ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

لبنان في عين العاصفة: السيادة بين الإخضاع والمقاومة

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
كريم حداد
كريم حداد
السبت 28 آذار 2026
الخط


في لحظات التحوّل الكبرى، لا تعود الكلمات مجرّد توصيف للواقع، بل تصبح جزءاً من المعركة ذاتها. نحن لا نعيش اليوم في لبنان حالة التباس عابر، ولا نقف أمام أزمة سياسية تقليدية يمكن احتواؤها بتسوية أو تدوير زوايا، بل أمام مشهد يتكثّف فيه الصراع إلى حدّه الأقصى: صراع على معنى البلد نفسه، وعلى موقعه، وعلى مستقبله.

لم يعد السؤال: هل هناك عدوان؟ بل: كيف نقرأ هذا العدوان؟ وهل نمتلك الجرأة لنسمّي الأشياء بأسمائها؟
ثمّة من لا يزال يصرّ على التعامل مع ما يجري كأنه سلسلة أحداث منفصلة، كأنّ الضربات العسكرية، والضغوط السياسية، ومحاولات إعادة تشكيل التوازنات الداخلية، ليست إلا تفاعلات ظرفية. لكنّ الحقيقة التي تفرض نفسها، بوقائعها لا بشعاراتها، هي أننا أمام مسار متكامل، طويل النفس، لا ينقطع عند وقف إطلاق نار، ولا ينتهي عند بيان دبلوماسي.
العدوان، بهذا المعنى، ليس لحظة، بل سياسة.

من هنا، يصبح من السذاجة الاعتقاد بأن ما جرى في أواخر عام 2024 كان نهاية مرحلة. الوقائع التي تلت ذلك تثبت العكس تماماً: استمرار الضربات، توسيع نطاق الاستهداف، الضغط المتزايد على الداخل اللبناني، ومحاولات فرض قواعد اشتباك جديدة تُفرِغ مفهوم السيادة من مضمونه. كل ذلك يشير إلى أن ما يُراد للبنان ليس مجرّد إخضاع عسكري، بل إعادة تشكيل شاملة لدوره ووظيفته في المنطقة.
وفي قلب هذا المشهد، يبرز الانقسام الداخلي بوصفه أخطر من أي تهديد خارجي. ليس لأن الاختلاف في الرأي مشكلة بحد ذاتها، بل لأن تحويل هذا الاختلاف إلى أداة شلل، أو إلى منصة لتصفية الحسابات، يفتح الباب أمام الخارج ليفرض شروطه.

هنا تحديداً، يظهر السؤال الحاسم: ما هو الردّ؟

هل الردّ هو التكيّف مع ميزان القوى كما هو، وقبول ما يُفرض من وقائع تحت عنوان الواقعية السياسية؟ أم أن الردّ يكمن في إعادة تعريف هذه الواقعية نفسها، بحيث لا تعني الاستسلام، بل إدارة الصراع بشروط تحفظ الحد الأدنى من الكرامة والسيادة؟
التاريخ اللبناني، بكل تناقضاته، يقدّم إجابة مركّبة. هذا البلد لم يُحكم يوماً بمنطق القوة الصافية، ولا استقرّ يوماً على معادلة مفروضة من الخارج دون مقاومة داخلية. في كل مرة جرت فيها محاولة تطويعه، كان ثمة عنصر ما يعيد خلط الأوراق، ويمنع تثبيت الهزيمة كقدر نهائي.

لكن ما يميّز اللحظة الراهنة هو تداخل المستويات بشكل غير مسبوق. لم يعد الصراع عسكرياً فقط، ولا سياسياً فقط، بل أصبح صراعاً على الوعي نفسه: على كيف نفهم ما يجري، وكيف نحدّد موقعنا فيه.
حين يُطرح، مثلاً، موضوع السلاح، لا يُطرح بوصفه نقاشاً تقنياً حول تنظيم القوة داخل الدولة، بل كجزء من معادلة أوسع: هل يُطلب من لبنان أن يتخلّى عن عناصر قوته في ظل استمرار التهديد، أم أن النقاش يجب أن يبدأ من إزالة هذا التهديد أولاً؟
وحين يُطرح التفاوض، لا يُطرح بوصفه خياراً سيادياً حراً، بل في ظل ميزان مختلّ، حيث يصبح التفاوض، عملياً، إعادة صياغة لشروط الاستسلام بلغة دبلوماسية.

هذه ليست تفاصيل، بل جوهر المسألة.
في المقابل، ثمّة خطاب آخر يتشكّل، يرى أن المواجهة ليست خياراً من بين خيارات، بل نتيجة حتمية لواقع مفروض. خطاب يعتبر أن الدفاع عن الأرض ليس شعاراً، بل ضرورة، وأن التراجع أمام الضغط لا يؤدّي إلى الاستقرار، بل إلى مزيد من الابتزاز.
لكن هذا الخطاب، بدوره، يواجه تحدياً أساسياً: كيف يتحوّل من تعبير عن موقف إلى مشروع وطني جامع؟ كيف يُترجم إلى رؤية قادرة على استيعاب كل اللبنانيين، لا أن تُقدَّم وكأنها خيار فئة دون أخرى؟

هنا تبرز فكرة الوحدة الوطنية، لا كشعار أخلاقي، بل كشرط استراتيجي. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث في ظل هذا النوع من الصراع هو أن يتحوّل الداخل إلى ساحة انقسام دائم، يُستنزف فيها البلد من الداخل، فيما يُستكمل الضغط عليه من الخارج.
الوحدة، في هذا السياق، لا تعني إلغاء الخلاف، بل إدارته ضمن سقف واضح: حماية البلد، منع انهياره، ورفض تحويله إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.

لكنّ هذه الوحدة لا تُبنى بالكلام وحده. تُبنى بقرارات، بمواقف، وبقدرة على التمييز بين ما هو خلاف سياسي مشروع، وما هو مسار يُضعِف البلد في لحظة مصيرية.

وفي خلفية كل ذلك، يظل البعد الإقليمي حاضراً بقوة. ما يجري في لبنان لا يمكن فصله عمّا يجري حوله. المنطقة بأكملها تعيش إعادة تشكيل كبرى، تتداخل فيها الحروب، والتحالفات، والتحوّلات الجيوسياسية. وفي هذا السياق، تصبح كل ساحة جزءاً من لوحة أكبر.
لكن هذا لا يعني أن لبنان مجرّد تفصيل. على العكس، تاريخه يثبت أنه غالباً ما يكون نقطة تقاطع، بل أحياناً نقطة انعطاف.
السؤال إذاً ليس فقط: ماذا يُراد من لبنان؟ بل أيضاً: ماذا يريد لبنان أن يكون؟

هل يقبل أن يُعاد تعريفه كمساحة خاضعة، تُدار من الخارج، وتُضبط توازناتها وفق مصالح الآخرين؟ أم يسعى، بكل ما يملك من إمكانات، إلى تثبيت موقعه كبلد قادر على الدفاع عن نفسه، وعلى فرض حد أدنى من استقلال قراره؟

هذه الأسئلة ليست نظرية. هي أسئلة يومية، تُترجم في كل قرار، وفي كل موقف، وفي كل خطاب.
في النهاية، قد لا يكون في وسع لبنان أن يغيّر موازين القوى العالمية، لكنه بالتأكيد قادر على أن يحدّد موقعه داخلها. والفرق كبير بين بلد يُدفع إلى موقع الضعف دون مقاومة، وبلد يفاوض من موقع صمود، مهما كانت الكلفة.

في زمن كهذا، لا يكون الحياد خياراً حقيقياً، بل يكون وهماً مريحاً. لأن من لا يحدّد موقعه، يُحدَّد له موقعه.
وإذا كان من درس يمكن استخلاصه من كل ما يجري، فهو أن المعركة، في جوهرها، ليست فقط على الأرض، بل على المعنى: معنى السيادة، معنى الكرامة، ومعنى أن يكون للبنان مستقبل يُصاغ بإرادته، لا بإملاءات الآخرين.
هذا هو الرهان الحقيقي. وما عداه تفاصيل.

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك