ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

حملة صليبية يقودها متحرّشون

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
سارة الدنف
سارة الدنف
الجمعة 3 نيسان 2026
الخط

في واشنطن اليوم، ليست روائح الفضائح وحدها ما يزكم الأنوف؛ فالجميع على ما يبدو اعتاد العيش في تلك «البالوعة» السياسية المطليّة بالذهب، وحفلات روتشيلد السوريالية، كما صلوات المكاتب البيضاوية والتي باتت تتجاوز المنطق السياسي لتظهر لنا كشرخ في الزمن، لم نعد نمتلك من مفاتيح تفكيكه سوى رائحة طفيفة من عودة الصراعات الدينية. هكذا تتحضّر على ما يبدو جنازة الحداثة الغربية، حيث تتحوّل القوة العسكرية العظمى إلى مجرّد «ميليشيا إلهية»، تخفي تحت قمصانها ندوب الأحقاد التاريخية التي ظنّ العالم أنها دُفنت في مقابر القرون الوسطى.

منذ بدايات الولاية الأولى للرئيس المجنون، لم يتوارَ وزير حربه الحالي، بيت هيغسيث، الذي كان في السابق مجرّد وجه تلفزيوني في «فوكس نيوز»، عن التحريض الممنهج لقصف إيران. ففي كتابه «الحملة الصليبية الأميركية: معركتنا للبقاء أحراراً» (American Crusade: Our Fight to Stay Free)، لا يقدّم هيغسيث رؤية سياسية، بل يطرح «بياناً عقائدياً» يرى فيه أن الولايات المتحدة في حالة صراع وجودي. هذا «المبشّر بالدم» يختزل السياسة الخارجية في فوهة بندقية، معتبراً أن الدبلوماسية ليست سوى مضيعة للوقت في صراع لا يتحقّق فيه الخلاص إلا بمحو الآخر.

ومَن الآخر؟ في الدّاخل هو اليسار الذي يهدّد حسب قوله «الحضارة الغربية»، وفي الخارج هو ما يسمّيه بـ«الإسلاموية»، ويجادل بأن «الإسلام ليس دين سلام»، كما يدعو فيه صراحة إلى «حملة صليبية» لاستعادة الهيمنة الغربية على رسن العالم. سبقه لهذا التحليل، صامويل هانتنغتون، الذي أعلن في مطلع التسعينيات وفاة الأيديولوجيات. في أطروحته الشهيرة «صدام الحضارات»، أكّد هانتنغتون أن الصراعات القادمة لن تُخاض من أجل حدود جغرافية أو مصالح اقتصادية، بل ستندلع عند «خطوط الصدع» الثقافية والدينية.

تقوم فلسفته السياسية على نظرة تشاؤمية، ترى العالم مُقسّماً إلى كتل حضارية متنافرة، حيث يشكّل «الإسلام» و«الغرب» قطبين سيواجهان صراعاً حتمياً. صاغ هانتنغتون عبارته الأكثر دموية وتحريضاً حين قال: «للإسلام حدود دموية»، مدّعياً أنّ الحضارة الإسلامية تمتلك ميلاً فطرياً للصراع مع جيرانها. ربّما لم يتعمّق في دراسة التاريخ الأميركيّ بشكل كافٍ، أو تجاهله عمداً، فالدموية، والوحشيّة، كما التدخل في الشؤون الخارجية عنوة عن أصحاب الأرض، والحاجة الدائمة إلى تصدير «الحضارة» ضغطاً على الزناد، من تخصّص الولايات المتحدة الأميركيّة ذات القيم التنويرية العظيمة.

هيغسيث المهووس بالسيطرة والإخضاع، والذي دخل الحكومة من باب الجرائم العريض، مُدان هو الآخر، بتهم اعتداءات جنسية، لم تلملمها سوى تسوية مالية قدّمها للضحية. مُغتصِب النساء السّابق، «ترقّى» في إدارة ترامب ليصبح مُغتصِب أرض بأكملها، يقضي فيها على طفلاتها قبل النساء، كما حدث خلال قصف المدرسة في مدينة ميناب. فهو رجل في النهاية لا يحترم قدسية الجسد البشري، لذا لن يتورّع بالتأكيد عن سحق قدسية الأوطان. إنه يُسقِط كما أسياده عقدهم النفسية وانحرافاتهم السلوكية على خريطة العالم، محوّلين القارات إلى مسارح لممارساتهم السادية.

لأن «قيمهم» تلك، قبل كل شيء، تتجلّى في انخراط رؤسائهم في أكبر شبكة إتجار بالبشر في هذا القرن، حيث يلعب كبار ممثّليها أحقر الأدوار المتأرجحة، من اغتصاب الأطفال إلى التهامهم فتحويلهم إلى مادة طقوس شيطانية، من قبل مَن يدّعون أنهم يدافعون عن «الدّين» و«الخير». تناقض فادح، يتقنونه جيّداً، ويجيدون تمثيله بالقساوسة المجانين والصلوات المتكرّرة، وتثبيت أن ترامب هو الذي يمثّل الإله على الأرض، وله بالفعل مهمّة دينيّة.

لأمثالهم، لا تقلّ الحرب عن أداة تطهير، والسياسة الخارجية هي ساحة القتال الرئيسية التي يتم فيها فرز العالم إلى «مؤمنين بالقيم الأميركية» و«أعداء يجب سحقهم» دون اعتبار للقواعد الدولية التي، أقلّ ما يقال عنها، إنها أضحت مهزلة عصرنا الظلاميّ هذا، وكذبته الأتفه.

فما الذي يُمارس ضدّ إيران بالفعل؟ أليست عقيدة استئصال ثقافي تهدف إلى كسر «الروح الحضارية» لا القدرة العسكرية فقط؟ وكيف تردّ إيران على ذلك؟ أليس بمزيد من التشبّث بوجودها الديني الذي ما انفكّت تحارب لأجله منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979؟ إيران بالنسبة إلى هؤلاء ليست مجرّد خصم جيوسياسي، بل هي «العقدة» التي ما زالت تقاوم الإمبريالية الأميركية، في ساحة يتوقون إلى امتلاكها.

في تشرين الثاني عام 1095، وقف البابا أوربان الثاني في مدينة كليرمونت الفرنسية داعياً للحملة الصليبية الأولى، واعداً المقاتلين بـ«صكوك غفران شاملة» لكل مَن يشارك في استعادة الشرق، وانتهت خطبته بالصرخة الشهيرة «Deus Vult» (مشيئة الله).
هذا الشعار نفسه موشوم على ذراع بيت هيغسيث، وهو مؤازرٌ لـ«صليب القدس» على صدره. لذا فمن السذاجة الظنّ أن الصراع يقتصر على النفط أو النفوذ فحسب، ومن السذاجة أيضاً أنه سيأتيهم بعد كلّ جرائمهم بـ«صكوك غفران».

* كاتبة لبنانية

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك