ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

لبنان على تخوم منطق فيشي

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
كريم حداد
كريم حداد
الثلاثاء 31 آذار 2026
الخط


سقوط الدول لا يبدأ عادةً بالدبابات، بل باللغة. اللغة التي تعيد تعريف الواقع بحيث يصبح الاحتلال «نزاعاً»، والمقاومة «خروجاً عن القانون»، والتبعية «واقعية سياسية». في هذه اللحظة تحديداً، يصبح القياس التاريخي ضرورة تحليلية، لا ترفاً بلاغياً. ومن هنا، يفرض تشبيه الحكومة اللبنانية الراهنة بنظام فيشي نفسه كأداة لفهم ما يجري، لا بوصفه تطابقاً حرفياً، بل كتماثل في البنية والوظيفة والمنطق السياسي.

نظام فيشي، كما يبيّنه الكتاب الصادر حديثاً بعنوان: «فيشي: تاريخ ديكتاتورية»، لم يكن مجرّد سلطة ضعيفة تحت الاحتلال الألماني، بل كان مشروعاً سياسياً قائماً بذاته: سلطة اختارت أن تعيد تعريف الوطنية بما يتوافق مع شروط المحتل، وأن ترى في التعاون معه طريقاً «لإنقاذ الدولة». هذا الانقلاب في المفاهيم هو النقطة المركزية التي تجعل المقارنة ممكنة. فالمشكلة لم تكن فقط في الاحتلال، بل في السلطة التي قرّرت أن تعيد صياغة معنى السيادة وفق شروطه.

في الحالة اللبنانية الراهنة، نرى آلية مشابهة تعمل بهدوء ولكن بفعّالية. حين تُوصَف مقاومة الاحتلال بأنها «خارجة عن القانون»، فإن القانون نفسه يُعاد تعريفه بحيث يصبح متطابقاً مع مصلحة القوة المعتدية. ولا يعود القانون إطاراً لحماية المجتمع، بل أداة لضبطه ومنعه من الدفاع عن نفسه. وهذا بالضبط ما فعله نظام فيشي عندما جعل من طاعة الأوامر الألمانية جزءاً من «الشرعية»، وحوّل أي مقاومة إلى فعل إجرامي.

الأمر لا يتوقّف عند مستوى الخطاب، بل يمتد إلى مستوى الممارسة السياسية. فيشي لم يكتفِ بالحياد أو التكيّف، بل اندفع نحو التعاون الفعلي، مقتنعاً بأن المستقبل يُصنع عبر الانخراط في النظام الذي يفرضه المنتصر. وهذا ما نراه اليوم في اللهاث نحو المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، رغم استمرار العدوان وسقوط المدنيين. المفاوضات هنا لا تُطرح كأداة قوة أو توازن، بل كبديل عن المقاومة، وكإقرار ضمني بأن ميزان القوى يُحسم عبر القبول بشروط الخصم لا بمواجهته.

هذا السلوك يعكس ما يمكن تسميته «عقلية التكيّف مع الهيمنة». فيشي كان يعتقد أن ألمانيا النازية ستنتصر وأن على فرنسا أن تجد مكانها داخل هذا النظام الجديد. واليوم، تُبنى السياسات على افتراض ضمني بأن الهيمنة الأميركية – الإسرائيلية قدر لا يمكن كسره، وأن أقصى ما يمكن فعله هو تحسين شروط الاندماج فيها. هنا تحديداً تتحوّل السياسة إلى إدارة للهزيمة، لا محاولة لتغيير شروطها.

لكنّ التشابه الأعمق يكمن في بنية التبعية نفسها. نظام فيشي لم يكن مجرّد أداة ألمانية، بل كان أيضاً تعبيراً عن تحالف داخلي بين نخب سياسية واقتصادية رأت في النظام الجديد فرصة لإعادة ترتيب المجتمع وفق رؤيتها. أي إن التبعية لم تكن مفروضة فقط من الخارج، بل وجدت حواملها في الداخل. وهذا ما يجعل الحديث عن «الوصاية» اليوم أكثر تعقيداً: فهي ليست مجرّد ضغط خارجي، بل علاقة عضوية بين قوى داخلية ومراكز نفوذ خارجية.

عندما يصبح الاحتلال مشكلة تحتاج إلى إدارة، وتتحوّل المقاومة إلى مشكلة تحتاج إلى حلّ، نكون أمام منظومة من المصالح الداخلية المتماهية مع مشروع الوصاية أو مشروع العدو

حين يُشار إلى الوصاية السعودية – الأميركية، فإن المسألة لا تتعلق فقط بالتأثير السياسي أو المالي، بل بإعادة تشكيل المجال السياسي اللبناني نفسه وفق أولويات خارجية: ضبط المقاومة، إعادة تعريف التهديد، وتحويل الصراع من صراع مع الاحتلال إلى صراع داخلي حول «الشرعية». بهذا المعنى، يصبح الاحتلال «مشكلة قابلة للإدارة»، بينما تتحوّل المقاومة إلى «مشكلة يجب حلها».

فيشي قام بالعملية نفسها عندما جعل من «إعادة النظام» داخل المجتمع أولوية تفوق مواجهة الاحتلال. فبدل أن يكون العدو هو القوة الغازية، أصبح العدو هو كل ما يهدّد النظام الداخلي الجديد: المعارضون، المقاومون، وحتى فئات اجتماعية بعينها. هذا الانزياح في تعريف العدو هو ما يفتح الباب أمام سياسات قمعية تُبرَّر باسم «الاستقرار».

ولا يمكن فهم هذا التحوّل دون التوقف عند دور الإعلام. فيشي اعتمد على خطاب يبرّر التعاون ويقدّمه كخيار عقلاني، ويشيطن المقاومة باعتبارها مغامرة غير مسؤولة. اليوم، يُعاد إنتاج الخطاب نفسه: التركيز على كلفة المقاومة، تجاهل كلفة الاحتلال، وتقديم المفاوضات كخيار وحيد «واقعي». الإعلام هنا لا يعكس الواقع، بل يعيد تشكيله، بحيث يصبح ما هو استثنائي – قبول العدوان – أمراً طبيعياً.

ومع ذلك، لا بد من التنبيه إلى أن التشبيه لا يعني التطابق. لبنان ليس فرنسا 1940، والظروف الدولية مختلفة، والمجتمع أكثر تعدّدية وتعقيداً. لكن هذا لا يلغي وجود نمط سياسي يمكن رصده: نمط يقوم على تحويل الدولة من أداة حماية للمجتمع إلى وسيط بينه وبين القوة المهيمنة، وعلى إعادة تعريف الشرعية بحيث تتطابق مع شروط هذه القوة.

استدعاء تجربة فيشي ليس مجرّد درس تاريخي، بل بنية متكرّرة في لحظات الانهيار: حين تعجز السلطة عن مواجهة التحدّي، تختار إعادة تعريفه. الاحتلال يصبح «واقعاً»، المقاومة تصبح «مشكلة»، والتبعية تصبح «حكمة». عند هذه النقطة، لا تعود المسألة مسألة سياسات خاطئة، بل مسألة تصوّر كامل للعالم، يحدّد ما يمكن التفكير فيه وما يجب استبعاده.

الواجب الوطني الذي يحفظ الدولة اللبنانية اليوم لا يُختزل في إدارة التوازنات أو تحسين شروط التفاوض، بل يتجسّد أولاً وأخيراً في حماية المجتمع من العدوان، أي في مقاومة الاحتلال بكل ما تتيحه الإمكانات. فالدولة، في معناها العميق، ليست جهازاً إدارياً محايداً، بل هي إطارٌ لضمان البقاء الجماعي وصون الأرض والسيادة. وحين تتعرّض هذه الأسس لتهديد مباشر، كما هو الحال في ظل الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على الأراضي اللبنانية واستهداف المدنيين والإعلاميين والمسعفين، يصبح الدفاع واجباً لا خياراً، وتغدو المقاومة وظيفة سيادية لا فعلاً خارجاً عنها.

إن توصيف المقاومين بأنهم «خارجون عن القانون» لا يعكس واقعاً قانونياً بقدر ما يكشف عن أزمة في تعريف القانون ذاته: هل القانون هو ما ينسجم مع مصلحة المجتمع في الدفاع عن نفسه، أم ما يتوافق مع شروط القوة المعتدية ويُفرض تحت ضغطها؟ هنا ينكشف جوهر المسألة، حيث يتحوّل الخلاف من نقاش قانوني إلى صراع على معنى الدولة ووظيفتها.

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

لبنانصفعة لعيسى ورجي: شيباني باقٍ في بيروت
الأخبار

25.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك