ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

ما بعد «قصّ الأظْفار»: صراع بلا سقف

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
محمد مهدي برجاوي
محمد مهدي برجاوي
السبت 28 آذار 2026
الخط

لم تعد المشكلة في قوة الضربات الإسرائيلية، بل في حدود قدرتها على السيطرة على ما أطلقته. فالحروب التي تبدأ كعمليات «ضبط» قد تنتهي كمسارات فقدان تحكّم. وما يجري اليوم في الإقليم ليس استثناءً، بل لحظة اختبار حقيقية لعقيدة بُنيت على فرضية أن العنف يمكن احتواؤه دائماً. وفي قلب هذه المقاربة، يقوم رهانٌ واضح: أن ما تعجز القوة عن حسمه، يمكن كسره بمزيد من القوة وهو رهان قد يكون بصدد الانقلاب على أصحابه.

في فيلم «ميونخ» للمخرج الأميركي ستيفن سبيلبرغ، والذي يتناول عمل فرقة من الاستخبارات الإسرائيلية لقتل فدائيين شاركوا في عملية أولمبياد ميونخ 1972. تُعرض سيرة عميل الموساد المكلّف بتعقّب واغتيال أفراد منظمة «أيلول الأسود»، لكنه يقرّر الانسحاب في النهاية، بعدما اقتنع أن الاغتيالات لا تُنهي الصراع، بل تعيد إنتاجه: كلما سقط اسم، ظهر آخر. أجابه رئيسه: «ولماذا تقصّ أظْفارك؟» قال: «لأنها تنمو». فردّ عليه: «وهذا بالضبط ما نفعله». لكن ما لم يُحسب يوماً، هو أن الأظْفار قد تتحوّل إلى مخالب.

ما يجري اليوم في الإقليم لا يشبه «قصّ الأظْفار»، بل يشبه انزلاقاً متدرّجاً نحو نزيف مفتوح. فالعدوان الإسرائيلي – الأميركي على إيران، الذي صُمّم ليكون ضربة سريعة، خاطفة وحاسمة، بدأ يتحوّل إلى مستنقع استنزاف يضغط على الحلف الأميركي – الإسرائيلي بدل أن يعيد تثبيت تفوّقه.

هذا النمط ليس جديداً. فمنذ عقود، قامت العقيدة الأمنية الإسرائيلية على ضرب أي مشروع صاعد قبل أن يكتمل: من استهداف البرنامج النووي العراقي في ثمانينيات القرن الماضي، إلى الضربات المتكررة في سوريا حتى بعد سقوط نظام الأسد، وصولاً إلى سياسات الاغتيال والاستنزاف في أكثر من ساحة. الفكرة واحدة: منع التراكم قبل أن يتحوّل إلى توازن. لكن ما يتغيّر اليوم هو أن هذا المنطق يصطدم بخصم قادر على امتصاص الضربات وإعادة إنتاج قوته بوتيرة أسرع.

إسرائيل، التي بنت استراتيجيتها على منع أي قوة إقليمية من الصعود، تجد نفسها اليوم أمام معادلة أكثر تعقيداً: إيران لا تُكسر بسهولة، بل أعادت تشكيل ساحة المواجهة نفسها، ونفّذت تهديدها بأن العدوان عليها لن يبقى محصوراً، بل سيتحوّل إلى حرب إقليمية وكل الدول التي تستضيف قواعد أميركية سواء أكانت عسكرية أم أمنية ستكون عرضة للردود الإيرانية.

وما يزيد من خطورة هذا المسار، أن الاستنزاف لم يعد محصوراً في الميدان العسكري. فالكلفة الاقتصادية والسياسية للحرب بدأت تتّسع، مع ارتفاع منسوب القلق في الأسواق، وتزايد الضغط على خطوط الإمداد، وعودة ملف أمن الطاقة إلى الواجهة الدولية، بما يحوّل الحرب من عدوان على إيران إلى أزمة دولية قد ترتدّ كلفتها على واشنطن قبل غيرها. وهنا، تتحوّل إيران من هدف يجب ضبطه إلى لاعب قادر على تدويل كلفة الحرب، بما يضع الولايات المتحدة أمام معادلة معقّدة: الاستمرار في التصعيد أو احتواء تداعياته.

هنا، لا يعود السؤال: هل نجحت الضربة، بل: ماذا لو كانت هذه الضربة بداية فقدان السيطرة؟ والإجابة، على ما يبدو، تميل إلى الخيار الثاني.

في هذا السياق الإقليمي، يمكن فهم ما جرى في لبنان، ولكن من زاوية مختلفة: زاوية الفاعل الذي قرّر ألّا ينتظر. ذلك أن حزب الله، بعد مرحلة من تلقّي الضربات على مدار 15 شهراً، لم يخرج مُنهكاً، بل أعاد ترتيب صفوفه، ورمّم قدراته تحت إشراف الشهيد السيد هيثم طباطبائي، وانتقل إلى إعادة صياغة دوره في المعركة. لم يعد فاعلاً يتلقّى، بل أضحى طرفاً يبادر، ويقرأ بدقّة اتجاهات التصعيد الإسرائيلي. هذا التحوّل لم يكن معزولاً عن قراءة استراتيجية أوسع. فالحزب، الذي راقب الاستعدادات الإسرائيلية لحرب واسعة، أدرك أن الانتظار يعني القبول بضربة أولى قد تكون حاسمة. ومن هنا، جاء القرار بسلب إسرائيل عنصر المفاجأة، ونقل المعركة إلى مستوى مختلف.

العدوان الذي صُمّم ليكون ضربة سريعة، خاطفة وحاسمة، بدأ يتحوّل إلى مستنقع استنزاف يضغط على الحلف الأميركي – الإسرائيلي بدل أن يعيد تثبيت تفوّقه

أمّا على المستوى النظري، فإن ما يحدث يتجاوز الحسابات الظرفية. فالقرار بالانخراط في هذه المواجهة يعكس تداخلاً عميقاً بين الأمن المادي والأمن الأنطولوجي (الوجودي). فمن جهة، فرضت اعتبارات البقاء العسكري عدم انتظار الضربة، بل استباقها. ومن جهة أخرى، فإن الهوية السياسية والعقائدية، والتموضع ضمن محور إقليمي، جعلا من الانخراط خياراً شبه حتمي. فمن غير الطبيعي والمنطقي ألّا يقوم حزب الله بردة فعل للثأر لاغتيال الولي الفقيه وهو الذي يعتبر نفسه جندياً في هذا الخط، هنا، لا يعود القرار مجرد تكتيك، بل يصبح تعبيراً عن انسجام مع الذات، وعن إدراك بأن التخلّي عن هذا الدور قد يكون أخطر من المواجهة نفسها.

هنا تحديداً، يصبح ما يجري في الداخل اللبناني قابلاً للفهم ضمن سياق أوسع. فالحرب لم تُستغل فقط عسكرياً، بل سياسياً أيضاً. وقد أقدمت أطراف لبنانية، خلال الأشهر الماضية، على خطوات تجاوزت الخطوط الحُمر التي تحكم التوازن الداخلي، مستفيدة من الضغط الذي كان يتعرّض له حزب الله، في محاولة لإعادة رسم التوازنات الداخلية تحت وطأة الحرب. لكنّ قرار طرد السفير الإيراني من لبنان قرأه الثنائي بالانقلاب على الواقع اللبناني والرد الأول على هذا القرار هو عصيانه ومنع تنفيذه.

والأخطر أن هذه الديناميات لا تجري في فراغ، بل في ظل بيئة إقليمية متفجّرة. ما يعني أن أي خلل إضافي في الداخل اللبناني قد يتقاطع مباشرة مع مسار المواجهة الإقليمية، ويحوّل الساحة الداخلية إلى امتداد للصراع الأكبر. عندها يصبح من غير المُستبعد أن نشهد تحوّلاً في طريقة التعاطي: من موقع الاحتواء إلى موقع أكثر مبادرة وصرامة. مع ميل إلى اعتبار أن بعض الأطراف لم تكتفِ بالتموضع السياسي، بل أدّت أدواراً تُشبه وظائف متقدّمة بمساندة العدوان. وعندما تتقاطع هذه القراءة مع ما يجري على مستوى الإقليم، فإن قواعد الاشتباك نفسها تصبح قابلة لإعادة النظر.

وفي هذا السياق، تُستحضر نماذج إقليمية حديثة، حيث لم تعد بعض القواعد، العسكرية أو الأمنية، خارج نطاق الاستهداف عندما يُنظر إليها كجزء من بنية المواجهة. وهذه المقاربة، إن ترسّخت، تعني أن الداخل اللبناني قد يدخل مرحلة جديدة من إعادة ضبط التوازنات، ولكن بأدوات أكثر حدّة.

لكنّ المشكلة التي تواجه إسرائيل اليوم ليست فقط في قوة خصومها، بل في حدود قدرتها على إدارة هذا الصراع كما اعتادت. فسياسة «قصّ الأظْفار» تفترض بيئة يمكن التحكّم بها، وحدوداً يمكن ضبطها، وخصماً يمكن احتواؤه. لكن عندما يتحوّل هذا الخصم إلى فاعل قادر على كسر الإيقاع، ونقل المواجهة إلى ساحات متعددة، فإن الأداة نفسها قد تفقد فعّاليتها، بل قد تنقلب إلى عبء استراتيجي.
في المحصّلة، ما نشهده اليوم ليس مجرّد جولة جديدة في صراع طويل، بل هو تحوّل في طبيعته. فالمعادلة التي حكمت المرحلة السابقة—إدارة الصراع دون انفلاته—باتت موضع اختبار فعلي.

وإذا كانت إسرائيل قد نجحت لعقود في فرض إيقاع المواجهة، فإن السؤال المطروح اليوم هو ما إذا كانت لا تزال قادرة على ذلك، أم أنها دخلت مرحلة تُفرض عليها فيها قواعد جديدة. في المقابل، فإن خصومها، رغم قدرتهم على الصمود والمبادرة، يواجهون تحدياً لا يقلّ تعقيداً: كيف يمكن تحويل هذا التحوّل من مجرد إرباك للخصم إلى تغيير مستدام في ميزان القوى؟

بين هذين المسارين، يبدو أن المنطقة تتجه نحو مرحلة لا تُحسم فيها الصراعات، بل تتراكم، وتتداخل، وتُعاد صياغتها باستمرار. وهنا، تعود استعارة «قصّ الأظْفار» لتطرح نفسها بشكل مختلف: لم يعد السؤال كيف تُقصّ، بل ماذا يحدث عندما تخرج عن السيطرة؟
عندها، لا يعود الصراع مجرد إدارة للتهديد، بل يصبح تهديداً بحدّ ذاته للجميع.

* أستاذ في العلاقات الدولية

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك