ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

لبنان في زمن التحوّل

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
كريم حداد
كريم حداد
الأربعاء 15 نيسان 2026
الخط


لم تعد الجبهة اللبنانية تُقرأ بوصفها هامشاً في حرب إقليمية، ولا امتداداً تقنياً لصراع أكبر. ما يجري اليوم في الجنوب اللبناني هو صراع له منطقه الخاص، وأهدافه المُحدّدة، وسقوفه الوطنية الواضحة. كلّ محاولة لدمجه قسراً في سياق آخر، سواء أكان إيرانياً أم دولياً، هي محاولة لفقدان البوصلة.

لبنان ليس إيران. هذه ليست عبارة توصيفية فحسب، بل قاعدة تحليلية. إيران دولة كبرى خاضت مواجهة استراتيجية طويلة مع الولايات المتحدة، وخرجت منها في ضوء التفاهم الأخير بوساطة باكستان وغطاء صيني، أكثر رسوخاً في موقعها الإقليمي والدولي. أمّا لبنان، فهو ساحة صراع مباشر، حيث تتقاطع السيادة مع الاحتلال، وتصبح الأرض نفسها موضوع المعركة.

من هنا، فإن ما تحتاج إليه الجبهة اللبنانية ليس توصيفات عامة عن «خفض التصعيد» أو «إدارة التوتر»، بل معادلة واضحة لا تحتمل الالتباس: وقف إطلاق النار يجب أن يقترن بانسحاب إسرائيلي كامل، فوري، وغير مشروط، من القرى الحدودية حتى عمق يضمن إنهاء أي وجود عسكري فعلي. كل ما دون ذلك ليس تسوية، بل إعادة إنتاج للاحتلال بصيغ جديدة.

لقد خبر لبنان «الانسحابات الجزئية» التي تُبقي السيطرة قائمة بأشكال مختلفة. لذلك، فإن أيّ طرح لا ينطلق من مبدأ الإخلاء الكامل للأرض هو طرح فاقد للجدّية السياسية. فالسيادة لا تُجزّأ، والاستقرار لا يُبنى فوق وجود عسكري مُعادٍ، ولو كان محدوداً جغرافياً.
لكنّ المعادلة لا تقف عند هذا الحدّ. فالجبهة اللبنانية ليست خطوط تماس فحسب، بل مجتمع حيّ تمّ اقتلاعه من أرضه. النازحون لا ينتظرون بيانات دولية، بل يريدون العودة الفورية إلى قراهم. وهذه العودة ليست بنداً إنسانياً ثانوياً، بل هي شرط سياسي وأخلاقي لأيّ استقرار.

ومن دون إعادة إعمار مباشرة وشاملة، تبقى العودة شكلية. الإعمار هنا ليس مجرّد بناء حجارة، بل إعادة تثبيت الحياة، ومنع تحويل الفراغ إلى أداة ضغط دائم. التجربة اللبنانية تقول بوضوح: حيث يتأخر الإعمار، يتسلّل عدم الاستقرار.
في هذا السياق، تأتي التحوّلات الإقليمية لتضيف بعداً جديداً. الاتفاق بين إيران والولايات المتحدة، بوساطة باكستان الحليفة للصين، ليس تفصيلاً دبلوماسياً عابراً، بل هو تعبير عن تحوّل في ميزان القوى العالمي. إنه إعلان غير مباشر عن انتهاء مرحلة الضغط الأقصى، وبداية مرحلة الاعتراف المتبادل بالقوة.

إيران، التي خاضت سنوات من المواجهة تحت العقوبات والتهديد، لم تصل إلى هذا الاتفاق من موقع ضعف، بل من موقع صمود وتراكم قوة. هذا الاتفاق لا يقيّدها، بل يكرّس حضورها كفاعل لا يمكن تجاوزه. ومعها، يخرج حلفاؤها من موقع الدفاع إلى موقع أكثر ثباتاً.
لكنّ هذا التحوّل لا يعني نقل المعركة اللبنانية إلى طهران. على العكس، هو يعيد تثبيت فكرة أساسية، أن لكل ساحة معركتها الخاصة. إيران ليست مُطالبة، ولا معنية، بخوض حرب تحرير مباشرة في لبنان. قوتها تتجلّى في تثبيت التوازن الإقليمي، وفي دعم حلفائها ليخوضوا معاركهم ضمن شروطهم الوطنية.

جبهة لبنان عند مفترق حاسم، هي ليست أمام حرب كبرى تُخاض بالنيابة، ولا تسوية جاهزة تُفرض من الخارج

وهنا تكمن نقطة القوة لا الضعف. فالمعادلة التي تتشكّل اليوم ليست معادلة تبعية، بل معادلة تكامل: مركز إقليمي قوي يفرض توازناً عاماً، وساحات محلية تدير صراعاتها بما يتناسب مع خصوصيتها.

في لبنان، هذا يعني أن مهمة مواجهة الاحتلال تبقى مهمة محلية بامتياز. ليست مُفوّضة، ولا مؤجّلة، ولا قابلة للاستيراد. إنها جزء من تعريف الصراع نفسه: أرض محتلة، وشعب يسعى لاستعادتها، ومعادلة قوة تُبنى تدريجياً على الأرض.
العمليات العسكرية، في هذا الإطار، ليست فعلاً معزولاً، بل جزءٌ من مسار يهدف إلى فرض كلفة مستمرة على الاحتلال، ومنع تثبيت أي واقع دائم. هي أداة ضمن استراتيجية أوسع، لا تختزل الصراع، لكنها تمنع اختزاله.
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن هذه العمليات تجري ضمن بيئة مُعقّدة: مجتمع تحت الضغط، اقتصاد مُنهك، ودولة عاجزة عن القيام بوظائفها الأساسية. وهذا ما يجعل التوازن بين الفعل الميداني والصمود الداخلي مسألة حاسمة.

لكن ما تغيّر اليوم هو السياق العام. لم تعد المقاومة تعمل في فراغ إقليمي، بل ضمن بيئة تشهد إعادة تشكيل لموازين القوى. الاتفاق الإيراني–الأميركي، بوساطة باكستان، يعكس دخول قوى جديدة إلى معادلة إدارة الصراع، وعلى رأسها الصين، التي لم تعد تكتفي بالدور الاقتصادي، بل بدأت تفرض حضورها السياسي.

هذا التحوّل يحدّ من قدرة الولايات المتحدة على فرض إملاءات أُحادية، ويفتح المجال أمام توازنات أكثر تعقيداً. وفي هذا العالم الجديد، لا تُحسم الصراعات بالإملاء، بل بالتفاوض المدعوم بالقوة.
لبنان، في قلب هذه التحوّلات، يواجه اختباراً مزدوجاً: كيف يستفيد من تبدّل موازين القوى، من دون أن يفقد قراره الوطني، وكيف يربط بين الصراع على الأرض وإعادة بناء الداخل؟

الإجابة ليست بسيطة، لكنها تبدأ من وضوح الرؤية: لا استقرار من دون انسحاب، ولا سيادة من دون عودة السكان، ولا مستقبل من دون إعادة إعمار. هذه ليست شعارات، بل شروط موضوعية لأي حلّ.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن التعويل على الخارج لحسم هذه المعادلة. التحوّلات الإقليمية تخلق فرصاً، لكنها لا تُنجِز المعارك. ما يُنجِزها هو القدرة على تحويل هذه الفرص إلى وقائع على الأرض.

من هنا، فإن الجبهة اللبنانية تقف اليوم عند مُفترق حاسم. ليست أمامها حرب كبرى تُخاض بالنيابة، ولا تسوية جاهزة تُفرض من الخارج. هي أمام مسار طويل، تُبنى فيه المعادلات خطوة خطوة، ويُعاد فيه تعريف التوازن بين القوة والسياسة.
لكنّ المؤكّد أن الزمن لم يعد يعمل لصالح الاحتلال كما كان في السابق. التحوّلات الإقليمية والدولية، مقرونة بثبات المعادلات الميدانية، تعيد رسم المشهد تدريجياً. وفي هذا المشهد الجديد، لم يعد ممكناً تثبيت واقع بالقوة من دون كلفة.

لبنان، بكل تعقيداته، يبقى ساحة اختبار لهذه المعادلة. ليس لأنه الأضعف، بل لأنه الأكثر حساسية لتوازنات المنطقة. وما يُحسم فيه لن يبقى فيه، بل سينعكس على ما حوله.

هنا تحديداً، تتضح الحقيقة الأساسية: الصراع في لبنان لم ينتهِ، لكنه لم يعد كما كان. إنه يدخل مرحلة جديدة، تُكتب فيها المعادلات ببطء، لكن بثبات.

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك