إسبانيا... هواك كأنه هوانا

شكّل الموقف الإسباني تجاه حرب الإبادة على قطاع غزة والعدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران ولبنان، حالاً من التقدير العالي والغبطة والمشاعر النبيلة، يتردد صداها اليوم في غزة وبيروت وصولاً إلى طهران، حيث ينظر إلى هذا الموقف باعتباره نافذة مفتوحة على هواء سياسي نظيف مليء بمفاهيم وقيم الحرية والعدالة والكفاح من أجل الخلاص من الظلم والاحتلال.
لقد وضع الإسبان البعد الإنساني والحقوقي في صلب السياسة، ما جعل بلدهم طرفاً فاعلاً ومؤثراً في الأحداث الإقليمية والدولية. وخلال العدوان الأميركي الإسرائيلي انتقل الموقف الإسباني من الإدانة إلى المطالبة بالتحرك العملي لوقف استهداف المدنيين والبنية التحتية لتحقيق أهداف غير مشروعة وتعويض الفشل في الميدان، وهذا الموقف ينظر إليه بأنه يوازي ما بين الواقعية السياسية والالتزام الإنساني والأخلاقي، ولذلك أيضاً رفضت وأدانت العدوان على إيران باعتباره يهدد الأمن والاستقرار الدوليين، ويترك تداعيات خطيرة على المنطقة والعالم بأسره. وأكدت مدريد رفضها للسياسات القائمة على القوة العسكرية، ما يشير إلى رفض ما يسمى «السلام بالقوة» الذي يدعو إليه الرئيس الأميركي دونالد ترامب ويفشل في تحقيقه.
حفر الموقف الإسباني عميقاً في الوجدان الشعبي العربي والإسلامي، خاصة في تعبيره عن الترابط الوثيق على الصعيد الحضاري والثقافي مع شعوب المنطقة، والعلاقة المتجذرة في التاريخ، والتي تعد جسراً لمستقبل يخدم العدالة والتضامن الحقيقي والموقف من قضية فلسطين.
أصبحت إسبانيا بموقفها الحالي شقيقتنا أكثر بكثير من معظم الأشقاء، كما أنها أصبحت مملكة تحتل موقعاً دافئاً في قلوبنا أكثر من ممالك بلا موقف وبلا قلب، وبات هوانا أقرب إلى هواها بعد أن قالت وفعلت وسحبت سفيرتها بشكل دائم من تل أبيب، وحظرت دخول متهمين بارتكاب جرائم حرب إلى أراضيها، إضافة إلى منع أي أنشطة مرتبطة بالجيش الإسرائيلي من العبور فوق الأراضي الإسبانية. هذا عدا عن مطالبة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز بتعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، وتأكيده الحاسم على ضرورة وقف الانتهاكات بحق غزة وبيروت وطهران ومحاسبة مرتكبيها.
وكان رئيس الوزراء بيدرو سانشيرز قد عبّر عن إعجابه العميق بالشعب الإسباني الذي يتحرك من أجل قضايا عادلة مثل قضية فلسطين. لكن هذا الموقف الرسمي، هو في الحقيقة انعكاس الموقف الشعبي الإسباني ومعظم قوى اليمين واليسار، مع التأكيد بأن موقف اليسار هو الأكثر وضوحاً خلال حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة.
وفي حين يركض البعض اليوم نحو المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، شمل الموقف الإسباني المجالين الثقافي والرياضي، فأعلنت إسبانيا إلى جانب إيرلندا وهولندا وسلوفينيا انسحابها من مسابقة «يورو فيجين» 2026 بعد أن منح اتحاد البث الأوروبي (EBU) الضوء الأخضر لمشاركة إسرائيل في المسابقة المقبلة. كما تحدّث برلماني إسباني عن احتمالية مقاطعة بطولة كأس العالم لكرة القدم 2026، إذا تأهلت إسرائيل للمشاركة في البطولة التي ستقام مشتركة في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك.
وكانت مجموعة من الشعراء قد أطلقت مبادرة بعنوان «شعر من أجل فلسطين.. أبيات ضد الإبادة» كجزء من المواقف الإسبانية التي تنتمي بحق إلى مفاهيم وقيم الحرية والعدالة. وهذا ما يدعو إلى السعادة والتقدير وسط الحزن الذي ينتابنا من دول عربية وإسلامية تبخل بالفعل كما بالكلام، وهذا ما يجعلنا نقول لإسبانيا: «سماكي كأنها سمانا/ هواكي كأنه هوانا/ أفيفا إسبانيا / أفيفا إسبانيا».
* كاتب فلسطيني
