ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

الجيش بين الدولة والمجتمع: حين يتحول الخلاف السياسي إلى أزمة شرعية

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
كريم حداد
كريم حداد
الجمعة 13 آذار 2026
الخط


في الدول التي تواجه تهديداً خارجياً دائماً، يصبح موقع الجيش في الحياة العامة مسألة شديدة الحساسية. فالجيش ليس مجرد مؤسسة عسكرية تقنية، بل هو في المخيال الوطني رمز السيادة وحارس الحدود ومرآة وحدة المجتمع. ولهذا السبب، فإن أي محاولة لإقحامه في النزاعات السياسية الداخلية تُعدّ من أخطر القرارات التي يمكن أن تتخذها سلطة سياسية، لأن الجيش حين يتحول إلى أداة في صراع داخلي يفقد تدريجياً صفته الجامعة ويتحول إلى طرف في الانقسام.

هذا النقاش ليس نظرياً في لبنان. فالتاريخ الحديث للبلاد مليء بالمحطات التي أظهرت مدى حساسية استخدام الجيش في الداخل، ومدى خطورة خلط وظيفته الأساسية، أي حماية الوطن، بوظائف سياسية تتعلق بإدارة الخلافات بين القوى الاجتماعية والسياسية. ومن هنا فإن النقاش حول دور الجيش لا ينفصل عن سؤال أكبر: ما هو الدور الحقيقي للدولة في لحظة الصراع، وكيف يمكن الحفاظ على تماسك المؤسسات في بلد يعاني أصلاً من انقسامات عميقة؟

الجيش ووظيفته الوطنية

في النظرية السياسية الحديثة، يُفترض أن الجيش مؤسسة وطنية جامعة تقف على مسافة واحدة من جميع المواطنين. فهو ليس أداة حزب ولا جهاز سلطة، بل جهاز الدولة نفسها. وهذا التمييز بالغ الأهمية. فالدولة، بوصفها كياناً سيادياً يمثل المجتمع كله، تحتاج إلى جيش يحمي حدودها ويصون استقلالها، لا إلى قوة تستخدمها السلطة السياسية ضد خصومها الداخليين.

عندما يُطلب من الجيش أن يتحول إلى أداة في النزاعات السياسية الداخلية، فإن ذلك يضعه في موقع بالغ الخطورة. فهو يُجبر عملياً على مواجهة فئات من المجتمع بدل أن يبقى مؤسسة جامعة لها. ومع مرور الوقت، يؤدي هذا الدور إلى تآكل شرعيته الرمزية، لأن المواطنين يبدأون بالنظر إليه بوصفه طرفاً في الصراع لا حارساً للوطن.

ولذلك فإن معظم التجارب السياسية في العالم تؤكد أن حياد الجيش في النزاعات السياسية الداخلية هو شرط أساسي للحفاظ على استقرار الدول. فالجيش الذي ينخرط في السياسة يفقد تدريجياً وظيفته الأساسية، ويصبح جزءاً من لعبة السلطة بدل أن يكون مؤسسة فوقها.

دروس التاريخ اللبناني

التاريخ اللبناني يقدم مثالين متناقضين يوضحان هذه المسألة بجلاء.
المثال الأول يعود إلى أزمة عام 1958. في تلك اللحظة العصيبة، كان لبنان يعيش انقساماً سياسياً حاداً، وكانت البلاد على حافة الانزلاق إلى مواجهة داخلية واسعة. لكن قائد الجيش آنذاك، اللواء فؤاد شهاب، اتخذ قراراً بالغ الأهمية: تحييد الجيش عن الصراع السياسي الداخلي قدر الإمكان. لم يكن ذلك قراراً سهلاً، لكنه أسهم في الحفاظ على تماسك المؤسسة العسكرية ومنع انهيارها في خضم الانقسام السياسي.

لقد أدرك شهاب أن الجيش إذا دخل في المواجهة الداخلية فسيتحول إلى طرف فيها، وأن ذلك سيؤدي في النهاية إلى تفككه. ولذلك اختار استراتيجية تقوم على حماية الاستقرار العام ومنع الانزلاق إلى الفوضى، مع الحفاظ على مسافة من الصراع السياسي. هذا القرار ترك أثراً عميقاً في الذاكرة السياسية اللبنانية، لأنه قدم نموذجاً لكيف يمكن للمؤسسة العسكرية أن تحمي الدولة من دون أن تتحول إلى أداة في النزاعات الداخلية.

أما المثال الثاني فيرتبط بأحداث 1984، حين كانت الحرب الأهلية في لبنان قد بلغت مرحلة بالغة التعقيد. في تلك المرحلة، جرى استخدام الجيش في صراعات داخلية شديدة الحساسية، وهو ما أدى إلى نتائج كارثية على المؤسسة العسكرية نفسها. فقد تعرض الجيش آنذاك لانقسامات عميقة وانهيارات مؤلمة، لأن إدخاله في صراعات داخلية جعل وحدته عرضة للاهتزاز.

هذا الدرس التاريخي يظل حاضراً بقوة في الوعي اللبناني: عندما يتحول الجيش إلى طرف في النزاعات السياسية الداخلية، فإن الخطر لا يهدد المجتمع وحده، بل يهدد المؤسسة العسكرية نفسها.

الدولة ومسؤولية إدارة الصراع

غير أن النقاش حول الجيش لا يمكن فصله عن النقاش حول دور الدولة في إدارة الصراع الخارجي. فالدولة التي تواجه تهديداً خارجياً تحتاج إلى استراتيجية واضحة لحماية سيادتها والدفاع عن مصالحها الوطنية. وهذه الاستراتيجية لا تقوم فقط على القوة العسكرية، بل أيضاً على الدبلوماسية والسياسة والاقتصاد.

في كثير من الأحيان، تنشأ الأزمات عندما تفشل السلطة السياسية في إدارة هذا التوازن. فإذا عجزت الدولة عن بناء استراتيجية وطنية متماسكة لمواجهة التحديات الخارجية، فإن ذلك يفتح الباب أمام نقاشات حادة داخل المجتمع حول أفضل السبل للدفاع عن البلاد. لكن، من الضروري التمييز بين النقاش السياسي المشروع وبين تحويل المؤسسات الوطنية إلى أدوات في الصراع. كون استخدام المؤسسات العسكرية في هذا النقاش له مخاطر كبيرة.

في المجتمعات التي عانت من الاحتلال أو العدوان الخارجي، يحتل مفهوم المقاومة مكانة خاصة في الذاكرة الجماعية. وفي لبنان، كان للمقاومة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي دورها المهم في تشكيل الوعي الوطني. وهذا الإرث التاريخي يطرح أيضاً أسئلة معقدة حول العلاقة بين الدولة والمجتمع في إدارة الصراع مع الخارج. فكيف يمكن للدولة أن تستوعب هذا الإرث ضمن استراتيجية وطنية جامعة؟ وكيف يمكن الحفاظ على وحدة المؤسسات في ظل اختلاف الرؤى حول كيفية مواجهة التحديات الخارجية؟

عندما يشعر المواطنون أن مؤسسات الدولة تعمل لحماية المجتمع كله، فإن تلك المؤسسات تكتسب شرعية واسعة. أما عندما تتحول المؤسسات إلى أدوات في الصراعات السياسية، فإن تلك الشرعية تبدأ بالتآكل. ولهذا السبب فإن الحفاظ على حياد الجيش ووحدته يظل مسألة مركزية لأي دولة تسعى إلى الاستقرار.

تقدم التجربة اللبنانية، بكل تعقيداتها، درساً عميقاً حول العلاقة بين الدولة والجيش والمجتمع. فالجيش الذي يبقى بعيداً من النزاعات السياسية الداخلية يستطيع أن يحافظ على وحدته ودوره الوطني، بينما يؤدي تسييسه إلى نتائج خطيرة على الدولة نفسها.

وفي بلد يعاني من تحديات خارجية وانقسامات داخلية في آن واحد، يصبح الحفاظ على المؤسسات الوطنية الجامعة شرطاً أساسياً لبقاء الدولة. فالخلافات السياسية يمكن أن تُدار بالحوار والمؤسسات الدستورية، لكن الحفاظ على الجيش كرمز للوحدة الوطنية يظل مسؤولية مشتركة تقع على عاتق الجميع.

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك