بعل… من الخُصوبة الى العَلَف

جميلٌ جداً أن تكون الأشياء في مكانها ووقتها المناسب. البعل حيٌ يرزق، وعلى رأس السلطات المحلية كما الإقليمية والدولية. إذاً بعل السلطة (النقطة على العين اختيارية) موجود اليوم تماماً حيث ينبغي أن يكون: لكل دولةٍ بِعالها، ولكل مرحلةٍ بَعلها المناسب. أمّا بعل (الأصلي، قبل ظهور الديانات السماوية التنويرية)، كان رمزاً بدائياً للمطر والخصوبة والإنتاج عند كنعانيي بلاد الشام.
إذاً كان بعل فكرةً عميقة وجدية، مهما كانت محاولة جاهلية لفهم الطبيعة ضمن تطور المعتقد تدريجياً مع الفكر الإنساني. من حسن الحظ أن ذلك البعل قابع في مثواه الأخير على صفحات كتب التاريخ. على الأقل كان الإله الوثني يفهم شيئاً في الزراعة ودورات الطبيعة، وكانت الشعوب تستحضر خيرات بعل بأفكارها وهمّتها. لكن بماذا يفهم بعلُ السلطة اليوم؟ وبماذا يفكر؟
كما كان أينشتاين يفهم الذرّة ويفكر في «نظرية النسبية»، يفهم بعل السلطة بالعلف الديبلوماسي أمام الموائد الفاخرة، إلى درجة ابتداع «النظرية الاتكالية» في الأمن الغذائي، وحتى الثقافي، أي ثقافة الاستهلاك لا الإنتاج. أصبح بعل العلف سيّد المشهد؛ إله الاتكال الذي لا يعرف من الأرض إلا ضغوط ما يوضع في معلفه. هي نظرية بسيطة في ظاهرها، لكنها معقّدة في نتائجها: اتكِل على غيرك، ودَع غيرك يفكر عنك، ويضغط عليك، وينفخ بك مؤقتاً، إلى أن يمحي دورك من الوجود. «النظرية الاتكالية» تقول: أنا أتّكل، إذاً أنا موجود على الورق فقط. أنا متكل على شمشون، إذاً أنا دليلة كرتونية.
هكذا نشأ ما يمكن تسميته اليوم بالوهم الأميركي. بعل السلطة متّكل على الوهم، والأميركي رهينة للبعل البرتقالي الرابض في البيت الأبيض، الذي بدوره متّكل على شبكات نفوذ فاسدة قائمة على بعل الأمّة، الفقيد جيفري إبستين. أمّا نحن، بقية الشعوب الساحقة حول العالم، لسنا متّكلين لا على هذا ولا ذاك؛ ما لنا إلا محبة الله والحق ورفض الباطل في الميدان.
الوهم الأميركي هو الفكرة التي أقنعت أنظمة سلطوية كثيرة بأن الأمن يمكن استيراده كما تُستورد السيارات والعلف. يكفي أن تُفتح القواعد العسكرية، وأن تُرفع الأعلام، وأن تُوقَّع الاتفاقيات الإبراهيمية، حتى يتحول الخوف المصطنع إلى وهم الطمأنينة، والضعف الهيكلي إلى وهم القوة. لكن الأيام الأخيرة كشفت شيئاً آخر في عمق الأرض وفي لبّ المعنى. اتضح أن عمالقة السلطة أنفسهم، حين تهتز قواعد البرتقالي وتُستهدف مراكزه، يبحثون في خوفهم عن حفرةٍ يختبئون في ملاذها الآمن. من سخرية الزمن يكتشفون القيمة الحقيقية لأنفاق غزة. من صلب الأرض ينهض رجال المقاومة في لبنان. من التربة الخصبة تولد الملحمة البطولية. من تلك الأرض التي فرض سفراء الانتداب «تنظيفها» بمكنسة تعمل على بطارية «الديبلوماسية»، وتُشحن من المقابلات وشبه «قرار السلم والحرب» والمرجلات الصوصية.
واتضح أيضاً أن تلك القواعد التي قيل إنها لحماية العرب لم تكن في الحقيقة إلا خطوط دفاعٍ متقدمة لحماية النتِن، بدل أصحاب الأرض. قيل للعرب إن القواعد درعهم، فإذا بها درعٌ لغيرهم. ثم اتضح ما هو أكثر مرارة: جيوشٌ كاملة بُنيت بعقائد دفاعية غريبة، وميزانيات ضخمة أُنفقت على أسلحة لا تُطلق إلا على اليمن أو في الاتجاه الذي يُسمح لها به. كأن الأمة كلها صارت حارساً ليلياً عند بابٍ لا يملكه.
بعل السلطة بطبيعته صبور حتى العجب. يحمل الحِمل بعد الحِمل، يقدّم التنازل بعد التنازل، خطوةً انحنائية بعد الأخرى، حتى صار التفاوض على التطبيع يجري من أسفل مجارير دمشق وبيروت، لا من فوق الطاولات. لكن الحقيقة أن البعل لا يستطيع أن يحمل أكثر مما يستطيع. إلى أن افتُضِح الأمر: لا قادر أن يشيل حاله، ولا الزير من البير. إلى أن حضر علي برّو وهو القشة الثقيلة الظل التي قضمت ظهر البعل. ضاقت مكنسة التنظيف ذرعاً بفشلها في تنفيذ أوامر «التنظيف»، فألقت غضبها على حرية التعبير.
كبسة زر واحدة حوّلت برنامجها إلى شفط الأوكسجين من صدور الأسئلة الجريئة: اسألوا الصحافي الاستقصائي الرائع حسن عليق مثلاً. الصحافة ليست مرآةً لتزيين السلطة، بل مكبّر أصوات للأسئلة الصعبة عن مقاومة نبيلة أصبحت ملاحقة تعسفياً في القضاء. أصبح النقد عبئاً على بطارية السلطة، والرأي الآخر الذكي عبئاً على فيشتها. لا يكفي المكنسة أربعين آمبير في مغارة علي بابا والتسعة وثلاثين سفير (المعتّر الإيراني يجهل كلمة «أبو عمر» السرّية)، بل ما زالت مصرة على تنظيف الداخل لمجاراة الخارج.
في المقابل، هناك أناسٌ نبلاء يدفعون فاتورة المكنسة. النازحون غصباً من الجنوب اللبناني، ومن البقاع اللبناني، ومن أحياء بيروت المحيطة بالضاحية الشرقية والضاحية الغربية، لا يتكلون على الوهم الأميركي، ولا على قواعده، ولا على بياناته. هؤلاء يتكلون على أبناء الله، وعلى العودة الى بيوتهم المهدمة، وعلى نخوة إخوانهم اللبنانيين الذين يفتحون الأبواب في مناطق الوطن، وعلى صبرٍ طويل جميل تعلموه من الأرض نفسها.
هنا نعود إلى خِرافنا الأولى: على أي بعلٍ نتّكل؟ إنتاج وطن أو استهلاك وعلف؟
بعل، على بدائيته، ارتبط بالخصوبة والعمل. أما بعل السلطة السياسية فهو كابوس مرتبط بالعجز والاتكال والوهم. الفرق بين الاثنين أن الأول كان جزءاً من محاولة الإنسان لفهم العالم، بينما الثاني جزءٌ من محاولة بعض الحكام لخيانة الواقع. ربما لم تعد الكارثة في بعل المنقرض منذ آلاف السنين، بل في البعل الجالس بثقة على الكراسي، الذي يقنعنا كل يومٍ أن العلف سياسة، وأن الاتكال استراتيجية، وأن الانحناء حكمة.
لكن التاريخ علّمنا شيئاً واحداً على الأقل: الأمم لا تقوم على ظهور البعال، ولا تُحمى بالأوهام، بل تقف حين تتوقف عن الاتكال وتبدأ بالوقوف على قدميها. وكما اتكل فينيقيو الأمس في فطرتهم على بعل، نتكل نحن في أملنا على الله... وعلى أبناء الله.
* كاتب لبناني
