استهداف عين سعادة: القانون في مواجهة الجريمة والفتنة

ليلة الخامس من نيسان 2026، اخترقت قنبلتان أميركيتا الصنع من نوع GBU-39 سطح مبنى سكني في محلة عين سعادة في المتن لتنفجرا في الطابق الثالث المُستهدَف، فأودتا بحياة ثلاثة لبنانيين في جريمة حرب مكتملة الأركان.
بيان قيادة الجيش اللبناني، في اليوم التالي، أوضح أن التصويب كان مقصوداً على عنوان مُحدّد، وليس خطأً في الحساب. وأكّد عدم وجود مستأجرين جدد في المبنى، وهو ردٌّ مؤسّسي رسمي يُسقِط مبكراً كل ادّعاء عن «وافدين مشبوهين». ودعا إلى «عدم إطلاق التكهّنات والتحلّي بالوعي والمسؤولية»، ما يشير إلى أن المؤسسة العسكرية تدرك جيداً أن الخطر الأكبر لم يكن في القنبلتين، بل في ما قد يتبعهما من إشعال داخلي.
ما جرى يضعنا أمام احتمالين لا يلغي أحدهما الآخر: إمّا أن القصف الصهيوني نتج من خطأ في منظومات الذكاء الاصطناعي التي باتت تتولى تحليل المعلومات وإصدار أوامر القتل لدى العدو الإسرائيلي، أو جاء مقصوداً لإشعال فتنة طائفية ومناطقية تستغل خارطة النزوح الراهنة. غير أن دقّة الاستهداف التي كشفها التحقيق الميداني للجيش ترجّح كفة الاحتمال الثاني.
في الحالتين، لا تسقط المسؤولية الجنائية الدولية عن الكيان الإسرائيلي. فالمادة 57 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف تُلزِم المهاجم بالتحقق «بكل الوسائل المتاحة» من طبيعة الهدف قبل الضرب. وتفويض قرار الإطلاق لخوارزمية لا يُعفي القادة العسكريين من المسؤولية الجنائية الشخصية، بل يشكّل خرقاً مستقلاً بذاته؛ إذ لا يعترف القانون الدولي بمسؤولية «الآلة»، بل يحاسب من برمجها ومن أعطى أمر الضغط على الزناد. وثمّة مبدأ جنائي راسخ: المسؤولية عن جريمة القتل تقع على الجاني وحده، ولا مسؤولية على من كان هدفاً للجريمة بسبب هويته أو انتمائه. وكل خطاب يقلب هذه المعادلة، أياً كان مصدره، يُبرّئ الجاني ويدين الضحية.
النازح مدني حتى يثبت العكس
المسألة الأعمق التي لا تقبل اللبس في هذه الجريمة هي التوصيف القانوني للضحايا. القانون الدولي الإنساني صريح وحاسم: الحماية المدنية لا تُعلَّق إلا طوال فترة المشاركة الفعلية في الأعمال العدائية. من هو في منزله نازحاً يستعيد حمايته المدنية الكاملة فوراً وبالتعريف، بصرف النظر عن أي انتماء تنظيمي. حتى عنصر المقاومة الذي يكون في مسكنه بعيداً عن ساحة المعركة يحمله القانون الدولي صفة المدني الكاملة، واستهدافه في هذه الحالة يرقى إلى ما يُعرَّف قانونياً بالقتل خارج نطاق المعركة (hors de combat)، وهو من أشد الجرائم الحربية خطورةً في القانون الدولي العرفي ونظام روما الأساسي. كما يخضع أي استهداف في السياق المدني لمبدأ التناسب الذي يحظر تدمير مبنى سكني مكتظّ لقتل شخص واحد، وإلا كان الهجوم جريمة حرب موصوفة لا جدال فيها.
مقدّمة الدستور التي
تنص على أن
«لكل لبناني الحق في الإقامة على أي جزء» من الأراضي اللبنانية أعلى مرتبةً من كل قرار وزاري وكل تصريح نيابي
أمّا الحجة المتداولة عن احتمال وجود عناصر غير لبنانيين بين النازحين فلا تصمد قانونياً لدقيقة واحدة. وحتى لو صحّت، يقع واجب التمييز والتحقق حصراً على عاتق المهاجم لا المجتمع المضيف. ويظل مبدأ التناسب سارياً. وقد أغلق بيان الجيش هذا الباب رسمياً بتأكيده عدم وجود أي مستأجرين جدد في المبنى.
وللنازحين تحديداً حماية مضاعفة في القانون الدولي. فهم ينتمون، بحكم وضعهم، إلى ما يُسمّيه ميثاق الأمم المتحدة «المجموعات المستضعفة والهشّة»، وهو تصنيف أممي راسخ يستوجب ضمانات حماية استثنائية لهم، ولا سيما في مناطق النزاع. وتحظر المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة صراحةً الترحيل والتهجير القسريَّيْن للأشخاص المحميين، ما يجعل كل دعوة لطرد النازحين من مساكنهم مجازفةً بالوقوع تحت طائلة جريمة التهجير القسري المنصوص عليها في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
جريمة بأسماء وأرقام
الأخطر في المشهد برمّته لم يكن القصف، بل ما تبعه من ردود فعل أبدتها أطراف لبنانية محسوبة على «فريق الوصاية» غير السيادي. التحريض على النازحين، والدعوة إلى تفتيش المنازل خارج أي إطار قضائي، والمطالبة بطرد المستأجرين القانونيين بذريعة انتماءاتهم، وكل هذه أفعال مُجرَّمة بنصوص قانونية لبنانية واضحة.
فالمادة 317 من قانون العقوبات اللبناني تعاقب بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات وغرامة مالية كبيرة كل من يُثير النعرات المذهبية أو العنصرية أو يحضّ على النزاع بين الطوائف.
وفسخ عقد إيجار قانوني بذريعة الخلفية السياسية أو المناطقية هو تمييز غير مشروع وفق قانون الموجبات والعقود. ويقطع الدستور اللبناني الطريق على هذا الخطاب قبل أن يُولد، إذ تنص الفقرة (ط) من مقدّمته على أن «أرض لبنان أرض واحدة لكل اللبنانيين، فلكل لبناني الحق في الإقامة على أي جزء منها والتمتّع به في ظل سيادة القانون، فلا فرز للشعب على أساس أي انتماء كان». وهذا نص أعلى مرتبةً من كل قرار وزاري وكل تصريح نيابي، ولا يحقّ لأحد كائناً من كان أن يضع نفسه فوقه.
الخيانة العظمى
يتداول بعضهم كلمة «خيانة» كتوصيف سياسي عاطفي، لكنها في هذا السياق توصيف قانوني دقيق له نصوص وأرقام مواد. المادة 275 من قانون العقوبات اللبناني تعاقب على «الإضرار بوسائل الدفاع الحربي»، وتشمل كل عمل يُضعِف قدرة الدولة أو قوى المقاومة فيها على مواجهة العدوان. والمادة 276 تذهب أبعد من ذلك، إذ تعاقب بالأشغال الشاقة المؤبّدة كل من أقدم «بأي وسيلة كانت على شلّ الدفاع الوطني». وهذان النصان لم يُكتبا للزينة.
عدم إدانة العدو الإسرائيلي مع توجيه الاتهام لأبناء المقاومة في حالتهم المدنية النازحة، هو في جوهره تشريع لقتلهم وتشجيع للعدو على ارتكاب الجريمة مرة أخرى. وهذا السلوك لا يقف عند حد الخطأ في الرأي، بل يُكيَّف قانونياً كمساعدة غير مباشرة في المجهود الحربي للعدو، وهو ما تندرج فيه أيضاً كل دعوة لتحديد أماكن النازحين أو وصمهم علناً بما يجعلهم أهدافاً أسهل. وما يُعمِّق الخطورة القانونية لهذا الفعل أن بعض من مارسوه ينتمون إلى مهنة القانون، فأخطأوا تحت وطأة موجة إعلامية موجَّهة في تطبيق مبادئ كانوا يعرفونها. والخطأ المهني في زمن الحرب له تبعات لا تقف عند الحدود الفردية.
وسط هذا كله، تبرز مسألة قانونية لبنانية داخلية يكاد يُسكت عنها عمداً: قانون تجريم التعامل مع العدو لا يزال نافذاً ولم يُعدَّل حتى الساعة. وهذا يعني أن كل من دعا إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، من أعلى هرم السلطة إلى أدناها، يقع نظرياً تحت طائلة هذا القانون ويكون عرضة للملاحقة القضائية.
والأدهى أن أي مفاوضات تُعقد قبل تعديل هذه التشريعات ستكون مطعونةً في شرعيتها أمام القضاء اللبناني. يبدو أن الحديث عن تعديل هذه القوانين بدأ يتصاعد اليوم لهذا السبب تحديداً، لكن من يريد المضي في هذا الطريق مُطالَب بالجهر بالمسار القانوني الواجب قبل أن يضع قدمه في الطائرة، لا أن يتجاوز النصوص الصريحة متكئاً على الأمر الواقع.
الفتنة سلاحاً استراتيجياً
ما نشهده لا يمكن قراءته بمعزل عن سياقه الاستراتيجي. استهداف شقة سكنية في منطقة تستضيف نازحين من الجنوب والضاحية ليس حادثة عشوائية معزولة؛ إنه توظيف للقصف كفتيل لمتفجّرة داخلية. والمعادلة بسيطة في مبناها، خطيرة في مداها: القصف يُشعِل غضباً، والغضب يُفجَّر طائفياً ومناطقياً، والفتنة تحقّق ما عجزت عنه الحرب المفتوحة. ومن يُغذّي هذه الفتنة، صمتاً عن الجاني أو تحريضاً على الضحايا، يتحوّل عملياً إلى أداة في المشروع العدائي، بصرف النظر عن نواياه ومواقفه المُعلنة.
ثلاثة مواطنين لبنانيين قتلهم العدو الإسرائيلي ليلة الخامس من نيسان في منازلهم. والجيش اللبناني أثبت ذلك ميدانياً وأعلنه رسمياً. كل ما عدا ذلك ضجيج لصرف الأنظار. القانون واضح، والدستور واضح، وبيان المؤسسة العسكرية واضح. ما ينقصنا ليس المعرفة، بل الجرأة على قول الحق في وجه من يريد أن يجعل من دم اللبنانيين وقوداً لحرب أخرى تُشعَل هذه المرة من الداخل.
* كاتب لبناني
