بين عشيّة الذّلّ وضحى العار

سَجِّل أيها التاريخ خطيئة ما جرى: فحتّى بُعَيْدَ الأربعاء الأسْوَد منذ أسبوع حين ارتكبت «الدولة» المحتلّة الصهيونية أبشع مجازرها في بيروت على أعيان مدنية وسكنية وبحقّ مدنيين وسكان كما دأبت تفعل في لبنان وفلسطين وغيرهما: يأتينا ثلثاء الذلّ ليكتمل مشهد الكآبة اللبنانية، مع اجتماع محادثات مباشرة وطويلة جداً بين «لبنان الرسمي» و«إسرائيل». وذلك تحديداً في وزارة الخارجية الأميركية، وفي عاصمة تلك الدولة غير المحايدة إطلاقاً - بل المنحازة والداعمة كلياً للصهيونية.
ولقد تخلّلته صورة تذكارية مأساوية، وخلفها أعلام «الدول» الثلاث المتحاضنة كلها دون استثناءٍ، بل المتلاصقة كلها جنباً إلى جنب. كما تضمّن ابتزازاً ساقطاً، بعرض مساعدات مالية ذات وجه «إنساني» لإعادة إعمار لبنان - لكن مشروطة بإذعان وانبطاح واستسلام لبناني. هذا بالإضافة إلى بيان أميركي - لبناني - «إسرائيلي» مشترك، وإعلان «حق» المحتل الغازي الإرهابي المجرم ذي «الحكومة» اليمينية الفاشية العنصرية المتطرفة «بالدفاع (المزعوم) عن نفسه»، واتفاق على إطلاق مفاوضات مباشرة.
لا يضيء هذا المشهد الأليم سوى صمود المقاومة اللبنانية في وجه المحتلّ وعدوانه وتغلغله بل توغّله، وبسالتها إزاء العدوّ في ممارسة فعلية واقعية على الأرض لما ينظّر به مبدئياً القانون والنظام والمجتمع الدولي لجهة حق الشعوب بالدفاع عن النفس ومقاومة العدوان وتقرير المصير. ليس التفاوض المباشر عاراً بحدّ ذاته، لأنه، كما «السلام» «الموعود»، بل المزعوم، كان على الأرجح آتياً في كلّ الأحوال.
إلّا أنّ انعدام الشرف وقصور الرؤية وكسور التخطيط يكمن في التفاوض المباشر المهرول عاجلاً لا آجلاً، أي في ظلّ الظروف الراهنة والتنازلات اللبنانية المجانية، عوض الاستفادة من عامل قوة وصلابة المقاومة في الميدان، وإزاء انعدام الشروط الدنيا التي قد توفّر أيّ أرضيّة خصبة من شأنها حفظ حدّ أدنى من المصلحة والكرامة الوطنية اللبنانية.
بئس «السلطة» اللبنانية الحالية، وضعف الطالب والمطلوب. خسئ فشلها سياسياً وتنازلها سيادياً وانحطاطها أخلاقياً وهزالتها قيمياً إلى هذا الدرك العقيم المتهالك شكلاً والمتدهور مضموناً. هذا المثل نموذجي ومثالي لكلّيّات ومعاهد الحقوق والعلوم السياسية والفلسفة لدراسة حالة تناقض (بعض) النظام الوضعي، إن محلياً أم إقليمياً أم دولياً، والحق الطبيعي قانونياً وسياسياً وفلسفياً وأخلاقياً وإنسانياً. سَجّل كلّ ذلك جيّداً أيّها الحاضر، أيّها المستقبل!
* دكتور في الحقوق ومحامٍ وأستاذ جامعيّ في الحقوق والعلوم السياسية.
