الواقعية القديمة

لم تزل الواقعية من أكثر المفاهيم تعرضاً للتزييف والإهانة منذ سنوات طويلة، مثل الديمقراطية والوطنية والثورة. الحقيقة أن ترامب واقعي وهو يجبر العرب - وغيرهم - على ملاحقة إيقاعه وانفعالاته، وبتفاهة واضحة يستجيب الجميع وينتقل الفهم والتحليل إلى مستوى طفولي بامتياز، ليس أقل طفولية من عروض ترامب نفسها، وفي الخلفية تقف حقائق الاقتصاد والسوق والتراكم الرأسمالي، والنخبة التي يمثلها ترامب ــ بالذات والآن، بعيداً عن سوق الانتباه الحافل. وكان واقعياً عندما أدرك المسار الممكن والمقومات «التقنية» لوصوله إلى مقعد الرئاسة، وأن العمل بالسياسة نفسها مسبقاً ليس ضرورياً، واستثمر الأموال والعلاقات المناسبة للغرض، وعندما التزم بدعم تاريخي لإسرائيل وبأن يقاتل إيران مقابل منْح حملته الثانية أموالاً طائلة ونفوذاً، وصولاً إلى نجاحها.
عادةً يتطوع الواقعيون بالقول إن سبب أزماتنا ليس إسرائيل أبداً، وليس غياب السيادة والاستقلال والخضوع قسراً أو طوعاً للمسموح من استخدام للموارد، وإننا - العرب - سيئون إلى درجة عميقة. انظر سلوكنا و»حالنا»، هل نبدو مستحقين لواقع أفضل؟ وكيف يمكن تحقيقه بمثلنا؟ لكن نفس هؤلاء يكرهون أي محاولة لتطوير «حالنا» ونظرتنا إلى العالم وإلى أنفسنا، ويوصمونها بالشعبوية والسذاجة والجهل، واللافت أن نظرتهم (على عكس ترامب) لم تحقق شعارها في تاريخنا الحديث قط، لم يثمر الامتثال للنظام الدولي، والتسليم والمشاركة بما يفرضه تكراراً، الاستقرار قط، ليس سوى تضخيم وتأجيل الأزمات، وتمكين مديري النظام (بصفته القدر) من رقابنا جميعاً، مع «نقاط مضيئة» في دبي ونيوم ولوسيل حيث لا حاجة ملحّة للديمقراطية، في حياد نسبي عن الكتل السكانية المأزومة بشكل بالغ التعقيد.
لعله لذلك الإفلاس دأب بعضهم على ترديد مقولة بُعد نظر السادات وفهمه «ما سيحدث»، لإخفاء أنه وطبقته والمصالح والأفكار التي يمثلها افتتح عصراً لسيادة إسرائيل علينا، يشبه الآن، وكان و»مبادرته» أحد الأسباب الرئيسية، لا نتيجة عجز موروث نعانيه أو هزيمة ماحقة أخرجتنا من الفعل التاريخي نهائياً. كانت الواقعية تلك بالذات سبباً رئيسياً لـ»ما سيحدث»، من 1982 إلى اقتحام الأقصى والانتفاضة في 2001، لكن بالكذب والتسويق صار السائد أنها نتيجة منطقية. وإلا كيف تُغَطى النتائج الكارثية ويغيب سؤال الواقع الحقيقي ــ الملحّ عملياً؟ نموذج نراه في وقاحة الكاذبين في الإعلانات، لكن على مستوى سياسي متصل بالقرار الأبدي الواعي للواقعيين، المعبّر عن اتجاه فكري وتصور عن الواقع والذات: السكون في موقعنا العالمي ومحاولة تفادي الكوارث، إن استطعنا، هو الممكن الوحيد.
لعله لذلك الإفلاس دأب بعضهم على ترديد مقولة بُعد نظر السادات وفهمه «ما سيحدث»، لإخفاء أنه وطبقته والمصالح والأفكار التي يمثلها افتتح عصراً لسيادة إسرائيل علينا، يشبه الآن، وكان و»مبادرته» أحد الأسباب الرئيسية، لا نتيجة عجز موروث نعانيه أو هزيمة ماحقة أخرجتنا من الفعل التاريخي نهائياً
هي نفسها الواقعية التي تحوّل محض الإنفاق إلى إنجاز مثلاً، أو تحتفي بمنحة أسلحة لا تقتل إلا ضحكاً إلى جيش يحتاج تحقيق توازنات قصوى لاستخدامها لمرة واحدة، أو تعتبر ارتفاع أسعار الأراضي والعقارات مفخرة اقتصادية: الناتج النهائي (العام) ليس جزءاً من النقاش بالأساس، والعام اجتماعي بالضرورة. من جهة أخرى تبدو التجارب الناجحة و»واحات التطور» السبّاقة إلى الواقعية في الخليج هشة، لا بفعل صواريخ إيران وحسب، إنما بالأساس تذهب فوائض بيع النفط إلى الصناديق والسندات الأميركية والغربية الموعودة، مع دفع جباية لترامب ووزارة حربه، التي تجاهلت ببساطة حماية ناطحات السحاب عند حدوث ما توقعه الجميع لسنوات، رغم أن الحماية هي المقابل التاريخي للتحالف والارتباط العضوي بين هذه الدول ونفطها مع الدولار وأميركا، التي بدأت الحرب، منذ اتفاق كوينسي مع قطبها السعودي.
هل تبدو مجاراة المهزلة حلاً واقعياً؟ لا، لكن التفسير يكمن في الارتباط العضوي، والمصالح التي تمثلها المجموعات الحاكمة للخليج. لا أذكر إن كانت اليابان أو الصين من زرع منذ سنوات ثمرة بطيخ مربعة، ما تطلّبه الأمر كان تعديل البذرة ذاتها والتحكم بخصائصها وظروف زراعتها بالمبتدأ، ويُنتَج بطيخ مربع لم يتخذ الشكل الطبيعي يوماً. والواقعية في إيران الآن تولّي الجذريين قيادة المعركة، وتقنيي التفاوض تحقيق شروط عادلة، والواقعية كانت ولا تزال مسارعة إسرائيل إلى السيطرة الجوية ضد إيران، واستخدامها أحدث منتجات احتكار التكنولوجيا، وأن يصف ترامب عدوانه أنه «الفرصة الأخيرة والأفضل» لتفجير إيران، واقعية مفهومة: السياق والتوقيت مناسبان لتصفية نموذج أخطر من فنزويلا كثيراً، وتعزيز «نموذج تنموي» مثل الإماراتي، لا ينقصه سوى التهذيب، والواقعية كذلك، في السودان مثلاً.
لذلك كله أقترح التعاطي مع الواقعية العربية تلك بجدية ذهنية أظنها مفتقَدة: هي نظرة قديمة ترتدي ثوباً جديداً، شفافاً بامتياز ولا يخفي جوهرها، وليست ظاهرة جديدة أبداً. وتعبير حقيقي عن مصالح ملموسة وتصورات وقيم غير ملموسة، وليست مجرد موضوع للحكم الأخلاقي والسخط المشروع. وهناك رابط مادي حقيقي بين الحالتين، في لعبة التضليل وخلط النتيجة والسبب: السلام بالمطلق خيار استراتيجي نتيجةً للعجز المقدس، وليس سبباً واضحاً مرئياً له، والمقاومة سبب للاحتلال لا نتيجة! والرابط هو الكتل الحاكمة العربية آخر نصف قرن وأفكارها، باختلافها، جمهوريات ما بعد التحرر الوطني أو مشيخات أو تشكيلات طائفية قرابية. وتتمتع بتجذّر حقيقي في الواقع الاجتماعي للدول، لأسباب مركبة، رغم تفاهة شأنها وتبعيتها عالمياً، مثل الواضح للعيان.
من هنا فالأهم أن من يمثل مصالح أغلبية العرب الآن، ذات الإمكانات الأقل في الثروة والسلطة، الطامحة إلى التصنيع والحداثة الفعلية، هو سيد الواقعية على هذه الأرض: رجال كادحون وطامحون يمثلون عملياً المفهوم الجديد للواقعية، الذي يتّسق مع مشروع إسرائيل الكبرى وإعادة إنتاج الفاشية واقعياً في أميركا، وسهولة ــ بل مجّانية قتل أو تقويض حياة العرب وشعوب المنطقة.
* كاتب مصري
