الارتداد الأميركي عن سياســة أوباما الانسحابية من الشرق الأوسط

ترك جورج بوش الابن لإدارة باراك أوباما، التي أتت إلى البيت الأبيض عام 2009 بعده، تبعات غزوين فاشلين لأفغانستان والعراق، ومشروعاً أميركياً لم يرَ النور من أجل بناء «شرق أوسط جديد» تمّ طرحه بعد عشرة أشهر من احتلال بغداد في يوم 9 نيسان 2003. عملياً، أدّى سقوط نظام «طالبان» في أفغانستان عام 2001 بعد الغزو الأميركي، ثم سقوط نظام صدام حسين، إلى نتيجة لم تكن أكثر من تحوّل إيران إلى القوة الإقليمية الأكبر في المنطقة. وقد انشغل بوش الابن خلال أعوام 2006-2008 في استراتيجية كان هدفها الأكبر وقف المد الإقليمي الإيراني، الذي نتج من عدم قدرة واشنطن على وضع رؤية لليوم التالي لما فعلته في كابول 2001 وبغداد 2003.
انشغل باراك أوباما في سياسات كان هدفها تخفيف الضرر من سياسات سلفه: اتّبع «استراتيجية الخروج» العسكري من العراق الذي اكتمل في اليوم الأخير من عام 2011، ومن أفغانستان، وبعد أن جهد عبر انتخابات برلمان 7 آذار 2010 لكي يضمن حكومة عراقية بعيدة عن طهران بزعامة إياد علاوي، من خلال دعم إقليمي سعودي-تركي-سوري لـ«القائمة العراقية» التي حلّت أولاً في تلك الانتخابات من دون الفوز بالأكثرية، فإن مسعاه هذا لم يصب النجاح نتيجة اتفاق إيراني-سوري في الشهر العاشر من ذلك العام ساهم في تولي نوري المالكي من جديد، وبالتعاون مع جلال الطالباني والصدريين، لرئاسة الوزارة العراقية من جديد. في أفغانستان، تركّزت كل «استراتيجية الخروج» عند أوباما في ضمان اتفاق يعترف بحركة «طالبان» من جديد، وبشكل «ما» بسلطة ما بعد تموز 2014 الأفغانية، بتشارك مع حميد كارزاي.
وهو ما رفضته الحركة التي قبلت بفك علاقتها مع «القاعدة» مقابل ضمان وصولها إلى السلطة، ولكن من دون إعطاء وعود بفك علاقتها مع امتدادها الإقليمي عند «حركة طالبان باكستان». وقد رأينا كيف عقد دونالد ترامب اتفاق 29 شباط 2020 مع «طالبان» للانسحاب الأميركي من أفغانستان، ثم حصل هذا الانسحاب مع تسليم أميركي للسلطة إلى «طالبان» في كابول في 15 آب 2021 في عهد إدارة جو بايدن.
هنا، كان غزو الولايات المتحدة لأفغانستان قد أنشأ توترات مع المؤسسة العسكرية الباكستانية التي شكّلت حتى سقوط «طالبان» ظهيراً إقليمياً لأكثرية الباشتون في أفغانستان، قبل أن يأتي الغزو الأميركي بحكم «تحالف الشمال» المؤلّف من الطاجيك والهزارة الشيعة والأوزبك مع الواجهة الباشتونية التي مثّلها كارزاي.
وقد قصد أوباما من الجهود الكبيرة، التي بذلها في سنتي 2011 و2012 للاتفاق مع «طالبان»، إلى إرضاء إسلام آباد التي رأت في حكم الحركة في كابول مدخلاً لتحجيم واحتواء خطر «طالبان باكستان» و«القاعدة» وفي الوقت نفسه تقوية لدورها الإقليمي عند واشنطن بعد تقاربات أميركية-هندية أقلقت الباكستانيين منذ ضرب برجَي نيويورك في 11 أيلول 2001، كانت هي السبب الرئيسي في إقناع الجنرال برويز مشرف بعدها بغضّ النظر الباكستاني مُرغماً عن وصول أعداء إسلام آباد في «تحالف الشمال» إلى السلطة في كابول.
كان أوباما في أفغانستان مصمّماً على أن لا يترك كابول كما حصل ببغداد في 31 كانون الأول، 2011 مع حكومة عراقية يهيمن عليها خصوم واشنطن في طهران، الذين حصدوا ثمار الغزو الأميركي لبلاد الرافدين: من أجل احتواء إيران اتجه أوباما إلى تقاربات مع أنقرة والرياض، بعد توترات أميركية مع السعودية عقب 11 أيلول، ثم مع كل من الأتراك والسعوديين الذين اجتمعوا على الخشية من عقابيل التحالف الأميركي-الإيراني في أثناء غزو واحتلال العراق عام 2003.
هنا، لا يمكن فصل هذه التقاربات الأميركية عند أوباما عن سياسات اتبعتها أنقرة والرياض في عامي 2009 و2010 لخطب ودّ دمشق في الموضوعين العراقي واللبناني (ما سمّاه الرئيس نبيه بري بـ«معادلة س.س»، السعودية وسوريا، وهو ما أنتج حكومة سعد الحريري عام 2009) لإبعادها عن طهران، قبل أن تبوء هذه المحاولات بالفشل في بغداد خريفَ 2010 مع صعود المالكي إلى السلطة من جديد بتقاربات إيرانية-سورية كانت مفتقدة بين طهران ودمشق حتى تاريخه في الموضوع العراقي منذ غزو واحتلال العراق بخلاف تلاقيهما في الملفين اللبناني والفلسطيني، ثم في بيروت الشهر الأول من عام 2011 مع الجهد الإيراني-السوري في إسقاط الحكومة اللبنانية برئاسة سعد الحريري وفي الإتيان بحكومة كانت بعيدة عن التوافق السوري-السعودي.
في بداية عام 2011 كان واضحاً فشل سياسة أوباما تجاه دمشق من ناحية نقلها بعيداً عن طهران، كما وضح مقدار المكاسب الإقليمية الإيرانية في بغداد ثم في بيروت: ربما كان هذا هو السبب في تلك النقلة النوعية التي مارستها الإدارة الأميركية، في الأيام الأولى من شهر شباط 2011، بالتخلّي عن حليفها الرئيس مبارك في القاهرة وتركه يسقط أمام مدّ جماهيري وثورة وضح من خلال مجرياتها أن الإسلاميين هم قوتها الاجتماعية السياسية الأكبر، وهو ما عنى تخلياً عند الأميركيين عن سياسة تفضيل «الدبابة» على «العمامة» التي اتبعوها في مصر وتونس والجزائر بين عامي 1991 و2010 التي أعطت مؤشرات إلى نأي وطلاق الأميركيين عن تحالفهم الذي كان في زمن الحرب الباردة مع الإسلاميين ضد السوفيات.
ولتعطي سياسة أوباما الجديدة في متغيّرات القاهرة وطرابلس الغرب وصنعاء عام 2011 عودة لذلك التحالف مع الإسلاميين من جديد: أولاً، للعوم الأميركي مع متغيّرات داخلية أتت ضد أنظمة كان واضحاً انتهاء صلاحياتها لدى مجتمعاتها. وثانياً، للتحالف مع هذه الموجة الإسلامية، التي كان الأصوليون الإخوانيون عمادها، والتي كان التقدير الأميركي آنذاك بأنها ستتجه تلقائياً ضد إيران وحلفائها الإقليميين في بغداد ودمشق والضاحية الجنوبية لبيروت، وضد موسكو وبكين.
في أثناء قيام حركات جماهيرية شهدتها المجتمعات العربية خلال عام 2011، لم تكن فيها شعارات تتعلق بفلسطين أو العروبة أو ضد الغرب الأميركي-الأوروبي وإنما تركّزت على مطالب تتعلق بالأوضاع الداخلية العربية، كان عوم واشنطن مع موجتها شبيهاً بعومها مع الموجات الديمقراطية ضد حلفاء واشنطن العسكريين في أميركا الجنوبية وشرق آسيا في النصف الثاني من الثمانينيات، ثم باستفادتها من الموجة الديمقراطية ضد خصوم وأضداد الأميركيين في «الكتلة الشرقية» في خريف عام 1989. من مجرى سياق تحوّلات عام 2011 أنشأت واشنطن بسياستها تلك وضعية جعلت مرشد «الإخوان المسلمين» محمد بديع وزعيم حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي في حالة تشبه وضعية فاكلاف هافل وليش فاليسا تجاه الغرب الأميركي في أوائل التسعينيات. هذا على صعيد الداخل تجاه الخارج، أمّا على الصعيد الجيوبوليتيكي فقد أدّت سياسات أوباما في العوم مع المتغيّرات العربية الداخلية إلى مكاسب أميركية جعلت مكانة واشنطن الاستراتيجية أقوى في منطقة الشرق الأوسط، وجعلت خصومها في طهران بوضعية أضعف بالقياس مع فترة 2006-2010، وهو ما انطبق أيضاً على موسكو التي حاولت من خلال الأزمة السورية (منذ آذار 2011) منع خروجها الأخير من الشرق الأوسط بعد قاهرة 1974 وعدن 1990 وبغداد 2003 وطرابلس الغرب 2011.
لم تنجح سياسة باراك أوباما مع الأصولية الإسلامية الإخوانية، وبالتالي فإنه اتّجه للالتفات والعودة والارتداد إلى سياسة واشنطن في فترة 1991-2010 للاعتماد على العسكر من جديد ضد الإسلاميين، وكان التجسيد الأكبر لذلك من خلال الغطاء الأميركي لانقلاب الفريق عبد الفتاح السيسي على حكم الإسلاميين المصريين في يوم 3 يوليو 2013، وهو ما تزامن مع اتجاه واشنطن منذ اتفاق موسكو بين وزيري الخارجية الأميركي جون كيري والروسي سيرغي لافروف في 7 أيار 2013 لبدء تعاون في الملف السوري بعيداً عن التوافق بين واشنطن وأنقرة الذي كان ضد بشار الأسد عامي 2011 و2012، ثم كانت ترجمات «اتفاق موسكو» في اتفاق الكيماوي السوري (14 أيلول 2013) وفي القرار 2254 (2015) بعد شهرين ونصف شهر من التدخل العسكري الروسي في سوريا في 30 أيلول 2015، ومن جهة ثانية رأينا بالتزامن اتجاه أوباما نحو اتفاق مع طهران على الملف النووي عام 2015 كان من تضميناته توافق أميركي-إيراني على بقاء بشار الأسد وعلى تشارك أميركي-إيراني على محاربة «داعش» وغضّ واشنطن النظر عن نمو النفوذ الإقليمي الإيراني في الإقليم في العراق وسوريا ولبنان وفلسطين واليمن.
هنا، لم تكن سياسات أوباما متركّزة على جبر ضرر سياسات بوش الابن في أفغانستان والعراق، فقط، بل انبنت أساساً من خلال رؤية ترى أن التركيز الأميركي يجب أن يكون ضد الصين في الشرق الأقصى لمواجهة تعملقها الاقتصادي الذي كان الرأي الأميركي بأنه سيُترجم لاحقاً في المجالات العسكرية والسياسية، وأن الشرق الأوسط لم يعد مهماً مع وصول أميركا في عهد أوباما إلى «الاستقلال النفطي»، وبالتالي يمكن تركه لإيران وروسيا، بوصفه قطعة حلوى، تغريهما للابتعاد عن الصين.
بعد الحرب الأوكرانية منذ 2022 وبعد 7 أكتوبر 2023 اكتشفت واشنطن وجود تحالف ثلاثي صيني-روسي-إيراني تمظهر من خلال الحرب الأوكرانية، كما اكتشف الأميركيون بعد حروب 7 أكتوبر أن الشرق الأوسط ما زال «قلب العالم» كما قال الجنرال ديغول وأنه قادر على قلقلة التوازن العالمي، وأنه يمكن التأثير والضغط على الصين من خلال الشرق الأوسط الذي تستورد أكثر من نصف احتياجاتها النفطية منه.
وهي احتاجت عام 2024 إلى 74% من المستوردات النفطية أي 11مليون برميل لتغطية الاستهلاك اليومي لها من النفط، ومع الإشارة إلى أن 90%من المستوردات النفطية الصينية هي عبر البحر، ما يجعل وضع مضائق مثل هرمز ومالاقا، الواصل بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي، بالغ الحيوية للصين، وأيضاً تكون تلك المضائق أوراق ضغط أميركية ضد الصين (وفق مصادر، في عام 2024 أتت 44% من المستوردات الصينية النفطية من الشرق الأوسط).
مع الإشارة إلى أنه في مضيق مالاقا تمرّ 80% من المستوردات النفطية الصينية، وهو مضيق توجد فيه قاعدة عسكرية أميركية، لذلك تحاول الصين إنشاء أنبوب نفط يصل ساحل ميانمار بالبر الصيني، وتشجع تايلاند على إنشاء قناة تصل بين ساحليها في المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي لتفادي المرور عبر مضيق مالاقا. والصين منذ عام 2013 استأجرت مرفأ غوادار في باكستان من أجل أن يكون طريقاً التفافياً عن مضيق مالاقا لتصل عبر سكك حديد وأوتوسترادات للبر الصيني، منه وإليه، المستوردات والصادرات الصينية، وكذلك أنشأت الصين أنبوباً للغاز المُسال يصل إلى البر الصيني من غوادار.
لذلك نرى الآن عودة أميركية إلى الشرق الأوسط، ووضعاً لسياسة أوباما الانسحابية من الشرق الأوسط على الرف. وحربا حزيران 2025 و28 شباط 2026 ضد إيران هما أكبر تعبير عن هذه العودة الأميركية إلى الشرق الأوسط. وباب هذه العودة هو محاولة تحجيم وتطويع إيران أميركياً. إيران التي أصبحت خلال العقدين الماضيين، في فترتي جورج بوش الابن وباراك أوباما، هي «القوة الإقليمية العظمى»، والتي تُعدّ الصين أكبر مستورد للنفط منها، والتي هي المتحكّمة بمضيق هرمز الذي تمر عبره غالبية مستوردات الصين النفطية الشرق أوسطية.
* كاتب سوري
