ذاكرة الروح

محمد فضل الله
محمد فضل الله
الجمعة 27 آذار 2026
الخط

هناك عبارة تُستخدَم في الاقتصاد، «المحفظة العميقة»، لتَعني ليس فقط ثروة كبيرة بل أيضاً القدرة على تغطية نفقات غير محسوبة، مخزونات أصول يمكن استدعاؤها عند الحاجة. هناك أمر مشابه في الثقافة أو الروح، «المحفظة الروحية العميقة» للجماعة، كما لو كانت خطة قديمة جداً يتمّ استدعاؤها عند الحاجة وتكون أحياناً أكثر فاعلية من الخطط الجديدة التي يتمّ وضْعها من قِبَل المؤسسات المعنية راهناً.

أَعتقد أنني لم أكن الوحيد الذي استهجن فكرة أن يكون السيد القائد الخامنئي في منزله العادي مع عياله يوم اغتياله. كانت الأجواء واضحة في أنه سيُستهدَف في أي لحظة؛ بالتالي فإن المنطق يَقتضي أنه سيكون في تلك الساعات في تحصينات ما نائية أو تحت الأرض. لكن يبدو أن الشهيد القائد الخامنئي أراد ذلك بالضبط، أن يُستشهَد في منزله العادي مع عياله، ليس رغبةً في الالتحاق بركب الشهداء فحسب (وهو أمر مفهوم بطبيعة الحال)، بل لكي يضع موضع التنفيذ خطة مواجهة عسكرية واستراتيجية صيغتْ قبل مئات السنين، لا حاجة إلى شرحها ولا إلى الكثير من التدريب عليها، الشعب بأكمله يَحفظها عن ظهر غيب في إحياء المناسبة سنوياً لمدة عشرة أيام (أن يكون هناك مئات الملايين من الناس يَعرفون تفصيلاً مشهدياً، وليس حدثاً عاماً، وَقَع منذ مئات السنين، وهو أن الريح هبّتْ ورفعت الثوب عن رقبة عبدالله الرضيع فتمكّن حرملة من رميه بالسهم).

صحيفة «الغارديان» تعبّر عن خشيتها من أن إيران يبدو أنها قادرة على خوض حرب طويلة من دون قيادة واضحة أو هرمية متماسكة بالضرورة (autopilot). ذلك أن الملايين من الشعب الإيراني يَعرفون الخطة وهم بدأوا بتنفيذها بترتيب وانسايبية لافتة. في مجالس العزاء التي نقيمها كل عام، نَسمع أن أصحاب الحسين عليه السلام كانوا يتبارون للقتال الواحد تلو الآخر؛ رغم أن البعض يقول إن واقعة الطفّ لم تكن على تلك الشاكلة، بل مواجهة واحدة أدّتْ إلى استشهاد الآل والأصحاب دفعةً واحدة، إلا أن السرد الذي نَسمعه كل عام حول التسلسل وترتيب المواجهة والعبارات التي كانوا يقولونها والتي تجسّد شخصية مختلفة لكلّ من الأصحاب، أدى دوراً في صياغة «الخطة التاريخية» (أو «الأوتو-بايلوت» كما تصفها «الغارديان»).

بالتالي حين يجد الشعب الإيراني والجنود الإيرانيون كل مَنْ يتصدّى لموقعية ما يُستشهَد بعدها بأيام، ليَأتي بعده شخص آخر، هذا الأمر ليس «خارج المألوف» أو دافعاً للشعور بالتشوش والإرباك؛ هو يَعرف جيداً معنى هذا التسلسل في القتال بين يدي أبي عبد الحسين، والأهم أنه يَعرف كيف أن ثورة الإمام تحوّلتْ بعد استشهاده إلى كارثة على الدولة الأموية، صار كل مَنْ يريد خلافة الدولة الأموية ينادي بثارات الحسين.

نحن نقاتل كي تحلّ الكارثة على الإمبراطورية الأميركية، أكبر إمبراطورية في التاريخ الإنساني؛ كيف تحديداً؟ مسار ذلك غير واضح، إلا أن الإمام الحسين أيضاً لم يوضح بالضبط ماذا سيَحصل للدولة الأموية من بعده؛ مَنْ يحيي مجالس عاشوراء كل عام لديه «يقين إجمالي» بأن المواجهة الكربلائية تؤدي لاحقاً بطريقة أو بأخرى إلى هلاك الإمبراطورية. هذا عامل مركزي في جعْل الشعب أكثر قدرة على استيعاب الهجوم الهائل ضده وتحويله إلى عامل لإسقاط الإمبراطورية رغم عدم وضوح المستقبل حالياً.

قد يكون معظم الشعب الإيراني لا يَعرف الكاتب لاري إليوت (وهو بدوره على الأرجح لا يَعرف الكثير عن عاشوراء) الذي يشبّه الحرب الأميركية (الإسرائيلية والخليجية هي إضافات على الهامش) على إيران بحرب الإمبراطورية البريطانية على البوير في جنوب أفريقيا والتي انتهت عام 1902 بنصر «فارغ» للإمبراطورية البريطانية وكانت فعلياً مؤشراً إلى بداية انهيارها وأَظهرتْ حدود قدرات الإمبراطورية (أيضاً في ذلك الحين توقّعتْ بريطانيا أن تنهار دفاعات الفلاحين البوير بسرعة، وهو ما لم يحصل).

بمعنى أن ما يَعتقد الشعب الإيراني أنه سيَحصل بناءً على «الخطة القديمة» (حرب غير متكافئة تؤدي بعد سنوات إلى سقوط الإمبراطورية) سيتحقّق وإنْ بطرق غير واضحة تماماً بالنسبة إليه في هذه اللحظة. هو لديه إيمان بذلك، ولديه «خطة» للوقت الراهن: هو يشاهد «الأصحاب» وهم يتبارون للقتال ويَسقطون شهداء وكل واحد منهم لديه شخصيته التي يَطبع بها الأيام القليلة التي يستلم فيها القيادة (كما كانت تَفعل الأبيات التي يُلقيها كل واحد من الأصحاب في كربلاء قبل مئات السنين).
ما تَكتشفه الإمبراطورية الأميركية اليوم هو أن الداتا لا تساوي المعرفة: أن تَملك داتا تفصيلية عن كل فرد من أفراد شعب ما لا يَعني أنك تَعرف هذا الشعب.

طبعاً، كل ذلك ما كان ممكناً لولا قيام السيد القائد الشهيد عبر الانكشاف المفتوح أمام الاغتيال بإعادة تفعيل خطة كربلاء التي عمرها ألف وأربعمئة عام، بحيث كان الجميع في إيران مدركين تماماً لما يجب أن يفعلوه وبأي تسلسل يجب أن يقوموا به وما يمكن أن يتوقعوه لمآل الحرب دون أي جهد يُذكَر، رغم كل الضغوط العسكرية والإعلامية الهائلة التي لن تتمكّن من استبدال «ذاكرة الروح». وكأني بالسيد القائد الشهيد يقول لسلالات الخليج النفطية وسلطان المسلمين رجب طيب إردوغان (الذين يمنّون النفس بمكتسبات رغم أنه من الواضح أنه سيتمّ استعبادهم، أكثر مما هم فيه، إن انكسرتْ إيران): «يا عمر (بن سعد)، أتزعم أنّك تقتلني ويولّيك الدعيّ بلاد الريّ وجرجان؟ والله لا تتهنّأ بذلك، عهدٌ معهود فاصنع ما أنت صانع، فإنك لا تَفرح بعدي بدنيا ولا آخرة، وكأني برأسك على قصبة يتراماه الصبيان بالكوفة ويتخذونه غرضاً بينهم».

هذه العبارة التي نَسمعها سنوياً في إحياء مراسم عاشوراء تُعطي الجمهور مفهوماً مختلفاً عمّا يمكن توقّعه من حرب ما، تاريخ انتهائها، عمّا إذا كان هناك تاريخ نهاية فعلي لها؛ الحرب ليستْ فعلاً نقطوياً، بل هي فعل سياقي وعضوي، بمعنى أن المطلوب هو أن تتفاعل وتتشظى وتَنشطر. ليس أسوأ على الإمبراطورية من عدم وجود يوم محدد لـ«النصر». العبارة تُعطي أيضاً انطباعاً مختلفاً عن مستقبل «المنتصرين» المفترَضين في معركة ما وتَصوُّر عن رؤوسهم التي سيتراماها الصبيان.

الخطة التي وَضعها ذلك الرجل الذي أُلقي بجسده وأجساد أصحابه وآله قبل ألف وأربعمئة عام على وجه الصحراء وبقوا أربعة أيام في العراء وسبيتْ عيالهم، هي اليوم تُدخِل أكبر إمبراطورية عرفها التاريخ (ونَأمل أن تكون آخر إمبراطورية في التاريخ) في تيهٍ سيُسجَّل لاحقاً على أنه كان آخر مراحلها. بعض مَنْ يَنسبون أنفسهم إلى ما يُسمى «اليسار الغربي» يَعتبرون أن ميشال فوكو أَخطأ في دعمه للثورة الإسلامية في إيران؛ كم لم يَفهموا شيئاً مما كتبه فوكو؛ أراه يَرسم ابتسامتَه الساخرة الشهيرة حين يرى تيه الإمبراطورية الأميركية في إيران، ويَكتب «مخيلة سياسية جديدة».

* باحث