لاريجاني بين الحكمة المتعالية والعقل النقدي

لا يمكن فهم شخصية علي لاريجاني بوصفه قائداً وسياسياً من دون التوقّف عند جذوره الفلسفية العميقة في التراث الإسلامي، ذلك التراث الذي لم يكن بالنسبة إليه مجرد مرجعية ثقافية أو هوية حضارية، بل كان بنية فكرية حية شكّلت نظرته إلى العالم، وإلى المعرفة، وإلى الإنسان. فقد تشكّل وعيه الفلسفي ضمن أفق الحكمة الإسلامية كما بلورها أعلام كبار في العصر الحديث، وفي مقدّمتهم السيد محمد حسين الطباطبائي، والشيخ مرتضى مطهري، والإمام روح الله الخميني، بوصفهم امتداداً حياً لإرث فلسفي أعمق يعود إلى الملا صدرا وابن عربي، حيث تتقاطع الفلسفة مع العرفان، ويتداخل العقل مع الكشف، وتتأسّس المعرفة على وحدة الوجود وتعدّد مراتبه.
في هذا السياق، لم يكن لاريجاني مجرد متلقٍّ لهذا التراث، بل كان قارئاً واعياً له، مدركاً أن الحكمة المتعالية التي أسّسها الملا صدرا تقوم على تجاوز الثنائية التقليدية بين العقل والنقل، وبين الفلسفة والدين، عبر تصوّر ديناميكي للوجود يقوم على الحركة الجوهرية، وعلى تدرّج الكينونة، وعلى اعتبار الوجود حقيقة واحدة مشكّكة تتجلّى في مراتب متعدّدة. هذا التصوّر لا يكتفي بتقديم ميتافيزيقا للوجود، بل يؤسّس أيضاً لفهم خاص للإنسان، بوصفه كائناً في صيرورة، يتحقّق عبر المعرفة والعمل، ويتكامل عبر الارتقاء في مراتب الوجود.
وقد وجد لاريجاني في أعمال الطباطبائي، ولا سيما تفسيره «الميزان»، نموذجاً لهذا التكامل بين العقل والنص، حيث لا يُفهم الوحي بمعزل عن العقل، ولا يُختزل العقل في حدود التجربة، بل يتكاملان في أفق معرفي واحد. فالطباطبائي، في قراءته للفلسفة، لم يكن يسعى إلى إعادة إنتاج التراث، بل إلى تفعيله في مواجهة تحدّيات الحداثة، وهو ما انعكس على جيل كامل من المفكرين، من بينهم مطهري، الذي حاول أن يقدّم الفلسفة الإسلامية بوصفها مشروعاً حياً قادراً على مخاطبة العصر، لا مجرد بقايا من الماضي.
أمّا الإمام الخميني، فقد أضاف إلى هذا التراث بعداً آخر، يتمثّل في الربط بين الفلسفة والعرفان والسياسة. ففي تجربته، لم تعد الفلسفة نشاطاً تأمّلياً منفصلاً عن الواقع، بل تحوّلت إلى قوة فاعلة في التاريخ، تُترجم في الفعل السياسي، وفي بناء الدولة، وفي إعادة تشكيل المجتمع. وهنا، يتجلّى البعد العملي للفلسفة الإسلامية، حيث لا يبقى التفكير في الوجود شأناً نظرياً، بل يصبح أساساً لفهم المسؤولية التاريخية للإنسان.
في هذا الإطار، يمكن القول إن لاريجاني قد تشكّل ضمن هذا الأفق المُركّب، حيث تتداخل الحكمة المتعالية مع العرفان النظري، وحيث يُفهم العقل لا بوصفه أداة تحليلية فحسب، بل بوصفه قدرة على إدراك مراتب الوجود، وعلى التمييز بين الظاهر والباطن، بين الحس والعقل، بين العلم والحضور. وهذا ما يمنحه عمقاً فلسفياً يتجاوز التصورات الاختزالية التي تفصل بين الفكر والسياسة، أو بين الدين والعقل.
غير أن أهمية هذا التكوين لا تكمن فقط في جذوره، بل في قدرته على الانفتاح. فالقارئ لمسار لاريجاني يدرك أنه لم ينغلق في إطار التراث، بل انفتح على الفلسفة الغربية، وعلى رأسها فلسفة كانط، ليس بوصفها بديلاً عن التراث الإسلامي، بل بوصفها أفقاً آخر يمكن أن يغني الفهم، وأن يوسّع مجال التفكير. وهنا، تتجلى خصوصية تجربته: فهو لم يكن أسير ثنائية الشرق والغرب، بل سعى إلى بناء جسر بينهما، حيث يمكن للحكمة الصدرائية أن تتحاور مع النقد الكانطي، ويمكن للعقل الإسلامي أن يستفيد من صرامة الفلسفة الحديثة دون أن يفقد هويته.
إنّ هذا التداخل بين المرجعيات لا يعني التوفيق السطحي، بل يشير إلى مشروع أعمق، يقوم على البحث عن وحدة في مستوى أعمق من الاختلافات الظاهرية. فكما أن الملا صدرا حاول أن يجمع بين المشّائين والإشراقيين والمتكلمين، فإن لاريجاني، في سياق مختلف، حاول أن يفتح حواراً بين التراث الإسلامي والفلسفة الحديثة، بين الحكمة والعلم، بين العرفان والنقد.
من هنا، فإن قراءة شخصيته السياسية لا يمكن أن تنفصل عن هذا التكوين الفلسفي. فالسياسة، في هذا الأفق، ليست مجرد إدارة للمصالح، بل تعبير عن رؤية للعالم، وعن تصوّر للإنسان، وعن فهم للمعرفة. وهي، بهذا المعنى، امتداد للفلسفة بوسائل أخرى، كما أن الفلسفة، في المقابل، تجد في السياسة مجالاً لاختبار مفاهيمها، ولتجسيد رؤيتها.
بهذا الاستهلال، ندخل إلى قراءة تأثير فلسفة كانط في شخصية لاريجاني، لا بوصفها تأثيراً منفصلاً عن جذوره، بل بوصفها امتداداً لها، أو بالأحرى، بوصفها أفقاً إضافياً سمح له بإعادة التفكير في العلاقة بين العقل والواقع، بين الواجب والفعل، بين المعرفة والسلطة. ومن هنا، يصبح السؤال عن كانط في تجربة لاريجاني سؤالاً عن كيفية التقاء تقليدين فلسفيين كبيرين في شخصية واحدة، وعن إمكان تحويل هذا اللقاء إلى نمط خاص من التفكير السياسي.
في لحظات التأبين، لا يكون استحضار السيرة مجرّد تعدادٍ للإنجازات، بل محاولة لفهم البنية العميقة التي شكّلت شخصية الراحل، ووجّهت قراراته، وأعطت لفعله السياسي معناه. ومن هذه الزاوية، يتيح لنا النظر في العلاقة بين علي لاريجاني وفلسفة إيمانويل كانط مدخلاً فريداً لقراءة رجلٍ جمع بين الفكر والممارسة، بين النظر والتدبير، بين التأمل الفلسفي ومسؤولية القرار.
لم يكن لاريجاني قارئاً عابراً لكانط، بل كان منخرطاً في مشروعه النقدي، كما يظهر في عمله «المنهج الرياضي في فلسفة كانط»، حيث تعامل مع الفلسفة الكانطية بوصفها بحثاً في شروط إمكان المعرفة، لا مجرّد نسقٍ نظري. وهذه القراءة لم تبقَ حبيسة الكتاب، بل تسلّلت إلى شخصيته القيادية، لتشكّل نمطاً خاصاً من العقل السياسي، يمكن وصفه بأنه عقل «كانطي» في جوهره.
من أبرز ما يميّز فلسفة كانط هو مركزية الواجب، لا بوصفه قيداً، بل بوصفه تعبيراً عن حرية العقل. فالإنسان الحر، عند كانط، هو الذي يطيع القانون الذي يشرّعه لنفسه. وهذه الفكرة، حين تنتقل إلى المجال السياسي، تتحوّل إلى نمط خاص من القيادة، لا يقوم على الحسابات النفعية وحدها، بل على الالتزام بمبادئ يُنظر إليها باعتبارها ملزمة في ذاتها.
في هذا السياق، يمكن قراءة سلوك لاريجاني السياسي بوصفه محاولة لتحقيق توازن صعب بين الضرورة والواجب. لم يكن سياسياً براغماتياً بالمعنى الضيق، ولا مثالياً منفصلاً عن الواقع، بل سعى إلى صياغة قراراته ضمن أفقٍ معياري، يستلهم فكرة أن السياسة ليست فقط فن الممكن، بل أيضاً هي مجالٌ للمسؤولية الأخلاقية.
أحد أهم دروس كانط هو أن العقل، لكي يكون فعّالاً، يجب أن يعرف حدوده. وهذا المبدأ، الذي يشكّل قلب المشروع النقدي، يمكن أن يُقرأ أيضاً كمبدأ سياسي: السلطة التي لا تعترف بحدودها تتحوّل إلى استبداد.
في شخصية لاريجاني، يظهر هذا الوعي بوضوح. فالقائد، في هذا التصوّر، ليس مَن يمتلك الحقيقة المطلقة، بل مَن يدرك أن قراراته محكومة بشروط، وأن المعرفة السياسية ليست يقيناً رياضياً، بل اجتهاد ضمن حدود الممكن. وهذا ما يمنح القيادة طابعاً تواضعياً، لا بمعنى الضعف، بل بمعنى الوعي بالمسؤولية.
إن استبطان فكرة «الحدود» الكانطية يجعل من السياسة مجالاً للنقد الذاتي، لا فقط لإدارة الآخرين. وهنا، تتحوّل القيادة إلى ممارسة عقلية مستمرة، لا إلى سلطة مكتفية بذاتها.
كما بيّن لاريجاني في دراسته، فإن كانط استلهم من الرياضيات نموذجاً للصرامة، دون أن يحوّل الفلسفة إلى رياضيات. وهذه الفكرة، حين تُترجم إلى المجال السياسي، تُنتِج نمطاً من التفكير يقوم على التنظيم، والدقة، والبحث عن الاتساق الداخلي.
يمكن القول إنّ لاريجاني، في مسيرته، حاول أن يجسّد هذا التوازن: صرامة في التفكير، دون جمود؛ منهجية في القرار، دون اختزال الواقع في معادلات. فالسياسة، بخلاف الرياضيات، لا تُبنى على مسلّمات ثابتة، لكنها تحتاج مع ذلك إلى قدر من الانضباط العقلي، يمنعها من الانزلاق إلى الفوضى أو الاعتباط.
في مقابل التصوّرات التي ترى في السياسة مجرد صراع على السلطة، تقدّم الفلسفة الكانطية تصوّراً مختلفاً: السياسة بوصفها مجالاً لتفعيل العقل العملي. وهذا يعني أن الفعل السياسي لا يُختزل في القوة، بل يتأسس على القدرة على التبرير، وعلى تقديم أسباب يمكن أن تكون مقبولة للآخرين.
في هذا الإطار، يمكن فهم أسلوب لاريجاني السياسي بوصفه سعياً إلى عقلنة المجال العام، أي تحويله من ساحة صراع مُعرّى إلى فضاء حجاجي، تُناقش فيه الخيارات وتُبرَّر. وهذا لا يعني غياب الصراع، بل يعني إخضاعه لمعايير عقلية، تمنع تحوّله إلى عنفٍ بلا أفق.
أحد التحديات الكبرى في الفكر السياسي هو العلاقة بين النظر والعمل: كيف يمكن للفلسفة أن تؤثّر في القرار، دون أن تتحوّل إلى ترفٍ نظري؟ في حالة لاريجاني، يبدو أن هذه العلاقة لم تكن مجرد إشكال نظري، بل تجربة معيشة.
فقراءته لكانط لم تدفعه إلى الانسحاب من الواقع، بل إلى إعادة فهمه. لقد أدرك، على ما يبدو، أن الفلسفة لا تقدّم حلولاً جاهزة، لكنها تمنح أدوات لفهم تعقيد الواقع، ولتجنّب السقوط في أوهام اليقين الزائف.
وهنا، تتجلّى إحدى أهم فضائل الفكر الكانطي: أنه لا يعدنا بالسيطرة الكاملة على العالم، بل يعلّمنا كيف نتحرّك ضمن حدوده.
في تأبين شخصية مثل لاريجاني، لا يكفي أن نقول إنه كان قائداً أو سياسياً، بل ينبغي أن نسأل: أيّ نوع من القادة كان؟ وأي تصوّر للعقل والسياسة كان يحمله؟
إنّ قراءة مسيرته في ضوء فلسفة كانط تكشف عن نموذج نادر: قائد يحاول أن يوازن بين الواجب والواقع، بين الصرامة والمرونة، بين الطموح إلى اليقين والاعتراف بالحدود. وهو توازن لا يتحقّق بسهولة، بل يتطلّب جهداً فكرياً وأخلاقياً مستمراً.
لعل أهم ما يمكن أن نستلهمه من هذه السيرة هو أن السياسة، رغم كل تعقيداتها، لا تزال في حاجة إلى الفلسفة؛ لا لتزويدها بوصفات جاهزة، بل لتذكيرها بأن العقل، حتى وهو يمارس السلطة، يجب أن يبقى نقدياً، وأن الحرية، حتى وهي تتحقّق في الواقع، لا تنفصل عن الواجب.
وهكذا، يبقى أثر كانط في لاريجاني شاهداً على إمكان لقاء الفلسفة بالسياسة، لا بوصفه ترفاً، بل بوصفه ضرورة، في زمنٍ تتزايد فيه الحاجة إلى قادة يفكرون، لا فقط يقرّرون.
* كاتب
