التفاوض بلا قوة: حين يتحوّل الحوار إلى استسلام مُقنّع

ليس التفاوض فناً بسيطاً يُختزل في مهارات لغوية أو في براعة الجلوس إلى الطاولة. إنه علم قائم بذاته، له نظرياته ومدارسه وتطبيقاته المتراكمة عبر قرون من الصراع البشري. لكنه، رغم كل ما أُحيط به من هالة تقنية وأخلاقية، ليس عصا سحرية قادرة على تحقيق الأهداف بذاتها. التفاوض ليس بديلاً عن الصراع، بل هو أحد أشكاله الأكثر تعقيداً. وفي كثير من الأحيان، تكون أقسى المعارك تلك التي تُخاض على طاولة التفاوض لا في ساحات القتال. هنا تحديداً تبرز الحقيقة الصلبة التي يحاول الخطاب السياسي المائع تجاهلها: التفاوض من دون قوة ليس تفاوضاً، بل استسلامٌ مُموّه.
منذ كتابات كارل فون كلاوزفيتز، أصبح من المُسلّم به أن الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى. لكن الوجه الآخر لهذه المعادلة لا يقلّ أهمية: التفاوض هو استمرار للحرب بوسائل غير عسكرية. أي إنه لا يخرج عن منطق الصراع، بل يعيد تشكيله ضمن قواعد مختلفة. ولذلك فإن موازين القوة التي تُحسم بها المعارك لا تختفي عند بدء التفاوض، بل تنتقل معه وتُعاد صياغتها في بنية اللغة، وفي حدود الممكن، وفي تعريف ما هو «معقول» و«واقعي». من يدخل التفاوض ضعيفاً، يدخل في الحقيقة وهو يحمل هزيمته مُسبقاً، حتى لو لم يعترف بها.
التجربة التاريخية تؤكد هذه القاعدة بوضوح قاسٍ. اتفاقية ميونيخ عام 1938، التي حاولت فيها بريطانيا وفرنسا احتواء أدولف هتلر عبر التنازل عن تشيكوسلوفاكيا، لم تكن انتصاراً للدبلوماسية، بل كانت مثالاً صارخاً على التفاوض من موقع ضعف. رئيس الوزراء البريطاني نيفيل تشامبرلين عاد إلى لندن معلناً أنه حقّق «السلام في زماننا»، لكن التاريخ أثبت أن ما حدث كان تأجيلاً للحرب بثمن أعلى، لأن الطرف المعتدي قرأ التنازل بوصفه إشارة ضعف، لا بوصفه تسوية عقلانية. هنا يظهر بجلاء أن التفاوض لا يُنتِج السلام إذا كان مبنياً على اختلال جذري في ميزان القوة، بل قد يُنتِج حرباً أكثر شراسة.
وفي سياق مختلف، تقدّم التجربة الفيتنامية درساً معكوساً، فالولايات المتحدة، رغم تفوّقها العسكري الساحق، اضطرت في نهاية المطاف إلى الجلوس على طاولة المفاوضات في باريس، ليس لأن إرادتها تغيّرت، بل لأن ميزان القوة على الأرض تغيّر بفعل حرب استنزاف طويلة قادتها المقاومة الفيتنامية. المفاوضات هنا لم تكن نقطة بداية، بل كانت نتيجة لتراكم قوة مضادّة فرضت نفسها. ولذلك فإن ما تحقّق في باريس لم يكن «هدية تفاوضية»، بل ترجمة سياسية لصمود ميداني. هذا ما يجعل التفاوض امتداداً للقوة لا بديلاً عنها.
في هذا الإطار، يكتسب كتاب «غداً هو أمس» (Tomorrow is Yesterday) لروبرت مالي أهمية خاصة، لأنه يكشف من داخل التجربة الدبلوماسية الأميركية حدود التفاوض حين ينفصل عن فهم عميق لتوازنات القوة والذاكرة التاريخية للصراعات. مالي، الذي شارك في مفاوضات كامب ديفيد عام 2000، يبيّن أن الفشل لم يكن نتيجة «تعنّت» طرف بعينه كما رُوّج لاحقاً، بل نتيجة بنية تفاوضية مختلّة حاولت فرض حلول لا تعكس توازن القوى ولا تعترف بسرديات الطرف الآخر. التفاوض هنا لم يكن مساحة متكافئة، بل محاولة لإعادة إنتاج اختلال قائم بلغة دبلوماسية. ولذلك انهار.
تقدّم فيتنام درساً مهماً، فأميركا رغم تفوّقها العسكري، اضطرت إلى التفاوض، فقط لأن ميزان القوة تغيّر بفعل حرب استنزاف طويلة قادتها المقاومة الفيتنامية
يكتب مالي، في خلاصة تجربته، أن المشكلة الكبرى في كثير من عمليات التفاوض هي الاعتقاد بأن «النية الحسنة» أو «الإبداع الدبلوماسي» يمكن أن يعوّضا غياب التوازن الواقعي. لكنه يخلص إلى أن التفاوض، إذا لم يستند إلى إدراك حقيقي للقوة—سواء أكانت عسكرية أم سياسية أم شعبية—فإنه يتحوّل إلى عملية إدارة للهزيمة لا إلى صناعة للحل. هذه الفكرة تضعنا أمام جوهر المسألة: التفاوض ليس مجرّد تبادل مقترحات، بل هو صراع على تعريف الواقع نفسه.
ولعلّ من أخطر الأوهام التي تُسوّق في الخطاب السياسي المعاصر هو تصوير التفاوض بوصفه نقيضاً للمقاومة. هذا التقابل زائف في أساسه، لأن التفاوض الفعّال يفترض وجود مقاومة، ولو بأشكال متعدّدة. المقاومة ليست فقط عسكرية، بل يمكن أن تكون اقتصادية، أو اجتماعية، أو ثقافية، أو حتى رمزية. لكنها، في جميع الأحوال، هي ما يمنح التفاوض وزنه ومعناه. من دونها، يصبح التفاوض مجرّد طلبٍ للرحمة ضمن شروط يضعها الطرف الأقوى.
تجربة جنوب أفريقيا تقدّم مثالاً دالاً في هذا السياق. المفاوضات التي أدّت إلى إنهاء نظام الفصل العنصري لم تكن ممكنة لولا عقود من المقاومة الداخلية والضغط الدولي والعزلة الاقتصادية التي فرضت كلفة حقيقية على النظام. نيلسون مانديلا لم يذهب إلى التفاوض من موقع الضعف، رغم سنوات السجن الطويلة، بل من موقع قوة أخلاقية وسياسية تراكمت عبر نضال جماعي. ولذلك كان التفاوض هناك انتقالاً من ميزان قوى جديد، لا تنازلاً ضمن ميزان قديم.
في المقابل، يمكن النظر إلى اتفاقيات أوسلو بوصفها مثالاً على التفاوض في ظل اختلال بنيوي في القوة. فالفلسطينيون دخلوا العملية التفاوضية في لحظة ضعف استراتيجي، بعد خروج منظمة التحرير من لبنان وتراجع الدعم العربي، في حين كانت إسرائيل في موقع تفوّق ميداني وسياسي. النتيجة كانت اتفاقاً مؤجّلاً، مفتوحاً على إعادة إنتاج السيطرة بأدوات مختلفة. هنا يظهر كيف يمكن للتفاوض، إذا لم يكن مسنوداً بقوة، أن يتحوّل إلى آلية لإدارة الاحتلال بدل إنهائه.
من هنا، فإن التفاوض الحقيقي لا يبدأ عند الطاولة، بل قبلها بكثير. يبدأ في بناء القوة، وفي إدارة الصراع بطريقة تفرض على الطرف الآخر الاعتراف بك كفاعل لا يمكن تجاوزه. وعندما تصل إلى الطاولة، فإنك لا تبدأ من الصفر، بل تحمل معك ما راكمته من قدرة وتأثير. أمّا إذا جئت بلا رصيد، فإنك تدخل في عملية تفاوضية تكون نتيجتها محدّدة سلفاً، مهما بدا النقاش مفتوحاً.
في النهاية، لا يمكن اختزال التفاوض في كونه خياراً أخلاقياً مقابل «العنف». هذا تبسيط يُخفي الحقيقة الأساسية: التفاوض نفسه يمكن أن يكون عنيفاً بطريقته الخاصة، لأنه يعيد توزيع القوة ويحدّد مصائر الشعوب. لذلك فإن السؤال ليس: هل نتفاوض أم لا؟ بل: من أي موقع نتفاوض؟ وبأي أدوات؟ ولأي غاية؟
التفاوض، إذاً، ليس بديلاً عن المقاومة، بل هو أحد أشكالها حين تبلغ مرحلة معينة من النضج. أمّا التفاوض من دون مقاومة، فليس سوى استسلام بلغة مُهذّبة.
