لماذا الخليج؟

لم يعد المشهد يحتاج إلى كثير من التأويل. حربٌ صهيوأميركية مفتوحة على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وكيانات خليجية يتسرّب اسمها من كل شقّ في المعادلة: تسهيلات لوجستية هنا، وإنكار، وصمت مُدبَّر هناك، وتصريحات مائعة، وصور لا تقول شيئاً لكنها تقول كل شيء. والنتيجة؟ موجة غضب عربية عارمة على منصات التواصل الاجتماعي، تتحوّل بسرعة إلى سيل من الشتائم واللعنات، ووسومٍ غاضبة تشتعل يوماً ثم تنطفئ، ولا تترك خلفها سوى رماد انفعال عابر.
لكنّ الحقيقةَ أن ما يجري على هذه المنصات اليوم ليس مجرّد ردّ فعل على حدث راهن. هو أقرب إلى انفجارٍ في الذاكرة. ذاكرة عربية مُثقلة بعقود من الألم، تتراكم فيها صور لا تُنسى: أموال خليجية موّلت حروباً، ومزّقت بلداناً ومجتمعات عربية بأكملها، وفتحت أراضيها لقواعد عسكرية كانت قد قصفت بغداد ودمّرت ليبيا وسوريا، وسياسات رعت التطرّف حيناً، والتطبيع حيناً آخر. كل ذلك من وراء أسوارٍ آمنة، وبعيداً عن أيّ عاقبة. كان العربيّ يتألّم ويشاهد ولا يملك سوى أن يتألّم أكثر، بينما تعود تلك الكيانات إلى أبراجها كأنّ شيئاً لم يكن.
ولهذا فإنّ ما نسمعه اليوم في الشوارع الرقمية العربية لا يتعلّق بإيران وحدها. هو شيء أعمق يتحرّك. شعور غامض بأن «يوم الحساب» قد جاء. إن النّار التي طالما أُشعلت في بيوت الآخرين باتت تقترب من بيوت مَن أشعلها. ولأوّل مرّة في تاريخ هذه الكيانات، لم تعد الجغرافيا ولا المظلّة الأجنبية قادرتين على ضمان الحصانة. هذا الشعور، أي شعور أنّ العدالة المؤجّلة بدأت تطرق الباب، هو ما يمنح هذا الغضب حرارته الاستثنائية.
لكن هنا بالذات يجب أن نتوقّف، لأن الاكتفاء بلحظة «التشفّي التاريخي»، على ما فيها من مشروعية عاطفية، يعيدنا إلى المربّع ذاته. الغضب مشروع، لكنه حين لا يجد أمامه سوى الشتيمة يستنفد نفسه في اللحظة ولا يُنتِج وعياً. حين يُختزل التواطؤ الخليجي في صورة كيان ومسؤول وحاكم تُلصَق به ألقابٌ من هنا ونعوتٌ من هناك، ثم ينتهي الأمر، كأننا نظنّ أن المشكلة في سياساتٍ مُعيّنة أو أخلاقِ رجلٍ أو جشعِ أمير، لا في بنيةٍ كاملة أُسِّست لتفعل بالضبط ما تفعله اليوم.
ولأكون واضحاً منذ البداية: ليس الهدف هنا الدفاع عن أحد. إنّ مَن يُسهِّل حرباً على شعوبنا وشعوب المنطقة لا يستحق دفاعاً. لكنّ الهدف أن نفهم لماذا يتكرّر هذا المشهد، ولماذا كلما اشتعلت أزمة في الوطن العربي والمنطقة وجدنا الكيانات الخليجية وأجهزتها ومؤسساتها ونخبها في الخندق ذاته؟ هل هي صدفة؟ هل هي مجرّد خيارات خاطئة يمكن تصحيحها؟ أم أنّ في الأمر ما هو أعمق؟
ماهية الهوية الخليجية
فلنعد قليلاً إلى البدايات. حين نتحدّث عن الكيانات الخليجية، فنحن لا نتحدّث عن دول نشأت من حراك شعبي أو ثورة تحرّر أو مشروع وطني جامع. نتحدّث عن كيانات رسمها المستعمر على خرائطه بما يخدم مصالحه، ثم سلّم مفاتيحها إلى عائلات بعينها ضمن ترتيبات واضحة: «أنتم تحكمون، ونحن نحمي، والنفط يتدفّق في الاتجاه الصحيح». من «الساحل المتصالح» إلى المعاهدات مع مشيخات الخليج في القرن التاسع عشر وصولاً إلى ترتيبات ما بعد اكتشاف النفط، كان الخطّ واحداً. هذه ليست دولاً بالمعنى الذي نفهمه حين نقول «دولة»، هي كيانات ووحدات وظيفية أُنشئت لتؤدّي أدواراً مُحدّدة في خدمة المركز الاستعماري.
تغيّر الراعي من بريطانيا إلى الولايات المتحدة، لكنّ الوظيفة بقيت هي ذاتها. هذا ليس كلاماً أيديولوجياً صرفاً كما يحب البعض أن يردّد. هذا تاريخ. وبالعودة إلى التاريخ، لم يكن هناك شيء اسمه «خليجيون»، وهذا الادّعاء بوجود خصوصية ما لسكّان هذه البقعة الجغرافية، التي نعرفها باسم «شبه الجزيرة العربية»، مع استبعاد اليمن منها، هو ادّعاء بلا سند ثقافي أو تاريخي، فلا ثقافة خاصة أو تاريخ خاصاً يجمع بين شعوب هذه الدول، وحتى الروابط العشائرية والعائلية بينها هي إمّا محصورة في إطار مناطقي محدّد لا يشمل كل مناطق السعودية مثلاً كالحجاز وعسير، أو هي شاملة لامتدادات موجودة في الهلال الخصيب، مثل بعض القبائل الممتدّة بين الجزيرة العربية والعراق والشام.
حين نضع هذه الركائز الثلاث بجانب بعض ـــــ أي نشأة استعمارية وبنية قبائلية ولائية مغانمية وارتباط عضوي بالمركز الرأسمالي ـــــ يصبح ما نشهده اليوم ليس مفاجأة، بل نتيجة حتمية، وأكثر من طبيعية
ما الذي يجمع بين «الخليجيين» لتكون لهم هوية خاصّة؟ هل هو الإطلالة المائية؟ الإيرانيون والعراقيون يطلّون على ذات الخليج، فلماذا لا يكونون جزءاً من هذه الهوية؟ حتى مسمى «الخليج العربي» كبديل منتشر في التداول العربي العام عن «الخليج الفارسي» كان مدفوعاً من مصر عبد الناصر ابتداءً لا من هذه الدول. هل لديهم لغة خاصّة تختلف عن بقيّة العرب؟ هل هو احتفال «القرقيعان» الرمضاني الذي يجعلهم متمايزين عن العرب؟
إنّ أقرب ما يمكن أن نفهم به الهوية والخصوصية الخليجيتين هو طبيعة النظام السياسي وعلاقته بالمحكومين، فالخاضعون لحكم المشيخات في هذه البقعة الجغرافية المنتسبة إلى مظلّة أمنيّة أميركية تُدعى «مجلس التعاون الخليجي» يتشاركون في الحصول على امتيازات اقتصادية ناتجة من الحماية الأميركية لحقول النفط ومصافيه، وهو الشيء الوحيد الذي يمكن أن نفهمه من الحديث عن هوية خليجية و«خليجيين».
ليسوا ضحايا
إنّ فهم الارتباط العضوي بين الهوية الخليجية والحماية الأميركية لمشيخاتها يعين على فهم طبيعة التواطؤ لهذه الكيانات، ولذلك فإنّ السؤال الذي يجب أن يُطرح ليس «لماذا تتواطأ هذه الكيانات؟» بل «هل كان ممكناً أصلاً ألّا تتواطأ، وهي التي وُلدت من رحم هذا التواطؤ؟». تنتشر دعاوى المظلومية عند شريحة واسعة ممّن يسمّون أنفسهم مثقّفين أو ناشطين خليجيين، حيث تبدو عليهم المفاجأة من عدم تعاطف قسم من العرب معهم في مواجهة «العدوان» المفروض عليهم من إيران.
لا بد لهذا القسم من العرب أن يذكّرهم بأنهم ليسوا ضحايا اعتداء، بل إنهم هم المعتدون، ليس في هذه الحرب فقط، بل وفي محطات تاريخية عديدة. لا داعيَ للتفصيل في طبيعة التعاون والخدمات المُقدّمة للعدوان الأميركي على إيران، لكن يكفي القول إنّ أحداً من هؤلاء لا يكلّف نفسه عناء التساؤل عن ضرر وجود قواعد أميركية بهذا الحجم، أو تنسيق الرادارات فيها مع الكيان الصهيوني، أو كيف تتواجد قوات أميركية في مطارات وموانئ مدنيّة، وكيف تنتقل ببساطة من قاعدة عسكرية إلى السكن في فنادق وسط المدن.
هؤلاء يتعاطون مع العدوان الأميركي كمعطى طبيعي لا داعيَ لمناقشته، كما هو الحال مع مَن يحيلون كل نقاش عن عدوانية الاحتلال الإسرائيلي إلى جدل حول أحقّية المقاومة وسلاحها. المطلوب أن نترك «الفيل في الغرفة» لنناقش ردّة فعل إيران على عدوان يستهدف وجودها كدولة ونظام سياسي. النخب النفطية المتكلّسة معرفياً (ومن الجيّد العودة إلى المفردات «الخشبية» المتعلّقة بتأثيرات النفط الشوهاء) غير قادرة على إنتاج مُحاجَّة ذات قيمة، وتبدأ بالصراخ ضد العرب ناكري الجميل، في الوقت الذي يتم الهروب فيه من سؤال: ماذا فعلتم بالعرب؟ لكن ما يجب نقاشه هنا هو شكل دولهم وطبيعة ارتهانها التي تجعل التواطؤ ثم كل ما ينتج منه أمراً لا يمكن اجتنابه.
حين تُبنى «دولة» على هذا الأساس، فإنّ ما ينشأ في داخلها لا يكون مجتمعاً سياسياً بالمعنى الحديث، وإنما شبكة ولاءات قبائلية يحكمها منطق بسيط وهو الولاء مقابل المغانم. المواطنة في هذه الكيانات لا تعرف شيئاً عن الانتماء الوطني بقدر ما تعيش امتيازاً اقتصادياً. أنت مواطن لا لأنك شريك في مشروع، لأنك تنتمي إلى القبيلة الصحيحة في الوقت الصحيح لترسيم الحدود أو، على الأقل، تقبل قواعد اللعبة: أن تسكت وتحصل على نصيبك.
في هذه المعادلة، لا مكان لشيء اسمه «قضية». العروبة هنا ليست مكوّناً في هذا العقد. ليست هناك فلسطين في منظومة الولاء والمغانم، وليست هناك أمّة عربية في الحسابات. العلاقة بين الحاكم والمحكوم لا تمرّ عبر قضية مشتركة أو مشروع جامع، بل عبر توزيع الثروة. ولهذا حين يُطلب من هذه الكيانات أن «تقف مع أمّتها»، فإنّ الطلب لا يصطدم بإرادة سيئة فحسب، وإنما بغياب البنية التي تجعل هذا الطلب ذا معنى أصلاً، إنْ لم يهدِّدْها وجودياً!
ولعل ما يُحكِم هذه الحلقة ويُغلِقها هو النفط. لكن ليس بوصفه ثروة؛ فالثروة في ذاتها ليست لعنة كما في النروِج، وإنما بوصفه آليةً للحكم؛ وذلك ما لا نجده في النروِج أيضاً. في الدولة الخليجية-الريعية، لا يحتاج الحاكم إلى شرعية شعبية، ولا ضرائب، وبالتالي لا يحتاج إلى تمثيلٍ سياسي. لا يحتاج إلى إقناع الناس بمشروع؛ يكفي أن يمنحهم من فتات الريع ما يُبقيهم هادئين. والنتيجة أن بقاء النظام لا يرتبط برضى شعبه، بل بحماية القوة الخارجية التي تضمن له استمرار تدفّق النفط واستمرار تدفّق الحماية. الولايات المتحدة تحمي النظام، والنظام يحمي مصالح الولايات المتحدة.
والشعب؟ يُغرق في الاستهلاك واللذة ويُقصى عن السياسة. هكذا تصبح الصناديق السيادية الخليجية مستثمِرةً في قلب الاقتصادات الغربية. وهكذا تصبح القواعد العسكرية الأجنبية جزءاً طبيعياً من الجغرافيا. وهكذا يصبح أي تهديدٍ للولايات المتحدة أو لإسرائيل تهديداً وجودياً لها وللمعادلة ذاتها، لأنها لا تملك شرعية أخرى تتّكئ عليها إن سُحبت المظلّة.
نتائج التشكّل المُشوّه
حين نضع هذه الركائز الثلاث بجانب بعضها ـــــ أي نشأة استعمارية وبنية قبائلية ولائية مغانمية وارتباط عضوي بالمركز الرأسمالي ـــــ يصبح ما نشهده اليوم ليس مفاجأة، بل نتيجة حتمية، وأكثر من طبيعية. التواطؤ في الأمس واليوم ليس حدثاً معزولاً، نحن أمام حلقة في سلسلة طويلة تمتد من رسم الحدود بيد المستعمر، إلى التآمر ضد المشروع العربي في مصر الخمسينيات والستينيات، وعندما قام ما يناهض المعادلة في سبعينيات الجمهورية الإسلامية، تمّ توريط العراق في حرب الثماني سنوات، ومن ثم حصاره، وابتزازه في «النفط مقابل الغذاء»، وحتى تسهيل غزوه، إلى الالتفاف على الربيع العربي، واحتوائه وتدميره بالمحافظة على المعادلة في مصر والمغرب العربي، واستنساخِها في سوريا، وحرب على المشروع في اليمن، وصولاً إلى الأهازيج الإبراهيمية مع الكيان الصهيوني، إلى ما نراه اليوم وما سنراه غداً.
* كاتب عربي من السعودية
