ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

التفاوض تحت النار: خرقُ خطاب القسم والبيان الوزاري

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
كريم حداد
كريم حداد
الأربعاء 25 آذار 2026
الخط


في لحظةٍ يتعرّض فيها لبنان لعدوانٍ إسرائيليٍّ وحشيٍّ ومتمادٍ، لا يمكن توصيفه إلا استمراراً لنهجٍ تاريخيّ قائم على القصف والانتهاك وفرض الوقائع بالقوة، تخرج دعواتٌ رسمية إلى التفاوض المباشر مع العدو، لا بوصفها خياراً اضطرارياً مدروساً، بل كمبادرة سياسية تفتقر إلى الحد الأدنى من الشرعية الوطنية والدستورية. هنا، لا يعود النقاش تقنياً حول جدوى التفاوض أو توقيته، بل يصبح مسألة تتعلّق بجوهر الدولة: هل يملك رئيسا الجمهورية والحكومة حقّ تجاوز الأسس التي انتُخبا وشُكّلت الحكومة على أساسها؟ وهل يمكن في ظلّ العدوان أن يُطرح التفاوض كخيار طبيعي، لا استثناء خطير؟

ما صدر عن رئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام لا يمكن عزله عن هذا السياق الدموي. فالدعوة إلى التفاوض المباشر مع إسرائيل، في وقتٍ تمارس آلة الحرب الإسرائيلية عدوانها على الأرض اللبنانية، ليست مجرّد خطأ في التقدير، بل انزلاق سياسي خطير يرقى إلى مستوى خرق ما ورد في خطاب القسم، وفي البيان الوزاري للحكومة. وهذان النصّان اللذان يُفترض أنهما يشكّلان العقد السياسي والأخلاقي بين السلطة والشعب، لم يتضمّنا أي تفويض للتفاوض مع العدو، بل أكّدا على الثوابت الوطنية وحماية السيادة ورفض أي مسار يُفرِّط بالحقوق.

تجاوز هذه الثوابت ليس تفصيلاً. إنه انتقال من موقع الالتزام إلى موقع التفويض الذاتي، حيث تقرّر السلطة التنفيذية، من دون غطاء برلماني أو شعبي، إعادة تعريف السياسة الوطنية في أحد أخطر ملفاتها. وهذا بحدّ ذاته يطرح سؤال الشرعية: من منح هذين الموقعين حقّ اتخاذ قرار بهذا الحجم؟ وأي ديمقراطية يمكن أن تقبل بأن تُتخذ قرارات مصيرية في غياب أي إجماع، بل في مواجهة اعتراضات واسعة؟

المسألة لا تتوقّف عند حدود الشكل الدستوري، بل تمتد إلى مضمون الطرح نفسه. فالدعوة إلى التفاوض المباشر، مقرونة بإشارات إلى الاستعداد للاعتراف بالكيان الصهيوني، تمثّل انزلاقاً إضافياً نحو التفريط، لا فقط بالحقوق اللبنانية، بل أيضاً بالقضية الفلسطينية التي لا يمكن فصلها عن الواقع اللبناني. فلبنان ليس بلداً محايداً في الصراع، وهو استقبل مئات آلاف الفلسطينيين الذين هُجّروا قسراً من أرضهم. وأي حديث عن الاعتراف بالكيان الذي قام على هذا التهجير، من دون ضمان عودة هؤلاء إلى أراضيهم، هو تكريسٌ للنكبة، لا محاولة لتجاوزها.

هنا، تتكشّف المفارقة الكبرى: في وقت يُفترض أن تكون الدولة اللبنانية في موقع الدفاع عن حقوقها وحقوق شعبها، وعن حقّ اللاجئين في العودة، تتحوّل بعض مواقع القرار إلى منصّة لطرح خيارات تتقاطع، موضوعياً، مع منطق العدو. وهذا ليس فقط خللاً سياسياً، بل اختلال في تعريف المصلحة الوطنية. فالمصلحة لا تُقاس فقط بما يمكن تحقيقه من مكاسب آنية، بل بما يحفظ الكرامة والسيادة والحقوق التاريخية.

دعوة عون وسلام لا تحظى بإجماع وطني، بل ترفضها قوى ترى فيها تفريطاً واضحاً في الحقوق

وإذا كان البعض يحاول تبرير هذا الطرح تحت عنوان الواقعية السياسية، فإن الواقعية نفسها تفرض قراءة مختلفة. فلبنان، في ظلّ أزماته المتراكمة، ليس في موقع قوة يتيح له فرض شروط في أي تفاوض. بل إن دخوله في مسار تفاوضي من هذا النوع، في ظلّ العدوان، ومن دون أوراق قوة حقيقية، لن يؤدّي إلّا إلى تكريس اختلال موازين القوى، وتحويل التفاوض إلى أداة ضغط إضافية عليه. فالتفاوض ليس فعلاً محايداً، بل تعبير عن ميزان قوة، وحين يكون هذا الميزان مختلاً، تكون نتائجه محسومة سلفاً.

ولا يقلّ خطورة عن ذلك، البعد الداخلي لهذه الدعوة. فلبنان، الذي يقوم نظامه على توازنات دقيقة، لا يمكن أن يحتمل قرارات بهذا الحجم تُتخذ من دون توافق وطني. بل إن مثل هذه الخطوات تفتح الباب أمام انقسامات أعمق، وتعيد إنتاج الاصطفافات التي خبرها اللبنانيون سابقاً، وكانت نتائجها كارثية. فبدل أن تكون السلطة عامل استقرار، تتحوّل إلى مصدر توتّر إضافي، ما يهدّد السلم الأهلي، ويُضعِف قدرة الدولة على مواجهة التحدّيات.

هذه الدعوة لم تلقَ حتى اهتماماً جدياً من الجانب الإسرائيلي. فالتجاهل أو اللامبالاة يكشفان أن ما يُطرح لا يُقرأ حتىكعرض ذي قيمة، بل كإشارة ضعف. وهذا بحد ذاته كافٍ لإعادة النظر في جدوى هذا المسار، بل في دوافعه، إذ كيف يمكن لدولة أن تبادر إلى التفاوض، فيما الطرف الآخر لا يرى في هذه المبادرة ما يستحقّ الرد؟

ما يقوم به الرئيسان لا يحظى بأي إجماع وطني، بل يواجه رفضاً واسعاً من قوى سياسية واجتماعية ترى فيه تفريطاً واضحاً بالحقوق. وهذا الرفض لا يمكن تجاهله أو التقليل من شأنه، لأنه يعكس شعوراً عميقاً بأن ما يُطرح يتجاوز الخطوط الحُمر التي لا يجوز لأي سلطة أن تتجاوزها. فالشرعية ليست مجرّد نصوص، بل هي قبول عام، وثقة، وشعور بأن الدولة تمثّل مصالح شعبها.

الاستمرار في هذا المسار، لا يمكن أن يُفسَّر إلا بوصفه إصراراً على تجاوز الإرادة الوطنية، ما يضع السلطة أمام مسؤولية تاريخية: إمّا العودة إلى الالتزام بالأسس التي قامت عليها، وإمّا الاستمرار في مسار يفقدها ما تبقّى من شرعية سياسية وشعبية. لأن المهم هو إعادة التأكيد على ثوابت الحد الأدنى من الإجماع الوطني: رفض الاعتراف بالعدو في ظلّ استمرار الاحتلال والعدوان، التمسّك بحقوق لبنان كاملة غير منقوصة، والدفاع عن حقّ اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى أراضيهم. وهذه ليست شعارات، بل عناصر أساسية في تعريف الدولة لنفسها، وفي تحديد موقعها في الصراع.

لا يمكن للبنان، تحت وطأة العدوان، أن يفاوض من موقع الضعف، ولا أن يفرّط بحقوقه تحت أي ذريعة. وما صدر عن رئيسي الجمهورية والحكومة يشكّل خرقاً واضحاً لخطاب القسم وللبيان الوزاري، وانحرافاً عن الإرادة الوطنية، وتفريطاً لا يمكن القبول به.

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك