أية خلاصات عربية لحرب الخليج الخامسة؟

بعد مرور شهر على الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، وبلحظ تفاصيلها، والتوازنات التي أنتجتها، وإن كانت هذي الأخيرة لم تهتد بعد إلى "بر" يمكن لها أن ترسو عليه، بات من نافل القول أن تلك الحرب ليست حرباً بين دولتين ضد ثالثة، بل هي حرب عالمية يخوضها الثالوث، آنف الذكر، بالوكالة، ومن المقدر لها في النهاية، تبعا للنتائج التي ستفضي إليها، أن تغير وجه المنطقة وتوازناتها، إن لم يكن وجه العالم وتوازناته أيضاً، وما يجري في الأيام الأخيرة، وصولاً إلى هذه اللحظة، هو محاولة لحصر تداعيات تلك الحرب في قوالب الشرق الأوسط، بدل أن تمتد تداعياتها إلى قوالب عالمية راحت تبدي تململها جراء حالة "الثبات" التي مرت بها على امتداد ما يزيد عن العقود الثلاثة.
من نافل القول اليوم أن المنطقة العربية، برمتها، باتت عرضة لأكبر تهديد في تاريخها، وهو أخطر، بما لا يقاس، من الحملات الصليبية التي كانت عرضة لها في الفترة الممتدة ما بين عامي 1096-1291، فالأخيرة كانت قد فشلت في تحقيق مرماها الأبعد المتمثل في محاولة تمزيق الهويتين القومية والدينية لشعوب المنطقة، ولربما كان مرد ذلك هو وحدة الشعور الجمعي لهذي الأخيرة في بوتقة واحدة. في حين باتت تينك الهويتين، ما بعد "مشرط" سايكس بيكو 1916، على محك صعب، من حيث أن الأخير استطاع تقسيم ذلك الشعور الجمعي ليحط رحاله في "بواتق" عدة.
وزاد على مفاعيل "المشرط" ما راحت تقذف به "مختبرات" الغرب، التي عملت على إنتاج بنى وتراكيب مضادة، هدفها الأساس هو ضرب المرتكزات التي يمكن لمشروع الأمن القومي العربي أن يستند عليها، الأمر الذي يمكن لحظه بقوة خلال عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، حتى إذا ما تبينت قوة تدفق النفط، وعيارها، بات من السهل توظيف "إماراتها" في هكذا سياق، عبر حقن تلك الإمارات بعقار طبي اسمه "العملقة"، الذي غالباً ما يدفع بها لدور، أو لبناء سياسات متفلتة من ضوابط التاريخ والجغرافيا على حد سواء.
وإذا ما كان من المبكر استخلاص "العبر"، التي يتوجب استخلاصها من حمأة النار المنذرية على امتداد المنطقة، قبيل أن تميل ألسنة اللهب فتلامس الرماد، فإن من الممكن، استناداً لما جرى حتى الآن، الوصول إلى الخلاصات التالية:
- إن مصائر شعوب المنطقة مرتهنة ببعضها البعض، وإن أمنها يجب أن يقوم على أسس تفرضها حقائق الجغرافيا والتاريخ أولاً، ثم تفرضها طبيعة المصالح القائمة، المشتركة منها والمتضادة. ولا ضير في أن تأخذ الاعتبارات التي يبنى عليها ذلك الأمن توازن المصالح غرباً وشرقاً.
- أن تقوم الركيزة الأولى لتلك الأسس على قاعدة اليقين بأن هذا العالم لا يحترم إلا الأقوياء، ومَن يستطيع حماية مصالحه، وحقوقه ومبادئه، عبر الوسائل المتاحة كافة التي يجب أن يكون على رأسها حقائق القوة، التي تفرض على الآخر سلوك "الإصغاء" لما يراد قوله، وهذي الأخيرة تبدأ عند التأسيس لبناء قوة عسكرية وتكنولوجية حقيقية، وتمر ببناء درع ديبلوماسي ووسائل إعلام يصل دورها إلى حد تصنيع الاستراتيجيات الفاعلة، والتي لا تكتفي برد الفعل، ثم تصل إلى وضع خطط وبرامج تجيب على أسئلة من نوع: من نحن ؟ وماذا نريد؟ حيث يمكن للعالم أن يعرفنا من خلال الأجوبة عليها. صحيح أن هذا يحتاج إلى الكثير من الوقت، وأن الأنظمة العربية قد أضاعت، منذ استقلالها، الكثير منه، لكن لا بديل عن البدء بتلك الخطوات التي شكّلت أساساً لـ"قيامة" ألمانيا واليابان اللتين كانتا تعيشان، ربيع العام 1945 وصيفه، وضعاً هو أصعب مما نحن فيه الآن.
قد يقول قائل، وفي القول ما يدعو إليه، إنّ المنطقة باتت "عجينية" القوام، فيما المخطط البعيد، وفق تراسيمه الظاهرة، يقوم على تدعيم التفكيك الداخلي لـ"عمدان وجسور" سوريا والعراق، بوصفهما مسرحاً أول لكل التحولات التي يمكن لها أن تجري على امتداد المنطقة، والمؤكد هو أن الكثير في هذا القول الأخير مما يجانب الصواب، ومن ثم يتوسع الفعل ليشمل دول الخليج ومصر، لتحط المواجهات رحالها الأخير في تركيا في إطار تغيير شامل لبنيان المنطقة، ولموازين القوى فيها، لكن السؤال الأهم هنا: ما الذي فعله الجزء العربي "غير العجيني"؟ ذاك الذي حافظ على جزء من صلابته بفعل عدم هبوب رياح "الربيع العربي" عليه، لسبب أو لآخر.
أما كان من الممكن لو أن "مجلس التعاون الخليجي" قد ذهب نحو لعب دور "تصليبي" لتلك "العجينة" أن يشكل درعاً واقياً أمام تلك المسارات التي كانت تهدف، برمّتها، إلى " تسييل" العجينة أكثر فأكثر؟ ثم أما آن الأوان لذلك "المجلس"، الذي لم يكن أكثر من منصة إسنادية لاستقرار، أو اضطراب، بورصات النفط العالمية، من أن يخرج عن وظيفيته تلك، فينحو صوب اجتراح سياسات تهتدي بعوامل الجغرافيا والتاريخ، التي تفيد بأن عوامل "التشظي" إذا ما حققت إحدى نجاحاتها، فإن عدواها منتقلة، لا محالة، لتطيح بالجوارين الأقرب فالأبعد؟ ثم أما آن الأوان للخروج من "الفلسفة" التي اعتمدها الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، الذي قال العام 1994 في معرض تسويقه لـ"اتفاق أوسلو": إنّ "مصر خسرت في حروبها مع إسرائيل 100 مليار دولار، فماذا جنت؟".
ولعلنا نضيف إلى ما قاله مبارك إنّ مصر خسرت أيضاً في تلك الحروب عشرات الآلاف من الشهداء وأضعافهم من الجرحى، وهو "ثمن" يفوق بأضعاف الأثمان التي ذكرها هذا الأخير، الذي اهتدى الخليج من أقصاه إلى أقصاه بـ"فلسفته" المختصرة تلك. لكن السؤال الذي يبرز هنا: ماذا لو فكرت فرنسا وبريطانيا والاتحاد السوفياتي، عشية الهجوم الألماني البادئ على الأولى خريف العام 1939، والواصل للأخيرة صيف العام 1941، بالطريقة التي فكّر بها مبارك؟
*كاتب سوري
