ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

المروءة والثمن: بيان الفكر المقاتل

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
عوني بلال
عوني بلال
الأربعاء 15 نيسان 2026
الخط

في العالم العربي، تتعلّم باكراً أن العمومية في الكلام تعفيك من صُداعٍ كثير وتردّ عنك أوجاع الرأس. واللعبة سهلة: كل ما عليك هو أن تتجنّب التخصيص في كل ما تكتب وأن تُبقي حديثك مُرسَلاً عائماً حمّالَ أوجه، وهكذا يكون بوسعك أن تقول أي شيء دون أن تخشى من شيء لأن كلامكَ -حينها- ضجيجٌ لا يفضي إلى شيء. يبقى أن الثمن الذي يدفعه القارئ أمام هذه اللعبة الشائعة -والشائنة- ثمن فادح.

أن تقرأ نصاً ميتاً فهذا يميت شيئاً فيك، وأن تُجبَر يومياً على سماع اللغو الفضفاض الذي لا جمرَ فيه، فهذا تخريب لروح الإنسان وعقل الإنسان وأحسن ما في الإنسان. ورغم ذلك، ينبغي الاعتراف أن لهذه الآفة فضلاً واحداً: أنها -كما يفعل كل ضدٍّ بضدِّه- تمنح قيمة كبرى وامتيازاً عالياً للكلام المُخصّص المُحدّد، ذي الدلالة الواضحة والمعنى الصريح، وأنها تَهَب الخارجين عن سطوتها ألقاً وتوهجاً أكبر، وأنها تزيد وقع كلامهم في النفوس وتجعله يضرب في وعي المرء ضربَ السهام والمُسيّرات.

أواخر شباط الماضي، وتحت عنوان «من أجل ميثاق ثوري للتحرر الشامل»، صدر بيانٌ غير عادي وقّعه خمسة رجال هم الأستاذ الجامعي سيف دعنا والطبيب الجراح غسان أبوستة والباحث في علوم الاجتماع صبيح صبيح والكاتب السياسي وسام فقعاوي والمناضل المقدسي صلاح حموري. العالَم يعجّ اليوم بالبيانات والكتب المفتوحة. إلى هنا، لا جديدَ في الأمر. لكنّ البيانَ هذا -تحديداً- ليس كغيره. لن تجد منصة حكومية في العالم العربي تأتي على ذكر هؤلاء الخمسة ولا على بيانِهم، ويستحيل أن تجد إشارة -ولو عابرة- إلى هذا النص المتمرّد في منصات الاعتدال العربي أو فضائيات الريع النفطي.

ومثلها طبعاً مؤسسات نشر الديمقراطية والحرية، ومنابر متموّلي الدعم الأوروبي والهيئات غير الحكومية، بالإضافة طبعاً إلى شبكات الإعلام الخليجي (ببقّالاته الرقمية الكثيرة وجيوش كتّابه وباحثيه ومذيعيه ومستخدَميه)، فهذه أيضاً -جميعُها- لن تجرؤ على الاقتراب. وعندما تزيح كل هؤلاء، فلن تبقى أمامك إلا قلة صحافية محاصرَة، هي آخر ما تبقّى لفكرة الاستقلال في هذا المشهد الإعلامي المهترئ. لا أذكر هذا التغييب انزعاجاً ولا احتجاجاً، بل أكاد أذكره احتفاءً؛ أذكره لأنه يشهد لقيمة البيان ووزنه. عندما تنكفئ عنك القوى المهيمنة وتجافيك المنابر الطاغية ويبتعد عنك أهل التخمة والترف، فهذا ليس ضمانةً لجودة ما عندك بالضرورة، لكنه مؤشر واعد وفأل خير.

لا بدّ لبيان كهذا أن يكون منبوذاً. ربما تكون «الأخبار» المطبوعة الوحيدة التي نشرته، فما يدعو له ليس هيّناً. ولا تَجاوز في القول بأن محتواه يمسّ الأمن الفكري للدول. ورغم أن البيان يتصدّى أساساً للهجمة المتعاظمة على المقاومة وسلاحها، فهو أكثر من ذلك لأنه يُحوِّل مسألة التنظير الفكري ضد العمل المقاوم إلى مدخل لمسألة أكبر، هي مسألة الخيانة؛ خيانة الباحثين والمثقفين لنضال أهلهم وقضية ناسهم. البيان تحريض للإنسان على نفسه في المقام الأول. تحريض للمثقف على ذاته، وعلى خوفه، وعلى طموحه الوظيفي، وتحريض للباحث على سياقه وعلى لغته وعلى استقراره الحياتي وحتى على طمأنينة عيشه. ولمن يشغفه الصعود المعيشي والأمن المهني، فالمشاركة في كتابة بيان كهذا -في زمن كهذا وداخل كيانات كهذه- هي شيء يترنّح بين المجازفة المهنية والانتحار الوظيفي، ولن يجرؤ على توقيعه إلا من شرب مجازاً حليبَ السّباع.

لا أدري إن كانت مصادفة أم تدبيراً من أقدار الله، لكنّ البيان صدر قبل ساعاتٍ قليلة من بدء العدوان الأميركي على الجمهورية الإسلامية. وإذا كان موضوع البيان مهماً وقت كتابته، فأهميته تضاعفت كثيراً بمجرد بدء الهجوم. إن الباحث الوظيفي المأجور والمثقف المتموِّل المأمور والأكاديمي الساجد لصنم الترقية والصعود المهني، هؤلاء الثلاثة تجلّت صورتهم في الأسابيع التي تلت اشتعال الحرب كما لم تتجلَّ يوماً. لقد ضربت هذه الحرب وتراً شديد الحساسية في شبكة ممتدة من المثقفين والباحثين والكتّاب العرب، ووضعتهم في تناقضٍ كاسر؛ التناقض الذي طرفاه المؤسسةُ المشغِّلة والقناعات المزعومة.

لا جديد هنا، فهذا تناقضٌ قديم جداً، وأساسه التوتر الخالد بين مصلحة الإنسان ومروءة الإنسان. لكن الذي حصل هذه المرة أن التناقض كان هائلاً للحد الذي لم تعد الحلول التلفيقية والمواقف المركبة المعتادة تصلح معه، وهي حلول تم تطويرها عبر سنوات طويلة سابقة. لا أعني أن الحل التلفيقي «خرج عن الخدمة» لكنَّ سُخف ممارسيه واهتراءهم بلغا حدّاً فاضحاً. هناك طبعاً من لم يرتضِ لنفسه هذا الموضع، فدخل السجن، أو فقد عمله، أو لزم الصمت.

هؤلاء هم الشاهد على أن فكرة الإنسان المقاوم، فكرة الفرد المتمرّد على سياق العيش وإكراهات الوظيفة والمؤمن بأولوية القيمة والمبدأ، أن هذا الإنسان لم ينقرض، وأنه ممكنٌ وحاضرٌ وباقٍ إلى اليوم.
ليس في نيتي أن أكتب خلاصة للبيان أو أجري مراجعة له. نصّ البيان لا تفيه إلا القراءة المتأمّلة. غايتي هي التنبيه على وجوده وأهميته، وأن أخطّ هامشاً على موضوعه.

ربما يكون أهم ما في البيان يتعلق بالباب الأوسع الذي يُسهِم في خلعه. الباب الذي يفضي إلى عالَم البحث المعرفي المُشوّه، والمُروَّض، والانتفاعي. العالَم الذي يكون فيه الكاتب والمحلّل والمتحدّث مُسنّناً صغيراً في آلة مشغّليه، لا إنساناً محرِّضاً وسط مجتمعه. إن هذه الحملة التي تجري اليوم ويتعاور فيها جمهرة من الأكاديميين والباحثين والمتخصّصين في المجالات المعرفية كي يروّجوا لزمن «ما بعد المقاومة»، و«ما بعد السلاح» و«المشاريع الوطنية الجديدة»، أقول إن هذه الحملة لا تتعلق باختلافٍ في الاجتهاد. ليس أيٌّ من هؤلاء صاحب رأي مُستنكَر. هناك سذاجة فادحة بافتراض أن الأمر يتعلق باختلاف في الرأي. وهؤلاء أفراد سقطوا في امتحانٍ شخصي يتعلق باحترام المرء لذاته واستعداده للتضحية قبل أن يكونوا أي شيء آخر.

هؤلاء أدواتٌ في سياق إقليمي ينطق عن نفسه من خلالهم، وهو سياق سياسي واقتصادي ضخم للغاية، تقع أنظمة الاعتدال العربي في قلبه، وتقف من ورائها إرادة غربية وإسرائيلية لا تتكلّف حتى إخفاء نفسها اليوم. خلف كل المثقفين والباحثين والكتّاب القائلين بزمن ما بعد المقاومة والمنظّرين لأنظمة القواعد الأميركية، خلف كل هؤلاء هناك سياسي كامن في الكواليس ينظر إليهم راضياً، مردّداً دعاء الركوب: سبحان الذي سخّر لنا هذا وما كنّا له مقرنين.

ما أكتبه طبعاً هو حدّة لفظية لا مكان لها عند المثقف المهذّب الجادّ الذي يريد لنفسه مكاناً في سلّم الصعود المهني، ومعنيٌّ ببناء “البروفايل الشخصي” الصحيح. التهذيب، والموضوعية، والاتزان، والحياد، والموقف المركّب، ورفض التخندق، هذه جميعها هي من معجم التورية والخداع اللذيْن يعرّيهما البيان واللذين يعتمد عليهما مفكّرونا الوظيفيون اعتماداً وجودياً (عبارة «المفكر الوظيفي» تكاد تنفجر من تلقاء نفسها لشدة التعاكس الذي فيها).

الوسطية والاعتدال ورفض التخندق لا تضع المثقف في مكان ثالث خارج المواجهة؛ هذه الوسطية هي عين المطلوب لمشروع إنهاء المقاومة. التلطّف الرخيص الذي يمارسه خصوم المقاومة (نحن مع المقاومة ولكن...) هو جزء من الحرب على المقاومة، ولا يجب بعد كل هذا الدم وكل هذه التضحيات أن يُعامل هؤلاء بوصفهم أصحاب اجتهاد ونظر.
تحية إلى: سيف دعنا، غسان أبوستة، صبيح صبيح، وسام فقعاوي وصالح حموري. ما زال للمروءة نصيرٌ بيننا، ورجال مستعدّون لدفع الثمن.
* كاتب فلسطيني

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك