إسرائيل والتفاوض: كيف تُدار الطاولة كامتدادٍ للصراع

ليس التفاوض لدى إسرائيل مجرّد أداة دبلوماسية تقليدية، بل هو جزء بنيوي من إدارة الصراع نفسه. ومن يتأمّل مساراتها—من كامب ديفيد إلى أوسلو، ومن تبادل الأسرى إلى الهدنات المتكرّرة—يلاحظ نمطاً ثابتاً لا يقبل الجدل: التفاوض ليس لإنهاء الصراع، بل لإعادة تشكيل شروطه. ولفهم هذا النموذج على نحو وافٍ، لا بد من قراءته عبر أربعة مستويات متداخلة: الاستراتيجية، التكتيكات، الأدوات ونمط التفكير.
أولاً: التفاوض كامتداد للصراع
تتعامل إسرائيل مع التفاوض بوصفه امتداداً للصراع لا قطيعةً معه. لذلك لا يُنظر إلى «الطاولة» كفضاء حيادي، بل كساحة أخرى تُدار فيها القوة بلغة مختلفة. والدليل على ذلك ليس بعيداً: خلال مفاوضات اتفاقيات أوسلو، استمرّ التوسّع الاستيطاني على الأرض بلا توقّف. لم يكن ذلك «انحرافاً» عن التفاوض، بل كان جزءاً من منطقه: التقدّم السياسي يسير بالتوازي مع ترسيخ الوقائع الميدانية.
القاعدة المركزية في النموذج الإسرائيلي هي: ما يُفرض على الأرض يُعاد تعريفه كـ«واقع» على الطاولة. بعد حرب عام 1967، دخلت إسرائيل أي مسار تفاوضي انطلاقاً من سيطرتها على الضفة الغربية والقدس الشرقية والجولان وسيناء. هذه السيطرة لم تُطرح كموضوع مفتوح للنقاش، بل كأرضية راسخة يُناقش فوقها «الترتيب»، لا «الأصل».
تستثمر إسرائيل تفوّقها العسكري والتقني والدبلوماسي لتحويل التفاوض إلى علاقة غير متكافئة، حيث يتحرّك الطرف الآخر تحت ضغط الحاجة والوقت. في مفاوضات كامب ديفيد عام 2000، كان الطرف الفلسطيني يتفاوض تحت قيود حركة واقتصاد وأمن، بينما يتمتع الطرف الإسرائيلي بهامش مناورة أرحب، ما أثّر مباشرةً على طبيعة المُقترحات وسقفها.
بدلاً من الحل النهائي، تُفضِّل إسرائيل الاتفاقات الانتقالية التي تُجزِّئ الطريق. تقسيم الضفة الغربية إلى مناطق A/B/C في أوسلو كان صيغة مرحلية بامتياز، لكنها تحوّلت عملياً إلى بنية طويلة الأمد، تُدار عبرها السيطرة الأمنية والإدارية حتى اليوم. وتتم إعادة صياغة كل ملف—بما في ذلك الاقتصاد والحركة والمعابر—كقضية أمنية، ما يتيح تشديد هذه الاشتراطات أو تخفيفها وفق متطلّبات كل جولة تفاوضية.
ثانياً: المماطلة الزمنية أداةٌ لا عارضٌ
إطالة المفاوضات ليست عارضاً في النموذج الإسرائيلي، بل أداة محسوبة. تتحقّق هذه الإطالة عبر إدخال تفاصيل تقنية، وإعادة فتح ملفات كانت مُغلقة، وطلب «دراسات إضافية». جولات طويلة من المفاوضات غير المباشرة حول الهدنات تُستنزف فيها طاقة الطرف الآخر وإرادته، بينما يستمر تثبيت الوقائع الميدانية بلا توقّف.
يبدأ المفاوض الإسرائيلي بمطالب قصوى جداً، ثم يتراجع عنها تدريجياً. الأثر المقصود واضح: ما يُقبل لاحقاً يبدو «تنازلاً» كبيراً من الطرف الأقوى، رغم أنه يظل في صميم نطاقه المُفضّل. طرح خرائط أو ترتيبات أمنية مشدّدة جداً في البداية، ثم تعديلها جزئياً، يُقدَّم دائماً كدليل على «المرونة».
التصعيد العسكري يُستخدم لتحسين شروط التفاوض، لا لإنهائه. في جولات القتال في غزة، كان وقف إطلاق النار يأتي في الغالب عقب ضغط ميداني مُكثّف، ما ينعكس مباشرةً على شروط الهدنة من حيث المعابر ونطاق الصيد وغيرهما.
تقسيم القضايا يمنع أي صفقة شاملة يمكن أن تنعكس عكسياً على مصالح الطرف الأقوى. يتجلّى ذلك في الفصل الدائم بين الأمن والاقتصاد، وبين الأسرى والحدود، وبين المياه والسيادة. مفاوضات تبادل الأسرى، على سبيل المثال، تُدار دائماً كملف مستقل تماماً عن القضايا السياسية الكبرى.
هناك أدوات مختلفة لتفاوض مُثمِر،
لكنّ المهم أن توضع استراتيجية منطقية تستند إلى وقائع
وأوراق قوة
صياغة نصوص تحتمل أكثر من تفسير واحد توفّر هامش مناورة يُستخدم لاحقاً. بنود عامة حول «إعادة الانتشار» أو «ترتيبات أمنية» دون تحديد دقيق للمدى والآليات، تسمح بتأويلات متباينة تخدم الطرف الأقوى في الغالب.
توظيف الوسطاء واستثمار الانقسامات
التعامل مع الوسطاء لا يكون بوصفهم أطرافاً محايدة، بل جزءاً من ميزان القوى. وساطة مصر في هدنات غزة، ودور قطر في ملفات التمويل والتهدئة، تُستخدم لنقل رسائل وضغوط دون الظهور المباشر. ويترافق ذلك مع استغلال التباينات داخل الطرف المقابل، وإعطاء امتيازات جزئية لطرف دون آخر، بهدف تعميق الانقسام وتكريسه.
ثالثاً: الأدوات المُستخدمة
القوة العسكرية ليست خلفية صامتة في هذا النموذج، بل ورقة ضغط مباشرة؛ إذ يؤثّر التهديد بعمليات محدودة أو توسيعها على سقف التفاوض. وتُضاف إليها المعرفة الاستخباراتية الدقيقة ببنية الطرف الآخر، التي تُستخدم لتحديد نقاط الضعف وتوقيت الضغط وفهم خطوط الانقسام الداخلي.
الدعم الأميركي يشكّل عنصراً حاسماً في المعادلة: غطاء سياسي في المحافل الدولية، وضغط غير مباشر على الطرف المقابل. وتتكامل هذه العناصر مع إدارة الرواية الإعلامية، عبر تقديم المقترحات كـ«سخية» أو تصوير الطرف الآخر كـ«رافض للسلام». ويُختتم ذلك كله باستخدام انتقائي للقانون الدولي: الاستناد إليه حين يخدم الموقف، وتجاوزه حين يقيّده.
رابعاً: نمط التفكير
يقوم النموذج التفاوضي الإسرائيلي على براغماتية عالية لا تُقدِّس المواقف؛ كل شيء قابل لإعادة الصياغة إذا خدم المصلحة. تُضاف إليها عقلية أمنية تجعل المفاوض جزءاً من منظومة شاملة، تُقاس فيها القرارات بمعيار «المخاطر» قبل أي اعتبار آخر. ويمتد ذلك نحو تفكير طويل المدى يقبل بخسائر تكتيكية في مقابل مكاسب تراكمية: قبول تهدئة مؤقّتة في مقابل تثبيت ترتيبات ميدانية أو سياسية تدوم. وتُكمِل إدارة المخاطر المحسوبة هذه المنظومة: الاستعداد للمغامرة، لكن باختبار حدود التصعيد دون الانزلاق إلى حرب شاملة غير مرغوبة.
يمكن تلخيص النموذج التفاوضي الإسرائيلي في معادلة مُركّبة:
قوة على الأرض + زمن + تفاوض مرحلي + ضغط مستمر = مكاسب تراكمية
النتيجة ليست اتفاقاً نهائياً، بل إعادة تعريف مستمرة لنقطة البداية في كل جولة. ومع كل طبقة جديدة من «الوقائع»، تصبح الطاولة أقل حياداً وأكثر انحيازاً إلى ميزان القوة القائم.
من هنا، فإن السؤال الحاسم ليس: كيف تفاوض إسرائيل؟ بل: كيف يمكن خوض التفاوض معها دون تحويل الطاولة إلى ساحة أخرى يُعاد فيها إنتاج الاختلال نفسه؟ لأن من يدخل التفاوض وهو يظن أنه خارج الصراع، يكتشف متأخراً أنه في قلبه لكن بلغة مختلفة.
