الخلل المتعاظم والعقد الوطني الجديد [2]

في مقالي السابق («الأخبار» 14/3/2026) تناولت مسألة الانقسام في لبنان. هو حاضر منذ التأسيس. متجذر في البنية. متفاقم من خلال التداعيات والتفاعل في الداخل ومع الخارج. في هذه الظروف، أي في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي على لبنان، يتخذ الانقسام، مرة جديدة، طابعاً بالغ الخطورة. عندما يتعلق الأمر بالعدو الإسرائيلي، فإن للانقسام بشأنه مرارات ومسارات وتحديات متلاحقة، خصوصاً منذ عام 1967 إلى اليوم. هذا لا يعني أن الانقسام محصور فقط في هذا العنوان. هو يشمل الكثير من العناوين الداخلية. وهو يسري، أيضاً، على علاقات لبنان الخارجية: العربية والإقليمية والدولية...
أمّا الانقسام بشأن الأمور والمسائل الداخلية، فجوهره الصراع على النفوذ والثروة في نطاق منظومة التحاصص المترسخة أبداً والمعمّمة على كل حقول النشاط: الرسمية (بشكل كامل وشامل)، وغير الرسمية بنسبة متزايدة باستمرار. جدير بالذكر أنه لا ينبغي، في هذا الشأن، تفويت استثناء في غاية الأهمية. ذلك أن الأفرقاء المتنازعين على كل شيء تقريباً، يُظهرون تماثلاً وتضامناً صارمين في تمسكهم بالصيغة الطائفية للتمثيل في السلطة وفي مواقع القرار والنفوذ. وهو خيار ارتضته بورجوازيات كل الفئات اللبنانية أداة للحكم وللسلطة ولإدارة شؤون البلاد والعباد.
الإشارة إلى هذا الواقع، تكتسب أهمية كبرى بسبب أنها شكَّلت العامل الأساسي لمنع تطور النظام السياسي اللبناني. وهي كانت السبب الأساسي، على سبيل المثال، لعدم تطبيق إصلاحات تسوية «الطائف» لعام 1989 (بعد الحرب الأهلية التي استمرت 15 عاماً). وهي تسوية اجتمعت على دعمها وتقرير نتائجها قوى كبيرة: عربية وإقليمية ودولية. ثنائية الصراع على الحصص (بكل الوسائل الداخلية والخارجية)، والتمسك بالطائفية السياسية نظاماً «سرمدياً» وشرطاً لوجود لبنان: تابعاً ومتخلفاً وهشاً ومولداً للدويلات والأزمات...، هي ما طبع مجمل التجربة اللبنانية «الفريدة» والعجيبة. وهي التي قادت إلى العجز والمراوحة والنهب والفساد والإفلاس والاحتراب الداخلي وهشاشة الوحدة الوطنية والانكشاف الفوضوي... والدولة الفاشلة!
ينبغي التأكيد والتكرار بأن الانقسام بشأن الموقف من الكيان الصهيوني كان، ولا يزال، هو الأخطر. هذا إلى أنه كان الأثبت والأكبر أيضاً. يعود ذلك إلى حقبة التأسيس، وخصوصاً إلى الأهداف الاستعمارية التي حددت السياق، ومعه الشروط والمسارات والتوازنات في ما يخص طبيعة وبنية ووظيفة كل من الكيان الصهيوني و«دولة لبنان الكبير». هكذا اندرج الموقف من الكيان الصهيوني في صلب معادلة الانقسام اللبنانية. وهو بالتداعي، أسّس لأحد أهم وأبرز وأخطر مفارقاتها.
من جهة، سجّل فريق من القوى السياسية اللبنانية انتصارات مدوِّية على العدو الإسرائيلي المحتل، ما حجز للبنان موقعاً مهماً في خارطة الصراعات الإقليمية والدولية: في الشرق الأوسط وعليه. من جهة ثانية، دفع فريق لبناني آخر علاقته بالكيان الصهيوني وبداعميه، إلى مستوى التحالف السياسي والرهان الاستراتيجي والمصيري! تتجسد المفارقتان، الآن، بأوضح وأخطر صورة: في جانب، مقاومة لبنانية ضارية، مستبسلة مضحية (هي الوحيدة) التي تخوض الآن حرباً برية مباشرة (بعد تسوية غزة المدموغة الانحياز الصارخ الأميركي لتل أبيب)، ضد عدوان إسرائيلي يدمر ويقتل ويحاول توسيع رقعة احتلاله.
في جانب معاكس، فريق لبناني يوظّف نفوذه في السلطة وخارجها، في تقديم خدمات شتى للعدو، سياسية وإعلامية وعسكرية (تحييد الجيش) بما يتعارض مع أبسط شروط تفعيل الوحدة الوطنية ضد محتل خارجي: دفاعاً عن الأرض والسيادة والمصالح الوطنية...! الفريق الثاني نقل الانقسام من المستوى السياسي الحزبي، بدعم سافر من الخارج الداعم للعدو، إلى المستوى السياسي الرسمي. ضعفت المشتركات. تقلّص دور السلطة ومؤسساتها السياسية والأمنية، كحيز محايد نسبياً وكضامن للحفاظ على الحد الأدنى من المشتركات. شجع ذلك العدو وداعميه الإقليميين والدوليين على المضي في العدوان والاستباحة السياسية والأمنية... تلوح، في السياق، مشاريع فتنة داخلية هي أخطر ما يمكن أن يتهدد وجود لبنان ومصير أبنائه!
في ظروف مختلفة، وليست بمستوى خطورة وتعقيد الأزمة الراهنة، يصبح بديهياً إطلاق دعوة للقيام بعملية مراجعة شاملة للتوجّهات والممارسات والعلاقات. مثل هذا التوجّه يقتضي، بدءاً، التوصّل إلى التفاهم أيضاً، على الآليات والإجراءات التنفيذية المناسبة والضرورية. المطلوب، آنذاك، كبير وخطير، بسبب عمق الانقسام وتنوع عناوينه وضخامة ما راكمته الأيام والمصالح الداخلية والخارجية من سلبيات وتناقضات وملابسات. إنّ ما هو مطلوب لا يقل عن إعادة تأسيس شاملة وكبيرة وعميقة للبنان جديد يقوم على أسس صلبة ملبية لشروط بناء الأوطان، ومبدّدة للحذر والهواجس بشأن المصير والوجود والهوية، ومرسخة لقيم المساواة والعدالة، وموفرة لمقوّمات الاستقرار والازدهار. المطلوب، إذاً، ورشة مؤتمرية تأسيسية وطنية عامة.
بيد أن ذلك ينبغي ألا يحول دون ضرورة بذل جهود مسؤولة ومثابرة من أجل احتواء ما أمكن من التوترات والاحتقانات والتحديات والاستفزازات. لهذا الغرض، يبدو من المنطقي والمجدي التركيز على الأولويات الآتية:
أولاً، إعادة التوازن إلى موقف السلطة، خصوصاً عبر إحداث تغيير ضروري في سياساتها ومواقفها وقراراتها. توازن السلطة ومؤسساتها هو الممر الإجباري لتوفير الحد الأدنى من متطلبات وقف الانزلاق نحو الأسوأ.
ثانياً، الكف عن المبالغة في الرهان على واشنطن بعد الخيبات.
ثالثاً، التعامل مع العدوان الإسرائيلي بوصفه عدواناً على كل لبنان.
رابعاً، إدارة حوار وطني محصور، عبر المؤسسات أو بتكليف منها، لبلورة تفاهمات آنية ضرورية لمواجهة تداعيات العدوان في الحقول الأمنية والاجتماعية والصحية والمعاشية...
قد يكون ذلك هو المسار الوحيد الممكن والمتاح لتفادي الأسوأ، ولمنع الفتنة، وللمحافظة على فرص أساسية لاستعادة وحدة اللبنانيين وتحرير أرضهم وصيانة سيادتهم ومصالحهم. عكس ذلك، سيدفع الجميع الثمن، وفي المقدمة المراهنون على العدو وداعميه. في الأثناء، يبقى صمود المقاومة في التصدّي للمعتدي هو الأساس في توفير مقومات أساسية لنجاح أي توجهات إيجابية: معجلة أو مؤجلة!
* كاتب وسياسي لبناني
