ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

الدولة الغائبة وقوة حزب الله في البيئة الشيعية

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
سامر توفيق عجمي
سامر توفيق عجمي
الثلاثاء 5 أيار 2026
الخط

في لبنان، الانتماء الديني ليس خيارًا عقائديًا فحسب، بل إطار ناظم للحياة العامة. فالنظام الطائفي الذي يوزّع السلطة والموارد والوظائف وفق الانتماء المذهبي، يمنح الطوائف أدوارًا تتجاوز بعدها الرمزي أو الديني، لتصبح جزءًا من إدارة الحياة اليومية في مجالات يُفترَض أن تكون من مسؤوليات الدولة. فتتكرّس الطائفة كوسيط بين الفرد ومؤسسات الدولة، بل وأحياناً كبديل فعليّ عنها. ما يجعلها في كثير من الحالات مرجعية أولى تسبق، عمليًّا، الانتماء الوطني.

ومنذ مرحلة ما بعد الاستقلال، شهد النظام الطائفي في لبنان تحوّلاً تدريجياً من بنية تقليدية تقودها العائلات النافذة إلى بنية أكثر تنظيماً تقودها الأحزاب السياسية كفاعل يتولى تمثيل المصالح الطائفية والتفاوض باسمها داخل مؤسسات الدولة.

هذا الواقع أدّى إلى تداخل عميق بين الانتماء الطائفي والانخراط الحزبي، فوجد كثير من المواطنين أنفسهم، ضمن مسارات تمرّ عبر هذه الأطر الحزبية للوصول إلى الخدمات أو الفرص أو التمثيل.

وكغيرهم من المواطنين، يحمل أبناء الطائفة الشيعية في لبنان حاجات رئيسية، بدءاً من العدالة الاجتماعية مرورًا بالأمن والحماية وصولاً إلى التنمية والخدمات الأساسيّة، تندرج مسؤولية تأمينها ضمن وظائف الدولة الحديثة. غير أن الإشكال في الحالة اللبنانية أن هذه الوظائف تُمارَس بشكل جزئي وغير متوازن، ما يفتح المجال أمام الأحزاب السياسية للعب دور مكمّل أو بديل في تلبية هذه الحاجات ضمن بيئاتهم الاجتماعية.

تاريخياً، اتسمت علاقة شرائح واسعة من الطائفة الشيعية في لبنان بالدولة بدرجات متفاوتة من التباعد، ارتبطت بعوامل جغرافية واجتماعية واقتصادية. وبرزت شخصيات دينية وسياسية طالبت بتحسين الأوضاع، سواء من خلال تعزيز حضور هذه الفئات داخل مؤسسات الدولة، أو من خلال قيام الدولة بدورها في تأمين حاجات المواطنين وعدم التخلي عن مسؤولياتها تجاههم، وهو ما يظهر بوضوح في خطابات عبد الحسين شرف الدين وموسى الصدر.

لاحقًا، شهدت هذه العلاقة تحولاً تدريجياً مع صعود نبيه بري ودخول حركة أمل إلى مؤسسات الدولة، إلى جانب مشاركة حزب الله في الحياة السياسية. غير أن هذا الاندماج المؤسسي، رغم ما رافقه من تحسّن جزئي في بعض المجالات، لم يُترجم في الوعي الشعبي على أنه تعزيز مباشر لدور الدولة وقدرتها، بل نُسب في كثير من الأحيان إلى أداء القوى الوسيطة نفسها، ما أسهم في الارتباط بها كقنوات أساسية للوصول إلى الحاجات. إذ كلما تراجع حضور الدولة تعزز دور الفاعلين البديلين.

في الأدبيات الدينية والنفسية، يُنظر إلى الأمان بوصفه إحدى الحاجات الأساسية للإنسان، وفي الحالة اللبنانية يكتسب هذا المفهوم بعداً مضاعفاً بفعل تراكم التهديدات الأمنية وتجارب الصراع الداخلي والخارجي.

ومنذ تأسيس "إسرائيل" على الحدود الجنوبية للبنان، تحوّل الجنوب إلى ساحة مواجهة مفتوحة، شهدت على مدى عقود مجازر وقصفاً وتهجيراً وتدميراً. هذه الوقائع رسّخت لدى شرائح واسعة من السكان، ولا سيما في البيئة الشيعية، شعوراً بأن الدولة لم توفّر الحماية. وقد ظهر هذا الإحساس مبكراً في رسالة عبد الحسين شرف الدين إلى بشارة الخوري، كما تعمّق لاحقاً في أدبيات موسى الصدر.

نشأ حزب الله وتبلورت هويته حول "المقاومة"، ما منحه في وعي جزء كبير من بيئته موقع الفاعل الأمني قبل السياسي. وتعزّزت هذه المكانة عبر محطات مفصلية، أبرزها الانسحاب الإسرائيلي عام 2000، ثم حرب 2006، التي رسّخت -رغم كلفتها- تصور القدرة على الردع ومنع فرض وقائع ميدانية دائمة.

كما تعمّق هذا الإدراك مع مشاركته في مواجهات لاحقة على الحدود الشرقية مع التنظيمات المسلّحة، والتي قُدّمت كدليل إضافي على الجاهزية الدفاعية.

إلى جانب ذلك، تلعب الذاكرة الجماعية للحرب الأهلية اللبنانية دوراً محوريًا في تشكيل الحساسية تجاه مسألة الأمن. فعلى الرغم من انتهاء الحرب منذ أربعة عقود، ما تزال حاضرة في الخطاب السياسي كاحتمال قائم وإن بطريقة تحذيريّة.

ضمن هذا الإطار، يُنظر عند شريحة واسعة من الشيعة إلى امتلاك القوة العسكرية المنظّمة كعامل لا يرتبط فقط بالخارج، بل أيضاً كضمان داخلي محتمل في حال انهيار التوازنات وانزلاق البلد إلى صراع داخلي، بما يعزز الإحساس بعدم الخوف من اختلال موازين القوة.

في المقابل، تتشكل صورة الدولة داخل هذا الإدراك الشيعي بصورة مختلفة. فالدولة، عبر خطابها وسلوكها، لم تنجح في تقديم نفسها كبديل أمني مقنع، فضلًا عن أن تكون مرجعية حصرية للحماية، خصوصًا في التجربة الأخيرة، سواء من خلال غياب خطاب مطمئن، أو تفاوت التفاعل مع الضحايا، أو انسحاب الجيش من القرى الأمامية دون مواجهة مباشرة، أو طبيعة إدارة العلاقة مع إسرائيل بما في ذلك مسار التفاوض المباشر. هذه الممارسات تُقرأ، على المستوى النفسي كمؤشرات ضعف وغياب قدرة توفير الحماية.

في هذه التجربة الأخيرة، رغم ما يرافقها من خسائر بشرية ومادية ومعنوية، ما زال جزء كبير من هذه البيئة يرى أن حزب الله قادر على توفير الحماية، ليس بالضرورة لأنه البديل المثالي، بل لغياب بديل مقنع في نظر هذه البيئة. فحين لا تنجح الدولة في ترسيخ نفسها كمرجعية حصرية للحماية، تتعزز مكانة الفاعلين القادرين على ملء هذا الفراغ.

إلى جانب البعدين الأمني والعسكري، يشكّل العامل الاقتصادي أحد أكثر مصادر نفوذ حزب الله عمقاً داخل بيئته الاجتماعية. فالحزب يدير بنية اقتصادية–خدماتية متشعبة تُعيد تشكيل العلاقة بين الفرد ومصدر عيشه، وتُنتج ما يمكن وصفه باقتصاد موازٍ يلامس الحياة اليومية لشرائح كبيرة من المجتمع.

على المستوى المباشر، يمتلك الحزب قدرة توظيفية كبيرة تحتضن آلاف الموظفين ضمن مؤسساته المختلفة يتقاضون رواتب شهرية منتظمة فضلًا عن التقديمات المالية والخدمية. هذه الكتلة تمثل نسبة وازنة من سوق العمل والحاجة الوظيفية داخل البيئة الشيعية. ومع احتساب الامتداد العائلي لهؤلاء يتسع الأثر المباشر ليشمل مئات آلاف المستفيدين الذين يرتبط استقرارهم المعيشي بهذه الشبكة.

أما المستوى الثاني، فيتجلى في الاقتصاد غير المباشر الذي يولّده الحزب بوصفه تنظيماً واسع البنية. فحاجاته التشغيلية اليومية تُترجم إلى طلب مستمر على الأسواق المحلية.

أما المستوى الثالث، فيتمثّل في تعميق هذه الدينامية، حيث يتحوّل الدخل الذي يتقاضاه العاملون والمستفيدون إلى قوة شرائية يعاد ضخّها داخل السوق ما يخلق حركة اقتصادية تتغذى على هذه الكتلة المالية وتُنشّط قطاعات واسعة.

وتتعزز القوة الاقتصادية عبر شبكة خدمات اجتماعية واسعة، تشمل مؤسسات صحية وتعليمية وتنموية واجتماعية وماليّة عديدة. يُنظر إليها كوسائل تمكّن الأفراد من إدارة حياتهم في بيئة اقتصادية مأزومة، في مجالات يُفترض أن تغطيها الدولة.

هذا العامل الاقتصادي يؤدّي دوراً مركزياً في تشكيل ديناميات الالتفاف والولاءات داخل المجتمع الشيعي، إذ إن تأمين الدخل والخدمات والحلول المالية لا يُنتج فقط علاقة منفعة، بل يُعيد تشكيل منظومة الثقة والانتماء.

وعليه، فإن أي استهداف لهذه المنظومة -من وجهة نظر المستفيدين منها- لا يُفهم بالضرورة كخلاف سياسي، بل كتهديد مباشر لمصدر الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، فيتحول الدفاع عنها إلى دفاع عن شروط الاستقرار.

تاريخيًا، تُظهر التجربة اللبنانية أن الفاعلين الداخليين لم يتشكّلوا بمعزل عن امتداداتهم الإقليمية والدولية، بل ضمن شبكة أوسع من العلاقات العابرة للدولة، حيث تسهم هذه الروابط في إعادة تشكيل موازين القوة داخل الساحة اللبنانية.

ضمن هذا الإطار، يُعدّ الدعم الإيراني أحد المفاتيح المركزية في تفسير تطوّر نفوذ حزب الله، إذ يتجاوز مستوى الإسناد السياسي إلى منظومة تمكين متعددة الطبقات، عسكرية، تنظيمية، مالية، وخدماتية. ساهمت في تعزيز حضور الحزب داخل بيئته. ويمتد الأثر الأهم إلى المستوى الإقليمي–الاستراتيجي، عبر ربط الحزب بشبكة أوسع تمتد إلى ساحات متعددة. ما انعكس على مستوى الإدراك داخل جزء من البيئة الشيعية اللبنانية كعنصر قوة يعزّز القدرة على الاستمرارية ضمن بيئة إقليمية معقدة.

تُظهر المعطيات السابقة أن قوة حزب الله تنبع من بنية مركّبة تتداخل فيها الأبعاد الأمنية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية، إلى جانب الارتباطات الإقليمية، وذلك ضمن سياق لبناني تتشابك فيه الدولة مع البنى الطائفية بصورة عميقة ومعقدة.

وانطلاقاً من هذه البنية، يتضح أن مستوى التمسك الواسع لدى شريحة كبيرة من البيئة الشيعية بالحزب لا يرتبط فقط بخيارات سياسية، بل بوظائف مركّبة يؤديها داخل هذه المنظومة، إلى درجة يُعاد فيها إدراك أي استهداف للحزب بوصفه مساساً ببنية اجتماعية أوسع تمتد إلى مستوى الهوية.

فالمقاربات التي تفترض إمكانية التعامل مع الحزب ككيان منفصل عن بيئته أو إضعافه عبر عزله، تقوم على تصوّر يتجاهل طبيعة تداخل الوظائف التي يؤديها الحزب داخل شبكات الحاجات الأساسية والعيش اليومي، ما يجعل هذه القراءات محدودة القدرة على تفسير ديناميات الالتفاف حوله والاستمرارية داخل هذه البيئة.

هنا تبرز ضرورة التمييز عند استحضار المقارنات التاريخية. فغالباً ما تُستدعى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي كنموذج تفسيري، غير أن هذا القياس يقوم على إسقاط يتجاهل أنّ المنظمة فاعل وافد إلى الساحة اللبنانية، ارتبط ببيئة حاضنة دون أن يكون جزءاً عضوياً من نسيجها، في حين تشكل حزب الله داخل بيئته ذاتها، بما يجعله متداخلاً مع بنيتها الدينية والاجتماعية والتاريخيّة.

وبناءً على ذلك، فإن الخطابات التي تقدّمه ككيان "إيراني" أو "وافد" أو "خارجي"، مهما كانت خلفياتها ودوافعها، لا تُغيّر في الواقع القائم شيئاً، لأن ما يحدّد الموقع الفعلي للحزب داخل بيئته ليس التوصيفات، بل طريقة تشكله ودرجة اندماجه داخل البنية الاجتماعية وقدرته على التحول إلى جزء من وظائفها الداخلية.

وعليه، فإن أي مقاربة لإعادة صياغة هذا التوازن القائم لا يمكن اختزالها في مستوى الخطاب السياسي أو الإعلامي، بل تتطلب معالجة تتعلق بإعادة بلورة مفهوم الدولة نفسها، في علاقتها بمواطنيها على أساس الوظائف لا الهويات، وقدرتها على أداء وظائفها بصورة عادلة وفعّالة وعابرة للطوائف، بما يقلل تدريجياً من الحاجة إلى البنى الموازية والفاعلين غير الحكوميين.

وأي مشروع بديل يبقى عاجزًا عن إعادة إنتاج تموضع مختلف لهذه البيئة ما لم ينجح عمليًا في ملء الفراغات التي تشكلت تاريخياً في مجالات الأمن والخدمات والتمثيل. عند هذه النقطة فقط يمكن الحديث عن مسار لإعادة تشكيل أنماط الانتماء والالتفاف السياسي والاجتماعي. فيما يبقى ما دون ذلك أقرب إلى تصورات تحليلية منفصلة عن شروط إنتاجها الفعلي تاريخيًا وواقعيًا.

* كاتب وأكاديمي

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك