ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

من يقرّر الحرب في الشرق الأوسط؟

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
كريم حداد
كريم حداد
الخميس 19 آذار 2026
الخط


في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتكثّف محاولات تفسير الحرب الجارية في الشرق الأوسط عبر سرديات متعارضة، غير أن أخطر هذه السرديات وأكثرها تضليلاً هي تلك التي تحمّل المقاومة في لبنان مسؤولية اندلاع الحرب. هذه الرواية، التي تتكرّر في بعض الأوساط السياسية والإعلامية اللبنانية والعربية، لا تصمد أمام تفكيك جدّي يستند إلى معطيات استراتيجية وتصريحات صادرة من داخل بنية القرار الدولي نفسها.

إن تصريح المسؤول السعودي السابق، الأمير تركي الفيصل بأن إسرائيل أشعلت الحرب بهدف إعادة تشكيل المنطقة، يتقاطع بشكل لافت مع ما ورد في كتاب الاستقالة الذي نشره مدير مركز مكافحة الإرهاب جوزف كنت، وهو قال بشكل صريح إن الحرب على إيران لم تكن نتيجة تهديد وشيك، بل نتيجة ضغط إسرائيل واللوبيات الخاصة بها داخل الولايات المتحدة.

هذا التلاقي بين مصدرين مختلفين، أحدهما من داخل النخبة العربية الرسمية، والآخر من داخل المؤسسة الأمنية الأميركية، يضعنا أمام حقيقة مركزية: قرار الحرب ليس وليد فعل المقاومة، بل جزء من استراتيجية أوسع تقودها إسرائيل ضمن شبكة تحالفات دولية.
إن أول ما ينبغي تفكيكه في الدعاية التي تلوم المقاومة هو الخلط بين «السبب» و«الذريعة». فحتى لو وقع حدث ميداني، أو تصعيد محدود، فإن تحويله إلى حرب شاملة ليس قراراً تكتيكياً بل هو استراتيجي. الدول، خصوصاً إسرائيل، لا تدخل في حروب كبرى كردّ فعل آنيّ، بل بناءً على حسابات تتعلق بتوازن القوى، والتوقيت السياسي، وإمكانية تحقيق مكاسب بعيدة المدى. وبالتالي، فإن تصوير الحرب على أنها نتيجة «تصرف المقاومة» هو تبسيط مخلّ، يتجاهل من يمتلك فعلاً القدرة على توسيع الصراع وتحويله إلى حرب إقليمية.

بل إن ما يكشفه نص الاستقالة ما هو أبعد من ذلك: ليس فقط أن إسرائيل تستغل الذرائع، بل إنها، بحسب هذا الطرح، تضغط فعلياً لدفع الولايات المتحدة نحو الحرب، مستخدمة أدوات إعلامية وسياسية لصناعة «إحساس بالتهديد» غير قائم. هنا، لا تعود الحرب مجرّد ردّ فعل، بل تصبح مشروعاً مُداراً، تُصنع له مبرّراته مُسبقاً، ثم يُنفّذ عندما تنضج ظروفه.

إن تحميل المقاومة المسؤولية في هذا السياق يشبه اتهام الضحية بأنها «استفزّت» المعتدي. وهو منطق خطير لأنه يقلب العلاقة بين الفعل وردّ الفعل: فبدل أن تكون الحرب نتيجة إرادة الهيمنة، تصبح، في الخطاب الدعائي، نتيجة وجود قوة ترفض هذه الهيمنة. وهكذا يتم تجريد المقاومة من بعدها الدفاعي، وتصويرها كعامل اضطراب، لا كاستجابة لبنية عدوانية قائمة.

كما أن هذا الخطاب يتجاهل التاريخ القريب والبعيد للصراع في المنطقة. فهل كانت المقاومة في لبنان هي سبب حرب 1982؟ وهل كانت هي سبب الاعتداءات المتكررة على غزّة، أو سبب حرب 1967 أو 1956؟
الواقع أن نمط الحروب الإسرائيلية يكشف عن منطق ثابت: المبادرة بالحرب عندما تتوفر فرصة لإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية. الذرائع تتغيّر، لكن الهدف يبقى نفسه: تكريس التفوّق، ومنع نشوء أي قوة قادرة على تحدّيه.

الدعاية التي تلوم المقاومة تؤدّي عملياً وظيفة سياسية داخلية واضحة في لبنان. فهي تبرّر هروب الدولة والقوى السياسية من الجواب حول الإجابة عن أسئلة مركزية: لماذا لبنان مكشوف أمام الاعتداءات؟ ولماذا فشلت الدولة في بناء قدرة ردع مستقلة؟ ولماذا يُطلب من لبنان أن يكون «محايداً» في بيئة إقليمية لا تعترف أصلاً بحياد الضعفاء؟

بدل الإجابة على هذه الأسئلة، يتم اختزال المشكلة في وجود المقاومة، وكأن إزالتها ستؤدّي تلقائياً إلى السلام. غير أن التجربة تثبت العكس. فالفترات التي ضعف فيها لبنان أو غابت فيها عناصر الردع لم تشهد سلاماً، بل شهدت اجتياحات واحتلالات. ما يعني أن المشكلة ليست في «وجود المقاومة»، بل في طبيعة المشروع الذي يواجه لبنان والمنطقة، والذي لا يتوقف عند حدود معينة إذا لم يُردع.

نص استقالة المسؤول الأميركي يلفت إلى نقطة شديدة الأهمية: استخدام الإعلام والتضليل لصناعة بيئة نفسية تدفع نحو الحرب. الحديث عن «حملة تضليل» قادها مسؤولون إسرائيليون وإعلام مؤثّر داخل الولايات المتحدة يوضح كيف يتم بناء السردية التي تبرّر الحرب قبل وقوعها. وهذا يعيدنا إلى تجارب سابقة، أبرزها حرب العراق، حيث تمّ تضخيم تهديدات غير موجودة لتبرير الغزو.
في هذا الإطار، يصبح تحميل المقاومة المسؤولية جزءاً من هذه المنظومة الدعائية. فهو يُسهِم في خلق انقسام داخلي في الدول المُستهدفة، ويُضعِف الجبهة الداخلية، ويحوّل النقاش من مواجهة العدوان إلى صراع داخلي حول «من أخطأ». وهكذا تتحقق لإسرائيل مكاسب مزدوجة: تبرير الحرب من جهة، وإضعاف خصومها من الداخل من جهة أخرى.

يكشف تجاهل مسألة التناسب في استخدام القوة عن خلل في هذه السردية. فحتى في حالات التصعيد المحدود، فإن الرد الإسرائيلي غالباً ما يكون واسعاً ومدمّراً، يستهدف البنية التحتية والمدنيين بشكل ممنهج. هذا النمط لا يمكن تفسيره كـ«رد فعل»، بل كجزء من عقيدة عسكرية تهدف إلى فرض معادلات سياسية عبر القوة المُفرطة. وبالتالي، فإن التركيز على «الشرارة الأولى» يتجاهل من يقرر حجم الحريق واتجاهه.

ببساطة، ما يجري اليوم لا يمكن فصله عن التحوّلات الدولية الكبرى. فالحرب في الشرق الأوسط تتقاطع مع صراعات أوسع على النفوذ والطاقة والممرات الاستراتيجية. وفي هذا السياق، تصبح إسرائيل أداة فاعلة ضمن شبكة أوسع من المصالح، لكنها في الوقت نفسه تمتلك هامشاً كبيراً للتأثير في القرار الغربي، كما يشير نص الاستقالة. وهذا يعزز الفكرة بأن الحرب ليست نتيجة فعل محلي، بل هي جزء من إعادة ترتيب أوسع للنظام الإقليمي.

يقودنا ما سبق إلى التأكيد على أن تحميل المقاومة في لبنان مسؤولية الحرب ليس فقط تبسيطاً مخلاً، بل هو أيضاً إعادة إنتاج لرواية تخدم مشروع الهيمنة نفسه. فهو ينقل النقاش من سؤال: «من قرّر الحرب ولماذا؟» إلى سؤال: «من استفزّ من؟»، وهو تحوّل جوهري في زاوية النظر، يؤدي في النهاية إلى تبرئة الفاعل الأساسي وتحميل المسؤولية للطرف الذي يقاوم، علماً أن النقاش الحقيقي في لبنان لا يجب أن يدور حول إدانة المقاومة أو تبرئتها بشكل شعاري، بل حول فهم طبيعة الصراع، وتحديد موقع لبنان فيه، وبناء استراتيجية وطنية تجمع بين القدرة على الردع والوحدة الداخلية. أمّا الاستمرار في تبنّي سرديات دعائية تلقي اللوم على طرف داخلي، فهو لا يؤدي إلّا إلى تعميق الانقسام، في لحظة يحتاج فيها البلد إلى أقصى درجات التماسك.

الحرب في المنطقة، كما تكشفها تصريحات وتحليلات من داخل النظام الدولي نفسه، ليست نتيجة «خطأ» من المقاومة، بل نتيجة إرادة استراتيجية تسعى إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط. وبينما يُراد للبنان أن ينشغل في سجالات داخلية حول المسؤوليات، يبقى التحدّي الحقيقي هو إدراك من يملك قرار الحرب فعلياً، ومن يستخدمها أداة لإعادة رسم الخرائط.

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك