الخلل المتعاظم والعقد الوطني الجديد [1]

في مقابلة مع جريدة "النهار" الصادرة يوم الأربعاء الماضي، كرَّر الرئيس نواف سلام موقفه وموقف الحكومة من مسألة "حصر السلاح" عبر الحلقتين المعلنتين حتى الآن (في آب الماضي والثانية من الشهر الحالي). من جهته، تخلّى رئيس الجمهورية عن توفيقيته النسبية بعد انتقاده علناً، من قبل الرئيس ترامب، ليروِّج لعدم جدوى السلاح "كما أثبتت المواجهات السابقة"، ونظراً للاختلال في نسبة القوى، بالنسبة لقطبي السلطة التنفيذية، ولو بدرجة متفاوتة، تجري مقاربة سلاح المقاومة بمعزل عن الاحتلال، وبمعزل عن مدى صحة تحكيم نسبة القوى في واجب التصدّي له خصوصاً في ما يتعلّق بالمقاومة الشعبية (ناهيك عن القوى النظامية وفق الإمكانيات المتاحة أو التي ينبغي توفيرها)! قبل ذلك يُصنّف حصر السلاح، في كل الحالات والأوقات، هدفاً محض داخلي! تدفع قوى سياسية لبنانية "سيادية" تقليدية، طائفية ويمينية، ذلك التصنيف إلى مداه الأقصى.
هي تجادل بأن السلاح، بالمطلق، موظف في خدمة الخارج. أمّا أهدافه الداخلية فمحصورة في الصراع على السلطة في نطاق منظومة التحاصص الطائفية السائدة. ليس في قاموس هؤلاء وفي قاموس السلطة، ما يَرِد بشأن الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة في التاريخ اللبناني المعاصر. هم، أيضاً، لا يستشعرون، أي حذر أو قلق، حيال خرائط مشروع "إسرائيل الكبرى" التي تشمل لبنان، والتي أعلن نتنياهو المباشرة بتنفيذها في امتداد حرب الإبادة التي تشنّها حكومته الفاشية العنصرية على الشعب الفلسطيني برعاية ومشاركة أميركية كاملة...أخطر من كل ذلك أن بديل السلطة في التعاطي مع المحتل، هو الانزلاق المتدرج والمتسارع، في سياق الرهان على واشنطن، إلى تبنّي الشروط الأميركية بشأن الوضع اللبناني.
وهي شروط إسرائيلية الآن، وفي كل آن: تلحّ على تنفيذها وساطة/وصاية أميركية مدجّجة بالاعتداءات الإسرائيلية التي لا تتوقّف عند قانون دولي، أو إنساني، أو اتفاقية ثنائية بمبادرة و"وساطة" أميركية! أمّا بالنسبة إلى الطرف اليميني، فالخلل أعظم، ولا ضوابط له: العدو صديق وحليف. تدخله مشروع. العلاقة معه شاملة وأداة قفز إلى السلطة على دباباته الغازية!
تعود جذور هذا الموقف، في شقيه الرسمي وغير الرسمي، إلى خلل كبير ضارب في أعماق البنية السياسية والاجتماعية اللبنانية. وهو خلل مترسخ ومتجدد في مجريات تطور الأحداث والصراعات في لبنان وفي المنطقة. أولاً، عبر صيغة التقاسم والتحاصص الطائفي الداخلي. ثانياً، عبر العلاقة بالخارج.
وهي علاقة كانت ذات دور تأسيسي في نشوء الكيان اللبناني وفي إرساء القواعد التي تتحكم بمرتكزاته وبتوازناته وبالعلاقات الداخلية والخارجية التي تحدّد وتوجِّه عمل سلطاته ومواقف حكامه..انطوت عملية التأسيس على معادلة الاستقواء ما بين الطرف الداخلي المستفيد، والمستعمر الخارجي (الانتداب الفرنسي) الذي كان يسعى لتوطيد سلطته إبّان وجوده، وضمان استمرار نفوذه بعد انتهاء انتدابه. وفّر الاستقواء غلبة أو أرجحية وامتيازات. وهو شكّل سابقة وقدوة في السعي من أجل امتلاك السلطة وبناء توازناتها أو تغيير تلك التوازنات. في السياق، تكرست وتفاقمت التبعية والفئوية وانتهاك السيادة وهشاشة الوحدة الوطنية... بالتفاعل والتواطؤ والتنازع، ما بين الأطراف الداخلية والخارجية.
ولّد الخلل التأسيسي البنيوي "صيغة" هجينة وهشة. انقسام، وتبعية، وفيدرالية طوائفية. صراع ضار على السياسات والتوازنات والعلاقات رغم التناغم والتفاهم على استمرار الصيغة الطائفية التي ارتضتها كل البورجوازيات إطاراً لممارسة سلطتها المتعارضة مع مصلحة الأكثرية الساحقة من اللبنانيين. نجم عن ذلك العجز عن بناء وطن يمتلك الحد الأدنى من الوحدة الوطنية الضامنة لبقائه ولازدهاره وللحفاظ على وحدته وسيادته. نجم أيضاً النهب غير المسبوق والفساد وغياب المحاسبة والإفلاس والتفقير والاستباحة الداخلية والخارجية...
إلى ذلك، شمل الخلاف والانقسام مسائل مهمة وجوهرية تتعدّى السياسات والعلاقات والتوازنات، إلى مسائل الهوية والانتماء، وضمانات هذين في العلاقات والدستور.
لا تعوزنا الأمثلة على التذكير بحجم الصراعات التي عصفت بلبنان وباللبنانيين منذ الاستقلال إلى اليوم. محطات دامية، أو دامية جداً، هي التي طبعت مسيرته وعلاقته وعمّقت أزماته بما جعله وطناً غير مكتمل الأركان: وطناً قيد الدرس!
يتجلّى الخلل في هذه الحقبة، بصورة خاصة، في عدم فصل الاحتلال والعدوان والأطماع المحدقة عن الهواجس والفئويات والتوازنات الداخلية. أكثر من ذلك ثمة قوى في السلطة وفي الوسط السياسي اللبناني، كما أشرنا، تراهن على العدوان وعلى داعميه، بأمل دفع "الخطر" الداخلي والسيطرة على السلطة مهما كانت النتائج والخسائر من كل نوع...
هذا وضع لا يجوز أن يستمر، وهو يطرح أسئلة كبيرة وتحدّيات أكبر وأخطر بشأن لبنان وبشأن المنطقة عموماً. إنها أسئلة الوجود والمصير والهوية... وليس فقط السياسات والعلاقات والتوازنات:
- ما معنى قرار السلطة اللبنانية بأن أولويتها هي نزع سلاح المقاومة ومعاقبة المقاومين في زمن الاحتلال والقصف والقتل والتدمير والأطماع؟!
- ما معنى أن تسحب الحكومة الجيش المغلوب على أمره ودوره وكرامته، فيما يتقدّم المحتل غازياً ومتوسعاً وطامعاً...؟!
- ما معنى أن يستمر الرهان على واشنطن راعية المحتلّ المعتدي وشريكته في القتل والإجرام والتآمر والعدوان؟!
- يتصل بذلك حكماً وحتماً، توسيع دائرة الأسئلة إلى صيغة النظام القائم. وإلى العلاقة الجدلية بين الخلل في بنيته والنتائج المدمرة التي ضربت السيادة والاستقرار والوحدة الداخلية منذ الاستقلال حتى اليوم.
في مواجهة مشاريع التفتيت والتفكيك والضم والإبادة، وفي التخلّص من التحاصص الطائفي ومن النهب والفساد، وفي مسائل الهوية والتبعية...لا يمكن الاستمرار بنمط النظام والعلاقات الحاليين. الترقيع عقيم، التأجيل قاتل، تجديد العقد بين اللبنانيين بات مسألة أولى ملحة ومصيرية دفاعاً عن لبنان الموحَّد السيد العربي الديموقراطي: البداية من مواجهة الاحتلال: أي من السيادة ومعناها ومستلزماتها.(التتمة في نقاش لاحق)
* كاتب وسياسي لبناني
