ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

الحرب والمعنى

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
عوني بلال
عوني بلال
الأربعاء 25 آذار 2026
الحرب والمعنى
الخط

«...ومعنى كل شيء: محنتُه وحاله التي يصير إليها أمرُه» ــــــــ (لسان العرب)

بعض الأفكار -وربما أهم الأفكار- لا تنفتح أبوابها بطول التأمّل ولا بهدوء الرويّة. بعض الأفكار تحتاج إلى عنف ودم كثيرَيْن حتى تنحلّ أقفالها. لعلّ جزءاً من السبب يعود لانحسار الترّهات والتفاصيل في لحظات العسر، فيظهر المعنى الذي كان محجوباً وسطها ومخنوقاً بينها. تأسرني مقولة عليٍّ الشهيرة: «الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا». صحيح أنّ أغلبنا يقرأ في العبارة موعظة تخص الفرد وموتَه، لكن أفق الجملة هائل، وللمرء أن يبصر فيها شيئاً عن استفاقة وعي الناس عندما يستحرّ الموت من حولهم، فإذا ماتوا... انتبهوا. في مدارك الإنسان سماءٌ لا ينقشع سحابُها إلا بالشدائد. وأي شديدة أكبر من الحرب، وتحديداً، حرب طاحنة كهذه.

جلال المشهد لا يأتي ممّا تمثّله هذه المواجهة العسكرية وحدها، فالأمر ليس حرباً بين حضارتين وفكرتين وحسب. هذه «فكرتنا» و«حضارتنا» وقد خرجت من حدّ المجرد الموهوم ودخلت حدّ الواقع المشهود. هذه «فكرتنا» وقد تجسّمت في مقاتلٍ يرسم بخطّ الثُّلث على متن صاروخٍ صنعه أبناء جلدته تحيةً لشهيد من بلد غير بلده، وطائفة غير طائفته، يكبّر ساعة الإطلاق وينادي على حيدرة الكرار. هذه «فكرتنا» وقد ارتاب في وجودها أكثرنا وأتعبنا الشكّ حول مصيرها، لكنها عادت ساعة الصفر لتثبت مجدداً أن ذِكْرَ الإسلام لم يُمحَ، وأنّ وحيه حيٌّ لم يمت.

أكتب عن «فكرتنا» و«حضارتنا» بشيء من وجل (بل وحتى شيء من خجل)، فأنا أدرك أنّ ضمير المُلكية في «فكرتنا» يحمل ادعاءً كبيراً، خصوصاً أنّني ابن جغرافيةٍ عربية صارت -في جُلِّها- منصةَ إطلاقٍ للصاروخ الأميركي وسماءً مشرعة لطيران إسرائيل ومرتعاً لمثقّفي القاعدة الأميركية وشيوخ الخنا القائلين بـ«ضرب الظالمين بالظالمين». أي حقٍّ يملكه حبيسُ فضاء ذليل كهذا كي يدّعي سهماً في معركة كهذه، وأن يتحدّث عن «فكرتنا» وعن «حضارتنا».

ورغم كل ذلك، فالمؤمنون بفكرة المقاومة، والخافقةُ قلوبُهم لكلمة «لا» في وجه إسرائيل، يشعرون أنّ هذه الحرب تخصّهم كما لا يخصّهم شيء في هذه الدنيا، وأنّ حواضرَ إيران حواضرهم، وأنّ بنات ميناب بناتُهم، وأنّ مصائر قضيتهم ومصائر الجمهورية قد تضافرتا اليوم في عروةٍ من الدم.

لا أجد شيئاً يقينياً في مآل هذه الحرب. أفهم شحذ المعنويات اللازم لمن يتحدّثون عن حتميّة النصر، وهو خطاب ضروري دوماً (وتسخيفه هو السخافة بعينها). لكنّي أدرك قسوة المواجهة وأعرف أنّ شلال النار الذي ينصبّ على الجمهورية الإسلامية وعلى جنوب لبنان قادرٌ على تخريب هائل، وأنّ أذيّته بليغة. لكننا، وإن غاب يقيننا عن المآلات، نملك يقيناً حول شيء آخر: يقين حول المعنى الذي يتجلّى في خضمّ هذه الحرب. المعنى الذي لا يتغيّر بالمآلات ولا يرتهن للغيب، لأنه محفور بما قد كان وما قد مضى، ولأنه متجذّر في القائم عياناً أمامنا اليوم.

إيران لم تعد بلداً وحسب. كثير من المعنى الذي تحمله الجمهورية الإسلامية يأتي اليوم من خارجها، وتحديداً من مشهد الموت الحضاري الذي ألمّ بفضاء الإسلام، ومن دخول أقطاره بيت الطاعة المُسمّى بالدولة القُطرية الحديثة، مخفوراً بشبكة القهر الاقتصادية والعسكرية الغربية؛ فضاء الإسلام الذي صار حريّاً بلقب «بلاد ما بعد الإسلام». أينما نظرت على الخارطة، ترى شواهد على إسلام ما-بعد-الإسلام. هذا الدين الجديد القائم على تديّن طقسي واجتماعي كرنفالي (وتعمّق نظري وبحثي لا ينتهي) لكنه مقرون بإلحاد سياسي تامّ. دينٌ لا يعرف من تاريخ السيرة النبوية إلا صلح الحديبية و«فقه الإكراهات»، ولا يتذكّر من صلاح الدين إلا اتفاقه مع ملك من ملوك الفرنجة.

لم تبلور هذه الحرب التناقض المعتاد الشهير بين «نحن» و«هم» في المقام الأول، بين «شرق» و«غرب»، بل بلورت تناقضاً أشدّ داخل «نحن»؛ التناقض الذي كان طرفاه -بالظاهر- ضفتين متقابلتين على الخليج

دينٌ يعيد سرد السيرة النبوية بوصفها قصّة ثعلب من ثعالب الصحراء، ونسخة قُرشية من ماكيفللي، ويصوّر محمداً لا نبيّاً شهيداً ولا قابضاً مضحّياً على جمر المبادئ بل خبيراً جيواستراتيجياً يلعب على التناقضات الإقليمية لجزيرة العرب. دين يَشتم أتباعُه الليبراليةَ ليلَ نهارَ، لكنهم منغمسون في اقتصادها وأسرى لرؤيتها السياسية ولا يجيدون مقارعتها إلا في مسائل الجنس والملابس وتشريعات بيع الكحول. ومرة أخرى، ينجلي شيء دالّ عن الجمهورية الإسلامية. فبينما كانت جغرافية العالم الإسلامي تغرق رويداً رويداً في هذا الطاعون، كان أحدهم يحفر الصخر في بلاده، ويذخّر جبالها، ويبني مدناً دفينة لا تبلغها الشمس، ويحشد فيها من السلاح والذخيرة كل هذا الذي نراه اليوم.

وكان أيضاً يواكب ويؤازر كل الحافرين الآخرين في جبالهم وسهولهم، والمذخّرين أرضهم لساعة المعركة. كان هذا «الأحد» يجعل المواجهة الآتية ديدنَ فكره وعلمه وصناعته، ويقف في كل هذا متمرّداً على سياق دولي قاهر. ليست لديّ أوهامٌ حول نقاءٍ ثوري أبلج وطهارة مسلكية غرّاء لأي جماعة بشرية في هذا العالم، ومنها التجربة الإيرانية، لكنّ هذا لا يحجب الحقيقة الأكبر: هذه هي الجمهورية الإسلامية الوحيدة التي اجترأت على «العلم الحرام»؛ العلم الذي يفتح باب القوة، نووياً وصاروخياً ورادارياً، فيهرع الغربُ فزعاً إليها بالبوارج والحصار.

الكل يتسلّح طبعاً (هذا ليس حكراً لإيران)، والكل ينفق على الذخائر والصناعات العسكرية، لكن فلسفة إيران -في تعمّقها الصاروخي وزهدها في الطيران الحربي- هو شامة دولةٍ أرادت لسلاحها أن يكون حقاً سلاح استقلال. لستَ بحاجةٍ أحياناً إلى أن تقرأ ما تزعمه الدول عن نفسها، وما يكتبه أبناؤها عنها. يكفي أن تنظر في برنامجها التسليحي لتفهم شيئاً بليغاً جداً -ولا يقبل التكذيب- عن حقيقتها وهويتها. ولك بالمثل أن تنظر في برامج التسليح العسكري للكيانات العربية وتقرأ شيئاً بليغاً جداً -ومختلفاً جدّاً- عن حقيقتها وهويتها. هؤلاء ينفقون أكثر ممّا تنفق الجمهورية، لكن خياراتهم العسكرية تعميد للتبعيّة وتأبيد لها، لا العكس.

اليوم، تدرك أن جبال إيران لم تكن تطوي سرَّها على الذخائر والصواريخ وحسب، بل كانت تحفظ معها -وبها- شيئاً من جوهر الفكرة الإسلامية؛ التمرّد الاستشهادي في وجه الأقوى، واستعذاب الموت في سبيل معنىً وقيمة مجردة، وإدارة عجلة الدولة على محور المواجهة. العالَم بأسره يرمق اليوم هذا البلد المقاتل الجريح، ويرى فيه خطّ دفاع ملحمي في وجه القوة التي تألّهت وادّعت لنفسها الربوبية.

لم تبلور هذه الحرب التناقض المعتاد الشهير بين «نحن» و«هم» في المقام الأول، بين «شرق» و«غرب»، بل بلورت تناقضاً أشد داخل «نحن»؛ التناقض الذي كان طرفاه -بالظاهر- ضفتين متقابلتين على الخليج (مشيخات الخليج في مقابل الجمهورية). لكنّ التناقض طبعاً أوسع من ذلك، فهو حاضر في كامل العالم العربي وليس حكراً على الخليج ودوله. ليس من السهل أن تسمّي هذا التناقض لأن ماكينة الدعاية السياسية قُدحت محرّكاتها منذ بدء الحرب، وانفتح الفضاء الإعلامي المأجور لفيضٍ رديء لا ينتهي في محاولة «كسب السردية».

هذا التناقض ليس جديداً بالتأكيد، لكن فضيلة الحرب (إن كان للمرء أن ينسب إليها فضيلة) أنها تشحن تناقضات كهذه إلى حدودها القصوى، فينكسر شيءٌ داخلها ولا تعود مواراتها ممكنة. ومهما تذاكى المتذاكون وتلاعب المتلاعبون، فالتناقض يتركّز في موضع مركزي واحد: هل تريد لنموذج الدولة العربية الحديثة أن يستمرّ؟ هل ترى مصلحتك الشخصية مرتبطة باستمرار هذا النمط من الدول وترى في كل ما يهزّها اعتداءً شخصياً عليك؟ ليس الأمر متعلّقاً بالنظام السياسي، أو استبدال نظام بنظام، بل بالدولة بأسرها: بجغرافيتها وحدودها وجملتها السكانية وغاية وجودها وعلّة استمرارها.

ما فعلته هذه الحرب أنها كشفت على نحوٍ مريع استحالة فكرة الاستقلال عن هذه الكيانات العربية، وبيّنت سُخف النصائح التي تُزجى لقادتها وتدعوهم لتصويب «الخيارات». أنصار هذا النوع من الدول محتارون اليوم بين الدعوة لتعميق التبعيّة للحامي الأميركي، أو التحوّل صوب تبعيّة بديلة لحامٍ إسرائيلي أو أوروبي أو حتى صيني وروسي. وهذا ليس جُبناً ولا رداءة في الفكر والرؤية؛ هذا هو الحدّ الممكن لاستمرار دول وُلدت بهذه الهيئات، وبهذا الشرط السياسي المعطوب. لا الجغرافيا التي ارتضتها لنفسها ولا ثقلها السكاني الذي قدّسته ولا عقيدة وجودها السياسي يسمح لها بقرار آخر ولا أفق غير هذا.

رحم الله قادة «الطوفان»، أولئك الذين أدركوا كل هذا باكراً جداً، ومايزوا بين رفيق السلاح الحق وصاحب الودّ الزائل، وقرأوا جغرافية القوّة والضعف، وفهموا مَن ينوي القتال حقاً ويؤمن به، ومَن لا ينوي القتال... ولا يقدر عليه.

* كاتب فلسطيني

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك