ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

لماذا ستفشل الحرب الأميركية الإسرائيلية؟

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
كريم حداد
كريم حداد
الأربعاء 18 آذار 2026
الخط


أحد المفاتيح الفكرية لفهم هذه الحروب يكمن في المقاربة التي قدّمها المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد في كتابه «الاستشراق». عندما شرح أن غالبية سياسات الغرب تجاه الشرق الأوسط لا تنطلق فقط من حسابات القوة العسكرية أو المصالح الاستراتيجية، بل أيضاً من تصورات ثقافية متجذرة، وهي ترى المنطقة من خلال عدسة اختزالية تجعلها قابلة للإخضاع السريع وإعادة التشكيل وفق إرادة خارجية. وهو نمط قاد مراراً إلى أخطاء استراتيجية جسيمة.

وهذه الرؤية النقدية لا تقتصر على سعيد وحده، بل تلتقي مع تقاليد فكرية واسعة رفضت الاستعمار والهيمنة الخارجية. فقد أظهر المفكر المارتينيكي آيميه سيزير في كتابه الشهير خطاب عن النزعة الاستعمارية أن الاستعمار لم يكن مشروعاً حضارياً كما ادعى أصحابه، بل منظومة عنف وإخضاع تقوم على نزع الإنسانية عن الشعوب الخاضعة له. كما ذهب الطبيب والمناضل فرانتز فانون في كتابه «معذبو الأرض» إلى أن الشعوب الواقعة تحت السيطرة الخارجية تطور مع الزمن أشكالاً متعددة من المقاومة السياسية والثقافية، لأن السيطرة المفروضة بالقوة لا تستطيع القضاء على إرادة التحرر. أما المفكر الكيني نغوغو وا ثيونغو، فقد ركّز في كتابه نزع الاستعمار من العقل على أن الهيمنة لا تعمل فقط عبر القوة العسكرية، بل أيضاً عبر السيطرة على اللغة والمعرفة، وأن التحرر الحقيقي يبدأ بتفكيك هذه البنى الفكرية التي تبرر السيطرة الخارجية.

وعندما توضع هذه الأفكار جنباً إلى جنب، يتضح أن الحروب التي تُخطط انطلاقاً من تصور استعلائي عن الشعوب الأخرى لا تصطدم فقط بعوامل عسكرية أو سياسية، بل أيضاً بحدود فكرية وأخلاقية عميقة. فالمجتمعات التي تُختزل في الخطاب الاستعماري إلى «مسارح للفوضى» هي في الواقع كيانات تاريخية معقدة تمتلك قدرة كبيرة على الصمود وإعادة تنظيم نفسها. ولهذا السبب كثيراً ما تتحول الضغوط الخارجية إلى عامل تعبئة يعزز الوعي الجماعي بالاستقلال والكرامة، وهو ما يجعل مشاريع الهيمنة قصيرة الأمد عاجزة عن تحقيق أهدافها على المدى الطويل.

إذ في كل مرحلة من التاريخ الحديث تظهر قناعة لدى بعض صانعي القرار في القوى الكبرى بأن التفوق العسكري والتكنولوجي كفيل بحسم الحروب بسرعة. هذه القناعة تبدو في ظاهرها منطقية إذا ما قيست بميزان القوة المادية: جيوش متطورة، ميزانيات عسكرية ضخمة، تفوق في الطيران والتقنيات الاستخبارية، وتحالفات دولية واسعة. غير أن التاريخ المعاصر يكشف مفارقة متكررة: كثيراً ما تنتهي الحروب التي تُخاض بهذه الثقة العالية بنتائج لا تحقق أهدافها السياسية.

فالقدرة على خوض الحرب ليست هي نفسها القدرة على كسبها.
هذا الدرس تكرر مراراً خلال العقود الماضية، من الحرب التي خاضتها الولايات المتحدة في جنوب شرق آسيا إلى الحرب الطويلة في آسيا الوسطى. وفي كل مرة يظهر أن التفوق العسكري لا يكفي وحده لفرض واقع سياسي جديد على مجتمعات تمتلك تاريخاً معقداً وقدرة على التكيف مع الضغوط الخارجية. واليوم يبدو أن بعض السياسات الغربية في الشرق الأوسط تسير في المسار ذاته، حيث يجري التعامل مع المنطقة مرة أخرى باعتبارها مسرحاً يمكن إعادة تشكيله بالقوة العسكرية.

إن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو: لماذا تبدو الحروب التي تُشن على قوى المقاومة في إيران ولبنان وسائر المنطقة محكومة بحدود واضحة تمنع تحقيق أهدافها الاستراتيجية؟ الجواب لا يتعلق بعامل واحد، بل بمجموعة مترابطة من العوامل العسكرية والسياسية والاقتصادية والفكرية التي تجعل مثل هذه الحروب أكثر تعقيداً مما يتصوره المخططون لها.

أولاً: حدود القوة العسكرية

أول العوامل يتعلق بطبيعة الحرب نفسها. فالحروب المعاصرة في الشرق الأوسط لم تعد حروباً تقليدية بين جيوش نظامية متقابلة فحسب، بل أصبحت حروباً مركبة تجمع بين العمل العسكري التقليدي والقدرات غير المتكافئة. في مثل هذه البيئات يفقد التفوق العسكري المطلق جزءاً كبيراً من فعاليته، لأن الخصم لا يقاتل بالطريقة التي يتوقعها الطرف الأقوى.

لقد أظهرت التجارب الحديثة أن القوى المحلية تستطيع تطوير استراتيجيات دفاعية وهجومية تستند إلى المرونة والتكيف مع البيئة الجغرافية والاجتماعية. فالحرب لم تعد مجرد مواجهة في ساحة مفتوحة، بل شبكة معقدة من العمليات العسكرية واللوجستية والنفسية. وفي هذا السياق يصبح امتلاك الإرادة السياسية والقدرة على الصمود عاملاً لا يقل أهمية عن امتلاك السلاح المتطور.
كما إن التطور التكنولوجي نفسه لم يعد حكراً على قوة واحدة. فالتقنيات العسكرية التي كانت في الماضي حكراً على الجيوش الكبرى أصبحت متاحة بدرجات مختلفة لعدد متزايد من الأطراف. وهذا يعني أن الفجوة في القدرات العسكرية، رغم استمرارها، لم تعد كافية وحدها لحسم الصراع.

كثيراً ما تنتهي الحروب التي تبدأ بثقة كبيرة بواقع مختلف تماماً عما خُطط له، فالمجتمعات التي تُعتبر ضعيفة أو قابلة للإخضاع تظهر في لحظات الأزمات قدرة كبيرة على الصمود

ثانياً: تعقيد البيئة الجغرافية والاستراتيجية

العامل الثاني يرتبط بطبيعة المنطقة نفسها. فالشرق الأوسط يتميز بتركيبة جغرافية وسياسية تجعل أي حرب واسعة النطاق محفوفة بالمخاطر. فالدول والمجتمعات في المنطقة مترابطة بطرق معقدة، والصراعات المحلية غالباً ما تتقاطع مع مصالح إقليمية ودولية متعددة.

في مثل هذا السياق قد يؤدي أي تصعيد عسكري إلى توسيع دائرة الصراع بدلاً من احتوائه. فالحرب التي تبدأ في منطقة محددة يمكن أن تمتد بسرعة إلى مسارح أخرى، سواء عبر التحالفات الإقليمية أو عبر ردود الفعل الشعبية والسياسية. وهذا ما يجعل التخطيط لحرب قصيرة وحاسمة أمراً بالغ الصعوبة.
إضافة إلى ذلك، فإن البنية الاجتماعية والسياسية للمنطقة لا تسمح دائماً بفصل الصراع العسكري عن السياق المجتمعي الأوسع. فحين تتعرض المجتمعات لضغط خارجي كبير، كثيراً ما يتحول هذا الضغط إلى عامل تعبئة داخلية يعزز تماسك القوى التي يُفترض إضعافها.

ثالثاً: العامل السياسي

الحروب لا تُقاس بنتائجها العسكرية فقط، بل بنتائجها السياسية. فقد تستطيع قوة ما تحقيق انتصارات عسكرية واضحة، لكنها تعجز عن تحويل هذه الانتصارات إلى نظام سياسي مستقر يخدم أهدافها. وهذا ما حدث في عدد من الحروب الكبرى خلال العقود الماضية.
فالسيطرة العسكرية المؤقتة لا تعني بالضرورة القدرة على إعادة تشكيل البنية السياسية لمجتمع كامل. إذ تحتاج مثل هذه العمليات إلى قبول اجتماعي واسع وإلى شرعية سياسية يصعب فرضها بالقوة الخارجية. وإذا لم تتحقق هذه الشروط، تتحول الحرب إلى صراع طويل يستنزف الطرف الأقوى دون أن يحقق أهدافه النهائية.

في الشرق الأوسط يظهر هذا التحدي بوضوح، لأن المجتمعات في المنطقة تمتلك حساسية عالية تجاه التدخلات الخارجية نتيجة لتاريخ طويل من التجارب الاستعمارية والصراعات الإقليمية. وهذا التاريخ يجعل أي مشروع لإعادة تشكيل المنطقة بالقوة عرضة لمقاومة سياسية واجتماعية واسعة.

رابعاً: التكلفة الاقتصادية

العامل الاقتصادي يمثل بعداً آخر لا يقل أهمية. فالحروب الحديثة باهظة التكاليف، ليس فقط من حيث الإنفاق العسكري المباشر، بل أيضاً من حيث آثارها على الاقتصاد العالمي وعلى الاستقرار المالي للدول المشاركة فيها.
وقد أظهرت تجارب سابقة أن الحروب الطويلة يمكن أن تتحول إلى عبء اقتصادي كبير حتى على القوى الكبرى. فكلما طال أمد الصراع ارتفعت تكاليفه المالية والبشرية، وازدادت الضغوط الداخلية على الحكومات التي تخوضه. وفي كثير من الأحيان يصبح السؤال داخل تلك الدول ليس كيف تنتصر في الحرب، بل كيف تنهيها.

في حالة الشرق الأوسط يزداد هذا العامل تعقيداً بسبب أهمية المنطقة للاقتصاد العالمي، سواء من حيث موارد الطاقة أو من حيث موقعها الجغرافي في شبكة التجارة الدولية. أي حرب واسعة النطاق يمكن أن تؤدي إلى اضطرابات اقتصادية تتجاوز حدود المنطقة نفسها.

خامساً: التحولات في النظام الدولي

العالم اليوم لم يعد كما كان خلال العقود الأولى بعد الحرب العالمية الثانية. فالنظام الدولي أصبح أكثر تعددية، وتراجعت القدرة المطلقة لأي قوة على فرض إرادتها دون أخذ مواقف القوى الأخرى في الاعتبار.
هذا التحول لا يعني بالضرورة نشوء توازن كامل بين القوى الكبرى، لكنه يعني أن القرارات العسكرية الكبرى أصبحت مرتبطة بحسابات دولية أكثر تعقيداً. فكل حرب كبيرة في منطقة حساسة قد تؤثر في علاقات القوى العالمية وتفتح الباب أمام تفاعلات غير متوقعة.

سادساً: البعد الفكري والاستراتيجي

إلى جانب العوامل العسكرية والسياسية والاقتصادية، هناك بعد فكري لا يقل أهمية. فبعض السياسات الخارجية ما تزال تتأثر بتصورات قديمة عن الشرق الأوسط، تصور المنطقة باعتبارها فضاءً يمكن إعادة ترتيبه بسهولة إذا ما توافرت القوة العسكرية الكافية.
غير أن هذا التصور يتجاهل حقيقة أن المجتمعات ليست كيانات جامدة يمكن تغييرها بقرارات خارجية. فهي نظم اجتماعية معقدة تتفاعل مع الضغوط بطرق يصعب التنبؤ بها. وكلما اعتمدت الاستراتيجيات على صور مبسطة عن الواقع، زادت احتمالات الخطأ في تقدير النتائج.

سابعاً: تكرار أخطاء الماضي

إذا نظرنا إلى تجارب الحروب الكبرى في النصف الثاني من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، سنجد نمطاً متكرراً. ففي كل مرة تدخل قوة عظمى حرباً وهي مقتنعة بأن التفوق العسكري سيحسمها بسرعة، ثم تكتشف تدريجياً أن الواقع أكثر تعقيداً مما توقعته.
لقد حدث ذلك في جنوب شرق آسيا حين تحولت الحرب إلى صراع طويل أنهك القوة التي خاضتها. وتكرر الأمر لاحقاً في آسيا الوسطى حين امتدت الحرب سنوات طويلة دون أن تحقق الاستقرار السياسي الذي كان الهدف المعلن لها. وفي كل مرة يظهر أن الخطأ لم يكن في القدرة العسكرية، بل في تقدير طبيعة الصراع نفسه.

إن الحروب التي تُبنى على افتراضات مبسطة حول المجتمعات الأخرى غالباً ما تنتهي إلى نتائج غير متوقعة. فالقوة العسكرية تستطيع تدمير البنية التحتية وإحداث تغييرات ميدانية سريعة، لكنها لا تستطيع وحدها إعادة تشكيل التاريخ السياسي والاجتماعي لشعوب كاملة.

خاتمة

إن تحليل العوامل العسكرية والسياسية والاقتصادية والفكرية مجتمعة يكشف أن الحروب في الشرق الأوسط لا يمكن فهمها بمنطق القوة العسكرية وحدها. فالتفوق في السلاح والتكنولوجيا لا يضمن تحقيق الأهداف الاستراتيجية إذا كان الواقع السياسي والاجتماعي أكثر تعقيداً من التصورات التي بُنيت عليها الحرب.

ولهذا السبب كثيراً ما تنتهي الحروب التي تبدأ بثقة كبيرة بواقع مختلف تماماً عما خُطط له. فالمجتمعات التي تُعتبر ضعيفة أو قابلة للإخضاع تظهر في لحظات الأزمات قدرة كبيرة على الصمود وإعادة التنظيم. ومع مرور الوقت يصبح الصراع اختباراً لإرادة الطرفين بقدر ما هو اختبار لقوتهما العسكرية.

إن الدرس الذي يتكرر في تجارب الحروب الحديثة هو أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع وحدها فرض حلول سياسية دائمة. فالتاريخ لا يُكتب بالسلاح وحده، بل بتفاعل معقد بين القوة والشرعية والواقع الاجتماعي. وكلما تجاهلت الاستراتيجيات هذا التعقيد، زادت احتمالات أن تعيد أخطاء الماضي بدلاً من أن تتعلم منها.

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك