ماذا لو كان رئيسا الجمهورية والحكومة داعمَين للمقاومة؟

في زمن يقتل فيه جيش العدو الإسرائيلي الأطفال والطواقم الطبية والصحافيين والأساتذة الجامعيين ويقصف القرى والبلدات اللبنانية يومياً، وتحاول دباباته احتلال الجنوب نسأل: ماذا لو كان رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام داعمَين لمقاومة العدو الذي يعتدي بوحشية على لبنان واللبنانيين؟
ماذا لو تخلّت السلطة عن عدائها للمقاومة ووقفت حيث يفترض أن تقف: خلف من يدافع عن لبنان ويضحّي بحياته وبكل ما لديه لمنع العدو من توسيع احتلاله لجنوب لبنان؟
لو حصل ذلك، لتغيّرت المعادلة بالكامل: كانت الدولة ستستعيد مكانتها ومعناها الحقيقي. كيف؟
الدولة ليست بعثة دبلوماسية ولا وكالة محلية لاسترضاء الخارج. بل يفترض أن تكون صاحبة موقف وقرار وإرادة. عندما تتبنى القيادة السياسية خيار المقاومة فإنها تعلن بوضوح أن سيادة لبنان ليست موضوعاً للنقاش وأن الدم اللبناني ليس تفصيلاً يمكن تجاوزه.
لعل أخطر ما يواجهه لبنان اليوم ليس فقط العدوان الخارجي بل التناقض الداخلي المشؤوم: مقاومة تقاتل وتقدّم التضحيات، وسلطة سياسية تتصرف وكأنها، بالحد الأدنى، غير معنية بالدفاع عن لبنان بوجه الغزاة. لا بل سلطة تطلب معاهدة سلام مع العدو الذي يواصل قتل اللبنانيين وخطفهم وتعذيبهم واحتلال أرضهم وبيوتهم.
لو كان رئيسا الجمهورية والحكومة داعمَين لمقاومة العدو الاسرائيلي لسقط هذا التناقض الداخلي ولتحوّلت المعركة إلى معركة وطنية جامعة، لا معركة طرف يدافع ببسالة عن لبنان، وطرف يبرّر العدوان ويتنصل من مسؤولياته الوطنية. وكان الدعم الرسمي للمقاومة سيخلق جبهة داخلية صلبة لا يمكن اختراقها. فعندما يكون القرار السياسي موحّداً تصبح أي محاولة خارجية للضغط أو الابتزاز بلا جدوى. والكيان الإسرائيلي المجرم يراهن على انقسام اللبنانيين، ويعوّل على ان هذا الشرخ يتيح له الاعتداء على لبنان واحتلال الجنوب، بينما يلوم بعض اللبنانيين لبنانيين آخرين بدل ان يلوموا العدو الإسرائيلي ويتصدون له.
دعم السلطة الرسمية في لبنان للمقاومة يضاعف قوة ردع العدو. فالمقاومة التي تصيب أهدافاً عسكرية إسرائيلية في العمق يمكن ان تتحول إلى تعبير كامل عن إرادة دولة. ولا شك في أن ذلك يقوي موقفها أمام الولايات المتحدة والأوروبيين الداعمين بشكل مطلق للكيان الإسرائيلي المجرم. وعندما تكون المقاومة مدعومة من أعلى هرم السلطة يمكن رفع كلفة العدوان إلى مستويات لا يمكن لإسرائيل تحمّلها.
العالم لا يحترم الضعفاء ولا المنقسمين ولا المترددين، بل ان القوة هي التي تصنع المكانة في ميزان العلاقات الدولية. ولو كان لبنان يتحدث بصوت واحد مدعوماً بمقاومة فاعلة لكان قادراً على فرض شروطه لا انتظار ما يُفرض عليه. وأي مفاوضات مستقبلية كانت ستجري من موقع الندّية، لا من موقع التوسّل.
ولا شك في ان الدعم الرسمي للمقاومة يعيد أيضاً الاعتبار لمبدأ الكرامة الوطنية. فعندما يشعر المواطن أن دولته تقف معه وتدافع عنه وتحميه يصبح أكثر استعداداً للصمود وأكثر ثقة بمستقبله. أما حين يرى التخاذل والتراجع والتحريض، يتعمّق الانقسام وترتفع وتيرة التوتر الداخلي بين أبناء الوطن الواحد.
الوقوف مع المقاومة لا يفترض أن يكون خياراً يمكن أخذه أو تركه بل هو الموقف الطبيعي لأي دولة تتعرض لاعتداء خارجي. هناك عدو يقتل ويدمّر، وهناك من يقف في وجهه، أين يجب أن تكون الدولة؟ الإجابة لا تحتاج إلى نقاش.
فلو كان هذا الدعم قائماً، لما كان لبنان ساحة مفتوحة للغارات الإسرائيلية اليومية، ولما كان العدو يتصرف بهذه الجرأة.
لو كان رئيسا الجمهورية والحكومة داعمين للمقاومة لكان لبنان اليوم بلداً مختلفاً: أكثر قوة، أكثر وحدة، أكثر حضوراً. وكان سيملك قراراً واضحاً وجبهة داخلية متماسكة وقدرة حقيقية على فرض معادلاته.
لا مكان للحياد ولا للتردد في مواجهة عدو لا يفهم إلا لغة القوة. إما أن تكون الدولة مع شعبها في معركة الدفاع عن أرضه، أو تتركه يواجه مصيره وحيداً. وفي مثل هذه اللحظات، التاريخ لا يرحم من اختار الوقوف في المنطقة الرمادية.
