حرب تُطلِق يد إيران بدل أن تُقيّدها

«ما لا يُحقَّق بالقوة، يُحاول البعض تحقيقه بمزيد من القوة… وغالباً ما تكون النتيجة معاكسة».
ما يُفترض أنه حرب لإضعاف إيران قد يتحوّل إلى لحظة تعيد إطلاقها. فالتاريخ لا يُكتب دائماً كما يُخطَّط له، وبعض الحروب التي تبدأ بهدف الاحتواء، تنتهي بإعادة تعريف الخصم، وتوسيع هامش حركته، بل ومنحه فرصة الانتقال من موقع الدفاع إلى موقع المبادرة.
السردية الغربية السائدة تقوم على فرضية تبسيطية مفادها أن الضغط يولّد انصياعاً، وأن الدول — مهما بلغت درجة عدائها — ستنتهي إلى التكيّف مع موازين القوة المفروضة عليها. غير أنّ هذه الفرضية ليست فقط ناقصة، بل ثبت مراراً أنها خاطئة: فالضغوط القصوى لا تُنتِج دائماً احتواءً، بل كثيراً ما تُنتِج العكس تماماً — إعادة إنتاج الفاعل في صورة أكثر صلابة وقدرة على التحدّي.
في الأدبيات الكلاسيكية لنظريات السياسة الخارجية للدول والفاعلين السياسيين، يُمَيَّز بين دول «Status quo states» الوضع القائم التي تسعى إلى الحفاظ على النظام الإقليمي، و «Revisionist states» الدول المراجِعة التي تعمل على تغييره. غير أن هذا التمييز، على أهميته، لا ينبغي التعامل معه بوصفه تصنيفاً ثابتاً. فالدول لا تبقى أسيرة موقع واحد، بل تتحرّك بين المراجعة والتكيّف تبعاً للقيود والفرص، وللكيفية التي تُدرك بها التهديدات المحيطة بها.
عند العودة إلى عام 1979، تبدو إيران نموذجاً واضحاً للدولة المراجِعة. الثورة الإسلامية لم تكن مجرّد تغيير في بنية السلطة الداخلية، بل مشروعاً سياسياً – أيديولوجياً يتجاوز حدود الدولة الوطنية، ويهدف إلى تقويض النظام الإقليمي المرتبط بالهيمنة الأميركية. رفعت إيران آنذاك شعارات المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وسعت إلى بناء محور بديل يعيد توزيع موازين القوة في المنطقة.
لكنّ هذا المشروع اصطدم سريعاً بواقع صلب. الحرب العراقية – الإيرانية لم تكن مجرّد مواجهة عسكرية، بل لحظة استنزاف كشفت حدود القدرة الإيرانية، وفرضت عليها إعادة التفكير في أولوياتها. ومع نهاية الحرب، ومع وفاة الإمام الخميني، دخلت إيران مرحلة مختلفة، اتّسمت بدرجة أعلى من البراغماتية. لم تتخلَّ عن طموحاتها، لكنها أعادت صياغتها ضمن حدود الممكن، منتقلة من خطاب التغيير الشامل إلى إدارة النفوذ ضمن القيود القائمة.
في هذه المرحلة، فرضت البيئة الدولية على إيران نوعاً من التكيّف والانضباط في سلوكها. فالتعامل مع توازنات القوة، والقيود العسكرية والاقتصادية، دفعها إلى إعادة ضبط خطابها وأدواتها. لم تختفِ النزعة المراجِعة، لكنها لم تعد مطروحة بالشكل نفسه، بل جرى احتواؤها ضمن منطق البقاء وإدارة المخاطر.
غير أن هذا التكيّف لم يكن قدراً نهائياً، بل مرحلة تاريخية مشروطة. اليوم، ومع تصاعد الحرب، قد نكون أمام لحظة تنقلب فيها المعادلة. فحين تصل الضغوط إلى حدّها الأقصى، لا يعود السؤال ما إذا كانت الدولة ستتكيّف، بل ما إذا كانت ستستمر أصلاً في اعتبار التكيّف خياراً عقلانياً. عند هذه النقطة، قد يتحوّل السلوك المراجِع من مخاطرة إلى ضرورة.
فالتهديد الوجودي لا يدفع فقط إلى الدفاع، بل قد يفتح المجال أمام إعادة تعريف الدور والهوية معاً. وعندما تصبح كلفة البقاء ضمن النظام أعلى من كلفة تحدّيه، يصبح السعي إلى تغييره خياراً منطقياً، لا مغامرة غير محسوبة. ومن هنا، قد لا تكتفي إيران بالصمود، بل قد تسعى إلى إعادة تقديم نفسها كقوة قادرة على إعادة تشكيل النظام، لا مجرّد التكيّف معه.
لكن هذه العودة — إن حصلت — لن تكون تكراراً لتجربة 1979. إيران اليوم أكثر خبرة، وأكثر براغماتية، وأكثر إدراكاً لحدود القوة. ما قد نشهده ليس عودة تقليدية إلى أدبيات وسلوكيات الثورة، بل سيكون تحديثاً لمشروعها: مراجعة أقل قيوداً، وأكثر حافزية، تستفيد من دروس العقود الماضية بدل أن تتجاهلها.
ولا يمكن فصل هذا التحوّل المحتمل عن حزب الله، الذي يشكّل أحد أبرز تجلّيات النفوذ الإيراني في المنطقة. ففي الثمانينيات، تبنّى الحزب خطاباً واضحاً يدعو إلى مراجعة نظام الحكم في لبنان وصولاً إلى إقامة دولة إسلامية. إلا أنّ هذا الطرح لم يستمر، حيث شهدت التسعينيات تحوّلاً حاسماً في استراتيجيته، فدخل النظام السياسي وقبل بقواعد اللعبة الداخلية، منتقلاً من مشروع تغييري شامل إلى مشروع مقاومة، من دون أن يتخلّى عن أدوات قوته.
هذا التحوّل لم يكن تنازلاً بقدر ما كان تكيّفاً فرضته القيود. فقد أدرك الحزب أن العمل ضمن بيئة لبنانية مُعقّدة يفرض عليه إعادة صياغة أهدافه، لا التخلّي عنها، مع الحفاظ في الوقت نفسه على بنية قوة تسمح له بإعادة التموضع عندما تتغيّر الظروف.
في هذا السياق، تكتسب تجربة ما بعد حرب 2024 دلالة خاصة. فبينما حرص الحزب على تأكيد اعترافه بالنظام السياسي واستعداده للمشاركة في عملية بناء الدولة وإعادة الإعمار، كشفت التطورات التي تلت الحرب عن قرارات حكومية سعت إلى حصاره — ولا سيما القرارات الصادرة عن الحكومة التي يشارك فيها، والتي اتجهت نحو تجريمه في لحظة انخراطه في مواجهة مفتوحة مع إسرائيل — حدود هذا الخيار التكيّفي.
عند هذه النقطة، لا يعود السؤال متعلّقاً بموقع الحزب داخل النظام، بل بطبيعة هذا النظام نفسه، إذ إن التجربة الأخيرة قد تدفع الحزب إلى إعادة تقييم جدوى الاستمرار في معادلة تقاسم السلطة بصيغتها الحالية، خصوصاً إذا ما خرج من الحرب في موقع الصمود أو التفوّق النسبي. وفي هذه الحالة، قد لا يتجه نحو الحفاظ على التوازن القائم بقدر ما يسعى إلى إعادة تعريفه، عبر تعديل تدريجي في موازين القوى وفرض معادلات جديدة في الحكم.
ما يجمع بين إيران وحزب الله ليس فقط العلاقة السياسية والعسكرية، بل أيضاً هذا المسار الديناميكي بين المراجعة والتكيّف. كلاهما بدأ بمشروع تغييري، ثم اضطر إلى التكيّف تحت ضغط القيود، وقد يجد نفسه اليوم أمام فرصة للعودة إلى المبادرة، ولكن بصيغة أكثر نضجاً وواقعية.
لكن التحوّل المحتمل في موقع إيران لا يقتصر على مستوى الخطاب أو التموضع السياسي، بل قد يجد ترجمته الأكثر وضوحاً في الجغرافيا نفسها — وتحديداً في مضيق هرمز. فهذا الممرّ البحري الضيّق ليس مجرد تفصيل جغرافي، بل أحد أهم مفاصل النظام الاقتصادي العالمي، حيث تمرّ عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط، ما يجعله نقطة ارتكاز لا يمكن تجاهلها في حسابات القوى الكبرى.
تكمن أهمية مضيق هرمز في كونه «عنق زجاجة» حقيقياً للاقتصاد العالمي. ومن يملك القدرة على التأثير في هذا الممر، لا يمتلك ورقة ضغط إقليمية فحسب، بل أداة تأثير تمتدّ إلى قلب النظام الدولي نفسه. وفي هذا السياق، لا يعود الحديث عن المضيق مجرّد تهديد ظرفي بإغلاقه، بل عن إمكانية تحويله إلى عنصر دائم في معادلات القوة.
إذا نجحت إيران في فرض واقع يُؤخذ فيه في الاعتبار دورها في التحكّم بإيقاع الملاحة في هذا الممر، ولو بشكل غير مباشر، فإن ذلك سيشكّل أحد أوضح تجلّيات انتقالها من موقع التكيّف إلى موقع المراجعة. فالقضية لا تتعلّق بإغلاق المضيق، بل بتحويله إلى أداة تفاوض، وإلى عامل لا يمكن تجاهله في رسم السياسات الدولية.
عند هذه النقطة، لا تعود إيران مجرّد دولة تتعامل مع النظام الدولي، بل تتحوّل إلى فاعل قادر على التأثير في أحد أعمدته الأساسية: تدفّق الطاقة. وهذا بحدّ ذاته يمثّل جوهر السلوك المراجِع، الذي لا يسعى بالضرورة إلى إسقاط النظام، بل إلى إعادة تشكيله عبر نقاط ارتكازه الأكثر حساسية.
ما يُقدَّم اليوم بوصفه حرباً لإضعاف إيران، قد يتحوّل فعلياً إلى حرب تُطلِق يدها، وتمنحها ما عجزت عنه في لحظات أقل تصادماً. وإذا ما نجحت إيران وحزب الله في الصمود، فإننا قد نكون أمام انتقال من مرحلة التكيّف إلى مرحلة المبادرة. عندها، لن يكون السؤال كيف يمكن احتواء إيران، بل: هل ما زال بالإمكان احتواؤها أصلاً؟
*أستاذ في العلاقات الدولية
