1979. أداتها التنظيمية «الأغلبية الأخلاقية» التي سرعان ما ضمت إلى صفوفها 6 ملايين عضو، كانت هي القوة الأساسية التي حملت ممثلاً سينمائياً مغموراً (رونالد ريغان) إلى سدة الرئاسة الأميركية (يُراجع كتاب الباحث محمد فقيه بعنوان: «الكيان الصهيوني وموقعه في منظومة النهب الدولية»، دار الفقيه للنشر، 2025).
من ريغان، إلى بوش الأب، فالابن، فترامب، تفاعل وتكامل المركزان الإمبريالي الأميركي والصهيوني(بتأثير محوري للأول) في تعزيز مناخ التطرف الديني العنصري في الكيان الصهيوني الذي نفذ حرب الإبادة في غزة. «صفقة القرن» الترامبية تتواصل حلقاتها في ولاية صاحبها الثانية بشكل عدواني يشمل الكثير من دول العالم، وصولاً إلى العدوان الأميركي الإسرائيلي الواسع على إيران منذ أسبوع، واستطراداً، على لبنان بدءاً من يوم الإثنين الماضي.
من تقاليد الحركة الصهيونية أيضاً، وهي تختلق الذرائع أو تصنعها، أن تستحضر التاريخ: مزيفاً أحياناً، ومغيّباً مرات إذا تطلّب الأمر. هكذا، مثلاً، صوّرت الحكومة الإسرائيلية عملية «طوفان الأقصى» (7 أكتوبر 2023) على أنها حدث ابتدائي. عزلتها عن حصارها القاتل لغزة واعتداءاتها المتواصلة على أهلها وعمرانها. عزلتها كلياً أيضاً، عن موقعها في كفاح الشعب الفلسطيني الذي اغتصبت العصاباتُ الصهيونية أرضه وشردته، بالقتل والمجازر ولا تزال. أمّا الهدف فتبرير إطلاق عدوان يتواصل الآن تحت عنوان صريح: ضم كل فلسطين، وإطلاق مشروع «إسرائيل الكبرى». حين أعلن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أن المشكلة لم تبدأ بـ»طوفان الأقصى» بادر المندوب الإسرائيلي إلى شتمه واستفزازه وجاهياً، ومن ثم تمزيق وثيقة ميثاق الأمم من على منبرها نفسه!
وجدت الحكومة الإسرائيلية في إطلاق «صلية» صواريخ بعد مباشرة العدوان الأميركي الإسرائيلي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ذريعة لا بدَّ من استغلالها إلى الحد الأقصى. هذا أمر «طبيعي» بالنسبة إلى العدو كما أسلفنا. «طبيعي» أيضاً أن يتولى فريق لبناني، تأسست روايته على الانعزال والتبعية والتحالف مع العدو، تبنّي هذه الذريعة للتصعيد والتأزيم والاستفزاز. لكن ما ليس طبيعياً أن تسارع الحكومة اللبنانية إلى تبنّي نفس الموقف، وتبنى عليه سياسات وخطة وإجراءات ضد الضحية وليس ضد المعتدي. ينطوي تناول هذا التقييم على شق مبدئي أو عام. ذلك أن الحكومة ينبغي أن تعبِّر في محاكمتها للأمور وفي اعتماد هذه السياسة أو تلك، عن المصالح الوطنية العامة. لكن الواقع بالنسبة إلى الحكومة اللبنانية الحالية مغاير تماماً. هي مدينة بموقعها في سدّة المسؤولية للفريق الأميركي ولأتباعه الإقليميين. باشرت سياسة الخضوع للضغوط الأميركية الإسرائيلية بقرارها في آب الماضي بحصر السلاح أي نزع سلاح المقاومة.
راهنت، بغرض التمويه والإيهام، على الديبلوماسية لتطبيق «اتفاق وقف الأعمال العدائية» الصادر في 27 تشرين لعام 2024. صمتت عن كل الاعتداءات التي تواصلت قصفاً وتدميراً واغتيالات وتوسعاً... طيلة أكثر من 15 شهراً. رغم إخلال العدو الإسرائيلي وراعيه وشريكه الأميركي باتفاق وقف إطلاق النار عن عمد وغدر وتآمر، أقرت الانتقال إلى المرحلة الثانية من نزع السلاح في شمال نهر الليطاني بعد إنجاز المرحلة الأولى دون مقابل إلا... التصعيد الإسرائيلي الذي بلغ ذروته في استهدافات البقاع الأخيرة وما رافقها من اغتيالات وتدمير.
يتصل بذلك افتضاح حقيقة، لم يعد المسؤولون يسعون حتى إلى تمويهها، وهي تتمثل في أن موقف السلطة من عملية الصواريخ الستة، هو موقف من مبدأ المقاومة نفسها: في الماضي والحاضر والمستقبل! هذا الموقف هو الذي جاء بأركانها، منذ حوالي سنة، إلى السلطة. وفي خدمته كان سلوك نهج الخضوع والترويج للمطالب والإملاءات الأميركية والإسرائيلية بوصفها مطالب «المجتمع الدولي». كذلك الأمر بالنسبة إلى نهج السلطة في العداء للمقاومة وحصارها الشامل وحظر جناحها العسكري. يندرج في هذا السياق أيضاً إشهار العداء للقوى الداعمة لحق لبنان في الدفاع عن أرضه وفي مقاومة المعتدي، وقطع الصلات معهم.
أكثر مَن عبَّر عن هذا النهج وزير الخارجية «القواتي». هو بكّر في تبرير الاعتداءات الإسرائيلية، واستفز البعثة الديبلوماسية الإيرانية، دون أن تكلّف السلطة نفسها عناء النأي بنفسها عن هذه المواقف العدائية والفئوية! الأنكى هو السعي إلى تحويل سياسة الرضوخ والاستسلام والتهاون والتقرب من واشنطن إلى سياسة عامة، رغم الأطماع الإسرائيلية والخطط الأميركية: حيال المنطقة عموماً وفلسطين ولبنان خصوصاً.
لبنان وشعبه أمام مخاطر محدقة كبيرة، تجسدها التدابير العدوانية الصهيونية المتصاعدة. وحدها المقاومة والصمود هما الرد الوطني والصحيح. ما عدا ذلك استسلام ورضوخ وكوارث وعبودية!
* كاتب وسياسي لبناني
