ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

من السويس إلى طهران

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
ناصر الغضبان
ناصر الغضبان
الخميس 23 نيسان 2026
الخط

في لحظات الحروب الكبرى، تنكشف القوّة على حقيقتها: بوصفها قدرة على الإيلام، وقدرة على المنع، وقدرة على فرض سقوف قاسية على حركة الخصوم. غير أن التاريخ لا يُكتب كلّه بلغة النار. فثمة مسافة تفصل بين القدرة على العقاب والقدرة على إنتاج ترتيب سياسي مستقر، وبين التفوّق العسكري والرسوخ الفعلي في بنية الإقليم. وفي هذه المسافة تحديداً تولد المعضلة التي تصل بريطانيا في السويس بالولايات المتحدة في عدوانها على طهران.

المقارنة بين النموذجين لا تقوم على تشابه سطحي بين حدثين مختلفين في الزمان والحجم والبيئة. ما يجمعهما أعمق من ذلك: في الحالتين نرى قوّة كبرى تتصرّف من موقع المركز، وترى في الإقليم المحيط مجالاً مشروعاً لترتيب المصالح ومسارات السيادة وحدود الصعود. وفي الحالتين يظهر طرف إقليمي يقرّر أن يخرج من الموضع المُخصّص له، وأن يعيد تعريف موقعه بقدر أعلى من الاستقلال والطموح. عند هذه النقطة تبدأ الحرب بوصفها أكثر من نزاع على مضيق وممر أو برنامج أو نفوذ؛ تبدأ بوصفها اختباراً لحق المركز في أن يحدّد وحده شكل المجال وحدود الحركة داخله.

هذا بالضبط ما جعل السويس لحظة مفصلية في التاريخ البريطاني. لم يكن تأميم القناة، في معناه العميق، مجرّد تهديد لمصلحة اقتصادية أو استراتيجية كبرى. كان ضربة أصابت التصوّر البريطاني القديم عن العالم، ذلك التصوّر الذي منح لندن، طويلاً، حقاً شبه طبيعي في إدارة الممرات الحيوية، وفي تعريف ما يجوز للأطراف أن تفعله بسيادتها وما لا يجوز. وحين مسّت مصرُ عبدِ الناصر هذا الموضع الحساس، جرى التعامل مع الحدث كأنه تمرّد على بنية كاملة من الامتياز الإمبراطوري. لذلك حمل العدوان العسكري في داخله رغبة مزدوجة: معاقبة الفعل، واستعادة صورة المركز عن نفسه.

وهنا تكتسب الحالة البريطانية قيمتها النظرية. فقد امتلكت، مع حلفائها، قدرة واضحة على الإيذاء والاقتحام والضغط. كان في وسعها أن تنزل الأذى، وأن تفتح المعركة من موقع الثقة بتفوّقها العملياتي، وأن تتصرف وفق منطق القوّة التي ما زالت ترى العالم من أعلى. غير أن تلك القدرة اصطدمت بواقع تاريخي جديد: العالم الذي كانت الإمبراطوريات تضبطه بالعنف المباشر أخذ يتفكّك، والشرعية الدولية انتقلت، ولو جزئياً، إلى لغة تقرير المصير والتحرّر الوطني، والقدرة على الضرب فقدت قدرتها القديمة على صناعة نتيجة سياسية قابلة للحياة. من هنا جاءت المفارقة التي جعلت السويس أكثر من هزيمة عسكرية أو دبلوماسية؛ جعلتها لحظة انكشاف لنمط كامل من القوّة حين يفقد البيئة التاريخية التي كانت تمنحه معنى الاستمرار.

وهذه العقدة نفسها، مع اختلاف السياق والأدوات، تعود في الحالة الأميركية مع طهران. فالولايات المتحدة لا تواجه خصماً متمرّداً داخل فراغ، هي تواجه دولة وقوّة سياسية وإقليمية راكمت عبر عقود قدرة على تحويل موقعها من موضوع للسياسات الكبرى إلى طرف يملك قدراً من المبادرة والتعطيل وإعادة تشكيل المجال. ومنذ سنوات طويلة، يتحرّك الصراع الأميركي مع طهران داخل سؤال ثابت: كيف يمكن لقوة عظمى أن تمنع خصماً إقليمياً من الصعود إلى مستوى يخلّ بالبنية التي تريدها للمنطقة، من غير أن تمتلك في الوقت نفسه قدرة حاسمة على إخضاعه نهائياً أو إنتاج بديل مستقرّ عنه؟

هنا بالذات يصبح التشابه مع السويس عميقاً. فالمسألة في الحالتين تدور حول المركز حين يواجه تحدّياً لسلطته على تعريف الإقليم. بريطانيا أرادت أن تقول إن القناة، حتى لو وقعت داخل حدود مصر، تظل جزءاً من عالم النفوذ الذي يحق للمركز أن يحكم منطقه. والولايات المتحدة تتصرف، بأشكال مختلفة، انطلاقاً من تصور قريب في جوهره: ثمة حدود عليا ينبغي ألّا تتجاوزها طهران في تعريف دورها، وفي هندسة المجال الإقليمي، وفي بناء شروط القوّة التي تتيح لها فرض توازن جديد. وفي الحالتين، حين يخرج الطرف الإقليمي من السقف المرسوم له، تتحرك القوّة الكبرى بوصفها حارساً لبنية أوسع من مجرّد مصلحة جزئية.

لكن ما يكشفه النموذجان معاً أن القدرة على الإيلام، مهما بلغت شدّتها، لا تكفي وحدها لصناعة النتيجة التي يريدها المركز. نعم، الإيلام يضع حدوداً، ويعطّل مسارات، ويفرض أثماناً هائلة على الخصم، ويمنع الصعود من أن يتم في خط مستقيم. وهذه نقطة ينبغي تثبيتها بوضوح، لأن القراءة الرغبوية للصراعات كثيراً ما تتجاوزها. تستطيع القوّة الكبرى أن تجعل الارتقاء الإقليمي مشروعاً بالغ الكلفة، وأن تحاصر مساراته، وأن تضرب بناه التحتية ورموزه ومجالات تحرّكه. بهذا المعنى، الإيلام ليس حدثاً عارضاً في الحرب، بل هو أداة فعلية لتشكيل حدود الممكن.

السؤال المركزي في النموذجين واحد: ماذا يحدث حين تملك القوّة الكبرى قدرة واسعة على العقاب، لكنها تواجه خصماً مستعداً لتحويل ما يتكبّده إلى معنى سياسي وتاريخي مضادّ؟


غير أن هذه الحقيقة لا تحسم وحدها مآل الصراع. فنتائج العدوان حتى الآن تبقى مفتوحة على سؤال الاحتمال: إلى أي مدى تستطيع طهران أن تتحمّل هذه الكلفة، وأن تمنع تحويل الإيذاء إلى آلية إنهاك تاريخي تفقد معها القدرة على المبادرة؟ وهذا هو السؤال الذي يردّنا إلى المقارنة الأصلية بدل أن يقطعها. ففي السويس أيضاً لم تكن المشكلة البريطانية في غياب القدرة على الإضرار بخصمها، بل في العجز عن تحويل هذا الإضرار إلى استعادة مستقرّة للسيادة الإمبراطورية على المجال. القدرة على العقاب حضرت، أمّا القدرة على إنتاج نهاية سياسية توافق معنى القوة القديمة فقد غابت. وفي الحالة الإيرانية، قد تمتلك الولايات المتحدة القدرة على منع الصعود الكامل أو على تأخيره أو على تقليص مداه، لكنّ النتيجة النهائية تظل رهينة بما إذا كان الطرف الواقع تحت النار سيقرأ ما يتلقّاه بوصفه حصاراً طويلاً يفرض عليه الانكماش، أو بوصفه لحظة تأسيس تفرض عليه رفع مستوى المواجهة ومعناها.

وهنا نصل إلى النقطة الأشد عمقاً. طهران، إذا أرادت أن تمنع الحرب من التحوّل إلى مجرّد إدارة للألم، تبدو في حاجة إلى حسم تعريف المواجهة نفسها. ليست القضية هنا تحسين اللغة التعبوية أو رفع النبرة الخطابية، بل تحديد الطبيعة التاريخية لما يجري. لأن الصمود، حين يبقى في مستوى الصمود فقط، يضمن البقاء ويؤخّر الكسر، لكنه يترك صاحبه داخل أفق دفاعي تستنزفه الأيام. أمّا حين يُعاد تعريف المواجهة بوصفها معركة تحرّر كبرى، ثيتغير المعنى الاستراتيجي للألم كله. عندئذ تدخل التضحيات في حساب مختلف: تحمّل مزيد من الكلفة في مقابل السعي إلى انتزاع واقع جديد في المنطقة والإقليم، وواقع يبدّل قواعد الاشتباك ويعيد توزيع النفوذ ويمنح الصراع نهاية أعلى من مجرد النجاة.

هذه الفكرة لا تقع خارج المقارنة مع السويس، بل تخرج منها مباشرة. فقد كان سر التحوّل في تلك اللحظة أن مصرَ عبدِ الناصر لم تتعامل مع العدوان كواقعة ينبغي احتمالها فقط، وإنما كمعركة على معنى السيادة وموقعها في التاريخ العربي والعالمي. ومن هنا اكتسب الألم وظيفة سياسية تتجاوز أثره المباشر. لقد أمكن تحويل العدوان إلى طاقة رمزية ومادية لإعادة تأسيس الشرعية وتوسيع المجال المعنوي للصراع. وهذا بالتحديد ما يمنح المقارنة مع طهران قوتها: السؤال ليس فقط ما إذا كانت قادرة على تحمّل الألم، بل ما إذا كانت قادرة على إدخاله في مشروع تحرّري يبدّل صورة الإقليم. فالحروب التي تُخاض بلا أفق تأسيسي كبير تتحوّل إلى استنزاف. أمّا الحروب التي تنجح في إعادة تعريف نفسها بوصفها معارك على ترتيب المجال كله، فتملك فرصة تحويل الخسارة الجزئية إلى مكسب تاريخي أوسع.

لهذا تبقى المواجهة الحالية مفتوحة على أكثر من مسار. قد تنجح أدوات العقاب في خفض السقف الإيراني، وفي جعل كلفة الاندفاع أكبر من القدرة على احتماله، وعندها تكون القوّة الكبرى قد فرضت حدوداً خشنة على الصعود من دون أن تُنتِج استقراراً حقيقياً. وقد تنجح طهران، على النقيض، في امتصاص الكلفة وإعادة تفسيرها ضمن معركة أشمل، فتخرج من الحرب وهي تحمل شرعية أعلى في تعريف دورها، حتى لو كان الثمن باهظاً وممتداً. في هذا الاحتمال الأخير تحديداً يصبح الألم جزءاً من عملية ولادة إقليمية جديدة، ويغدو تحمّل الخسائر استثماراً في تبديل الواقع لا مجرّد صبر على الضرر.

من هنا يتضح أن السؤال المركزي في النموذجين واحد: ماذا يحدث حين تملك القوّة الكبرى قدرة واسعة على العقاب، لكنها تواجه خصماً مستعداً لتحويل ما يتكبّده إلى معنى سياسي وتاريخي مضادّ؟ في السويس، أدّى هذا التناقض إلى تعرية حدود الإمبراطورية البريطانية. وفي الحالة الأميركية الإيرانية، ما زال التناقض نفسه يعمل، وإن بأدوات ووسائل مختلفة. فالولايات المتحدة تستطيع أن تؤذي وتمنع وتضبط السقف، لكنها لا تستطيع وحدها أن تفرض التفسير النهائي لما يجري. هذا التفسير يتوقف أيضاً على ما إذا كانت إيران ستبقى داخل منطق الصمود الطويل، أو ستنتقل إلى منطق أكثر جذرية يضع المواجهة كلها في إطار تحرّر إقليمي كبير.

وعند هذا المستوى يظهر الفارق بين القوة والنفوذ في أقسى صوره. القوة تستطيع أن تمنع خصمها من الصعود السريع، وأن تدفعه إلى دفع أثمان فادحة، وأن تحاصره في لحظات كثيرة داخل مجال ضيق من الحركة. أمّا النفوذ فيتعلق بالقدرة على جعل الإقليم يستقر حولك، أو على الأقل يتكيّف مع حضورك بوصفه حقيقة نهائية. وحين تضطر القوّة إلى تكرار الإيذاء من أجل تثبيت السقف نفسه مرة بعد مرة، فإنها تكون قد دخلت منطقة الالتباس: لا تزال قادرة على الإكراه، لكن قدرتها على إنتاج انتظام مستقرّ أخذت تضعف. وهنا تستعيد السويس معناها الكامل، لا كحادثة من الماضي، وإنما كقانون متكرّر في تاريخ الهيمنة.

لهذا لا يجوز قراءة ما يجري بمنطق النتائج السريعة وحدها. الحرب لم تقل كلمتها الأخيرة بعد، لأن المعركة الحقيقية تدور في الطبقة الأعمق: طبقة المعنى التاريخي الذي سيُعطى للألم، وللقدرة على الاحتمال، وللمدى الذي يمكن أن يذهب إليه طرف تحت النار وهو يحاول أن يجعل من الخسارة مادة لتغيير أكبر. فإذا حُسمت المواجهة من جهة إيران بوصفها معركة تحرّر كبرى، فإنّ تحمّل مزيد من الألم قد يصبح الثمن المدفوع في سبيل انتزاع واقع جديد في المنطقة والإقليم. وإذا بقيت محصورة في عنوان الصمود، فإنها قد تنزلق إلى استنزاف طويل يستهلك القدرة من غير أن يفتح أفقاً تأسيسياً موازياً.

لذلك، تقدّم لنا المقارنة بين السويس وطهران درساً شديد القسوة في فهم الحروب الكبرى. الإيلام يصنع حدوداً، ويبطّئ الصعود، ويعاقب الخصوم، وقد يمنعهم من تحويل طموحاتهم كلها إلى وقائع. لكنّ التاريخ يظل مفتوحاً إلى أن يتحدّد المعنى السياسي لما يُدفع من أثمان. هناك، في المسافة بين العقاب والنتيجة، يظهر ما إذا كانت القوّة قد نجحت في تثبيت نفوذها، أو أنها اكتفت بتأخير تحوّل أعمق. وهناك أيضاً يظهر ما إذا كان الطرف الواقع تحت النار سيكتفي بالبقاء، أو سيذهب إلى ما هو أبعد؛ أن يجعل الحرب معبراً نحو ترتيب جديد للمجال كله.

* كاتب عربي من السعودية

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك