دولار Swap Line الإماراتي: صمّام أمان أم إنذار مبكر؟

الخبرُ المُعنوَن منذ بضعةِ أيامٍ عن قيام الإمارات العربية بطلب USD Swap Currency، أي فتح الاحتياطي الفيدرالي خطوطَ تبادلِ عملاتٍ مع المصرف المركزي الإماراتي، شابَهُ العديدُ من التحليلات البعيدة عن الواقع.
خطوطُ تبادلِ العملات، أي الحصول على دولارٍ مقابل درهمٍ إماراتي، تعني ما يلي:
هي عمليةُ تبادلٍ يقوم بها الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بالتعاون مع البنوك المركزية الأخرى لإعطاء دولارٍ مقابل عملات الأمم الأخرى. وذلك بناءً على اتفاقٍ مؤقَّت يتم فيه تبادل العملة المحلية (مثل الدرهم الإماراتي) بالدولار الأميركي مع تعهُّد باستبدالها مرة أخرى بعد فترة زمنية محدّدة ومن خلال سعر الصرف المتَّفق عليه مسبقاً. ويتم هذا النظام بهدف توفير السيولة الدولارية للأسواق الدولية في حالات الأزمات والاضطرابات المالية.
بمعنى آخَر، أنَّ طلب وعرض الدولار في حالة أزمة، بمعنى وجود شُحٍّ حادٍّ في الدولار لدى الدول التي تطلب خطوط التبادل. والحلُّ الوحيد المتاح لهذه الدول هو بيع الأصول الأميركية التي تمتلكها والأكثر سيولةً، أي سنداتِ الخزينة الأميركية. وهذا ما يُقلِق الإدارة الأميركية، كون بيع هذه السندات في الأسواق سيؤدِّي إلى تراجع أسعارها، ما يترتَّب عليه بالضرورة ارتفاع في أسعار الفائدة، نظراً إلى العلاقة العكسية الثابتة بين سعر السند في السوق وعائده، أي سعر الفائدة السوقي.
في الأزمة الراهنة، نجد أنَّ احتياطي المصرف المركزي الإماراتي كان قبيل اندلاع الحرب على إيران يبلغ نحو 210 مليارات دولار (راجع بيانات المصرف). غير أنَّ هذا الرقم، على ضخامته، لا يعكس الصورة الكاملة لمتانة المركز الخارجي للدولة، إذ ينبغي قراءته في سياق البنية المؤسسية الخاصة بالإمارات. فعلى خلاف المملكة العربية السعودية حيث يحتفظ المركزي بالجزء الأكبر من الاحتياطيات الأجنبية، تتوزَّع الاحتياطيات النقدية الإماراتية الناتجة من بيع النفط على صناديق سيادية مختلفة، تُقدَّر أصولها مجتمعةً بأكثر من تريليون دولار دون أي دور يُذكر للمصرف المركزي. هذه الأصول المستثمرة، لكونها موظَّفةً في استثماراتٍ طويلة الأجل من أسهمٍ وعقاراتٍ وصناديق استثمار خاصة (Private Equity) حول العالم، لا تتمتَّع بالسيولة الفورية اللازمة لمواجهة ضغوط الدولار في الأسواق كونها قصيرة الأجل.
وطلب Swap Line يعني في جوهره أنَّ صافي حركة الودائع وتدفقات رؤوس الأموال وميزان المعاملات التجارية بات سالباً، وأنَّ المصرف استنفد احتياطياته السائلة من الدولار. ولفهم ذلك، تجدر الإشارة إلى أنَّ الدرهم الإماراتي مثبَّتٌ بالدولار منذ عام 1997 عند سعر 3.6725 دراهم للدولار، ما يُلزم المصرف المركزي بالاحتفاظ باحتياطياتٍ كافيةٍ من الدولار للدفاع عن هذا الربط. وهذا يعني أنَّ جميع الودائع المصرفية في بنوك الإمارات قابلةٌ للتحويل إلى دولار، وبطبيعة الحال تحويلها إلى الخارج. وللتذكير فقط، فإنَّ المقيمين الأجانب يُشكِّلون حوالي 85% من السكان، أضف إلى ذلك أنَّ الإمارات تحوَّلت إلى «جنَّةٍ ضريبية»، ما يرفع حجم الودائع الخارجية إلى مستوياتٍ تتجاوز طاقة السوق الاستثمارية والإقراضية.
فحين تتراجع عائدات النفط في ظلِّ إغلاق مضيق هرمز، وتتزامن مع تسارع خروج رؤوس الأموال الأجنبية ومغادرة العمالة الوافدة التي كثيراً ما تُحوِّل مدَّخراتها إلى الخارج، يتآكل الاحتياطي الدولاري بوتيرةٍ تفوق ما تستطيع العائدات العادية تعويضه. وعلى سبيل المثال، شهدت الإمارات في فترة تراجع أسعار النفط بين عامَي 2015 و2016 ضغوطاً مماثلةً على السيولة الدولارية دفعت المصارف المحلية إلى رفع أسعار الفائدة على الودائع بالدولار لاستقطاب السيولة والحدِّ من تدفّقاتها نحو الخارج.
ويختلف المصرف المركزي الإماراتي جوهرياً عن نظيره السعودي في كونه مؤسسةً هامشيةَ الدور في منظومة السياسة الاقتصادية النقدية للدولة، وهذا ما سأشرحه لاحقاً، إذ تُحوَّل فوائض عائدات النفط بصورةٍ مباشرةٍ وغير مباشرةٍ إلى الصناديق السيادية الاستثمارية المختلفة التابعة لأجندات الدولة الدولية والسياسية.
فالصناديق السيادية الإماراتية لا تعمل بمنطق الاحتياطي النقدي كما هو حال احتياطيات المصرف المركزي، بل تعمل بمنطق رفع العوائد على المدى البعيد، سواءٌ أكان ذلك عبر حصص استراتيجية في شركاتٍ عالمية كبرى، أم عبر شراء الأسهم والسندات الدولية، أم الاستثمار الخاص، أم حتى الاستثمار بالبنية التحتية في دولٍ تندرج ضمن الدائرة الجيوسياسية للإمارات. ومن هنا تنشأ الهوَّة البنيوية بين وفرة الثروة السيادية الإجمالية من جهة، وشُحِّ السيولة الدولارية الجاهزة لدى المصرف المركزي من جهةٍ أخرى، وهي الهوَّة التي يأتي طلب Swap Line ليجسِّرها في أوقات الضغط القسوى على العملة.
لمحة تاريخية لتاريخ المصرف المركزي الإماراتي
لمراجعة سياسات أيِّ مصرفٍ مركزي، علينا فهمُ الثقافة النقدية، بمعنى السياسات النقدية المتراكمة للمصرف المركزي. هذه الثقافة بالغةُ الأهمية لفهم السياسة النقدية المتَّبعة في أيِّ مصرفٍ مركزي. وللسياسة النقدية دورٌ محوريٌّ في توجيه التذبذب صعوداً وهبوطاً في أسعار الأصول كافةً من عقاراتٍ وأسهمٍ وسندات.
قلَّةٌ من المحللين تعلم أنَّ المصرف المركزي في دولة الإمارات العربية كان عند تأسيسه «مجلسَ نقدٍ» (Currency Board) وذلك سنة 1973. في تلك السنة تمَّ إدخال الدرهم الإماراتي عملةً مستحدثةً في الاتحاد. وكان الدرهم الإماراتي مرتبطاً بالذهب عند 0.1866 غرام للدرهم الواحد، ما يعادل 3.947 دراهم للدولار الأميركي آنذاك (راجع تاريخ مصرف الإمارات العربية المتحدة). تحوَّل مجلس النقد إلى مصرفٍ مركزيٍّ سنة 1980، حين تأسَّس المصرف المركزي لدولة الإمارات العربية المتحدة بوصفه مصرفاً مركزياً تقليدياً. هذه اللمحة التاريخية مهمَّةٌ لفهم أسلوب إدارة السياسة النقدية في الدولة.
لمجلس النقد دورٌ محدَّدٌ يقتصر على إصدار عملةٍ وطنيةٍ بسعرٍ ثابتٍ، يكون في معظم الأحيان منصوصاً عليه في الدستور، مقابل عملة الاحتياطي النقدي أو أصولٍ أخرى كالذهب، إذ إنَّ العرض النقدي والكتلة النقدية الأساسية (Base (Currency مرتبطان ارتباطاً مباشراً بحجم الاحتياطي النقدي (Currency (Reserve أو بكميَّة الذهب لدى مجلس النقد. وليس لمجلس النقد أيُّ دورٍ في إدارة السياسة النقدية من حيث التأثير على أسعار الفائدة أو العرض النقدي (Money Supply)، فضلاً عن انعدام أيِّ دورٍ تنظيميٍّ أو رقابيٍّ على البنوك العاملة في الدولة.
منذ تأسيسه سنة 1980 لم يُغيِّر المصرف المركزي الإماراتي أسلوبَ إدارة السياسة النقدية عمَّا كان متَّبعاً في عهد مجلس النقد. وهذه السياسة تؤدِّي دوراً أساسياً محرِّكاً لأسعار الأصول المالية والعقارية الإماراتية. فعبر السنوات الماضية كان للمصرف الإماراتي تدخُّلٌ محدودٌ في لجم حجم السيولة النقدية في حالات دخول النقد الساخن (Hot Money) إلى السوق الإماراتي، أو في الحالات الاعتيادية حين تكون الدورة الاقتصادية في نموٍّ مطَّردٍ (Economic Heating)، أو عند تسجيل فائضٍ في ميزان الحساب الجاري.
ويتدخَّل المصرف المركزي في العادة عبر عمليات السوق المفتوحة لامتصاص السيولة المرتفعة(Sterilization of Money Supply) والعكس صحيحٌ، إذ يضطلع المصرف المركزي بدورٍ في ضخِّ السيولة في حالات الانكماش الاقتصادي. هذا الدور الهامشي للمصرف المركزي هو ركيزة ارتفاع وتيرة الصعود الهبوط الحادّ في الدورة الاقتصادية.
إنَّ ما بعد هذه الحرب ليس كما قبلها، كون أركان الاقتصاد من سياحةٍ وخدماتٍ ومصارف قد فقدت ركيزتها المركزية، وهي الثقة في المقام الأول، والأمن في المقام الثاني والثالث والرابع
في المقابل، لهذه السياسة النقدية ميزةٌ تستفيد منها الدولة تتمثَّل في تعزيز دينامية الاقتصاد المحلي وتسريع التعافي في أعقاب أيِّ أزمةٍ اقتصادية، وهو ما بدا جلياً في سرعة التعافي الاقتصادي عقب الأزمة المالية العالمية سنة 2008.
لكنَّ السؤال الأهمَّ يبقى: هل هذه الميزة صالحةٌ في جميع الأوقات؟ وهل يمرُّ الاقتصاد الإماراتي حالياً بأزمةٍ مشابهةٍ لأزمة 2008، أم أنَّ الإمارات تواجه اختلالاً بنيوياً عميقاً قد تعجز معه خطوط التبادل (Swap Line) والإدارة النقدية الكلاسيكية لمصرف الإمارات المركزي عن مواجهته؟
السياسات وانعكاسها الاقتصادي
إنَّ هذا التدخُّل المحدود من قبل المصرف المركزي يُفضي إلى تراكمٍ متسارعٍ وغير مرغوبٍ في العرض النقدي في الحالات المذكورة أعلاه، ما يُولِّد ارتفاعاً في الأسعار عموماً وفي أسعار الأصول المالية خصوصاً. فعلى سبيل المثال، تضاعف العرض النقدي M3 نحو ثلاثة أضعافٍ بين عامَي 2004 و2008. وفي المرحلة ذاتها سجَّل ميزان الحساب الجاري فائضاً بلغ 15% من الناتج المحلي الإجمالي كمعدَّلٍ سنويٍّ، بلغ ذروته سنة 2006 عند 22%، فيما بلغ النمو الاقتصادي لنفس الفترة معدَّلاً سنوياً قدره 6%.
وارتفعت أسعار الأسهم في أسواق الإمارات بنسبة 260% من 2004 إلى 2007 وفق مؤشر هيئة الأوراق المالية والسلع. وبالمثل، حين وقعت الأزمة المالية العالمية عام 2008، سجَّل العرض النقدي نمواً متواضعاً بلغ 5.4% مقارنةً بنموٍّ ناهز 38% في عام 2007، وتراجعت أسعار الأسهم عام 2008 بنحو 57% مقارنةً بارتفاعٍ بلغ 49% في العام السابق له.
حجمُ هذا التذبذب الحادِّ في أسعار الأسهم الإماراتية ليس إلَّا دليلاً صارخاً على غياب السياسات الاقتصادية عموماً، والنقدية خصوصاً. أين نحن الآن؟
تراجع سوق الأسهم الإماراتي عقب اندلاع الحرب على إيران بحوالي 23%، ليعاود الصعود ويُقلِّص هذا التراجع إلى حوالي 13% مقارنةً بما كان عليه قبل الحرب. والسؤال الذي يطرح نفسه: هل يُشبِه هذا التراجع ما شهدناه عام 2008، حين أعقب الانهيارَ ارتفاعٌ لم يقتصر على استعادة المستويات السابقة بل تجاوزها؟ العرض النقدي M3 قبيل الحرب كان عند مستوى 3.3 تريليون درهم، أي ما يعادل نحو 900 مليار دولار.
هل تُفضي تداعيات ما بعد الحرب إلى تقلُّصٍ أعمق في العرض النقدي وبالتالي في الإقراض المصرفي، فيدخل الاقتصاد في دورة ركودٍ حادَّة؟ أو هل يكون تراجع القيمة السوقية للأسهم الإماراتية هو وحده مُجمَل تداعيات الحرب على الاقتصاد الإماراتي؟ وهل طُويت صفحة الأزمة وبات النمو الاقتصادي أمامنا؟
بين الأزمة والتعافي: إلى أين تتَّجه الإمارات
اقتصاد دولة الإمارات هو اقتصادٌ منفتحٌ على التجارة العالمية، بالإضافة إلى انفتاح أسواق رأس المال (Capital Markets) على الأسواق المالية العالمية. وللمقارنة، إذ يتشابه الاقتصادان الإماراتي والسعودي في كثيرٍ من ملامحهما الهيكلية، يبلغ الناتج المحلي الإجمالي لدولة الإمارات حوالي 622 مليار دولارٍ أميركي لعام 2025، بينما يبلغ الناتج المحلي الإجمالي للمملكة العربية السعودية نحو 1.39 تريليون دولارٍ أميركي طبقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي لعام 2025، أي ما يعادل 2.2 ضعف الناتج الإماراتي.
أمَّا الأصول المُجمَّعة للمصارف العاملة في الإمارات فتبلغ نحو 1.45 تريليون دولارٍ أميركي، في حين تبلغ أصول المصارف السعودية حدود 1.4 تريليون دولار. وهذا يعني أنَّ نسبة أصول المصارف الإماراتية إلى الناتج المحلي (Bank Assets/GDP) تبلغ 2.34 ضعف، بينما لا تتجاوز في المملكة العربية السعودي 1 ضعف. وهكذا فإنَّ ضخامة القطاع المصرفي الإماراتي نسبةً إلى حجم الاقتصاد، مُضافاً إليها الدور الهامشي للمصرف المركزي الذي أشرنا إليه آنفاً، يجعلان الاقتصاد الإماراتي أشدَّ عُرضةً للاهتزازات مقارنةً بنظيره السعودي، وأكثر قابليةً للانزلاق نحو الركود في حال تذبذب أسواق المال وتقلُّب حركة رؤوس الأموال والإقراض المصرفي.
إذا التفتنا إلى حجم الإقراض المصرفي في الإمارات، فإننا نجده عند 710 مليارات دولار، أمَّا نسبة الإقراض إلى الناتج المحلي Credit/GDP فتبلغ 1.5 ضعف في الإمارات. في المقابل، يبلغ حجم الإقراض في السعودية حوالي 900 مليار دولار، غير أنَّ نسبته إلى الناتج المحلي (Credit/GDP) لا تتجاوز 0.65 ضعف.
هذه النسب تُظهر بجلاءٍ الثقلَ الاستثنائي للقطاع المصرفي الإماراتي وضخامة حجمه النسبي مقارنةً بالسعودية. حين يقترن هذا التضخم المصرفي بانفتاح أسواق رأس المال بالإضافة إلى الدور الهامشي للمصرف المركزي الإماراتي، تتشكَّل معادلة تجعل الاقتصاد الإماراتي أشدَّ هشاشةً وأسرع تأثّراً بأيِّ اضطرابٍ في التدفقات الرأسمالية الدولية مقارنةً بالسعودية.
وخلاصة القول أنَّ الإمارات تمتلك اقتصاداً ديناميكياً وأسواقاً ماليةً متطوِّرة، لكنَّ هذه الديناميكية ذاتها تُحوِّله إلى اقتصادٍ مكشوفٍ في أوقات الأزمات.
خلاصة
ماذا نستنتج من حجم التضخُّم المصرفي وخطوط تبادل العملات التي طلبتها الإمارات؟
إنَّ التحدِّي الأساسي المتمثِّل في مواجهة هروب رؤوس الأموال والضغط على العملة الوطنية لا يُقارن بالتحدِّي الأكبر والأعمق، المتمثِّل في تجمُّد الحركة الاقتصادية وخصوصاً قطاعَي السياحة والتطوير العقاري، إذ تُمثِّل القروض العقارية وحدها، دون احتساب القطاعات المرتبطة بها، ما بين 18-20% من مجمل القروض المصرفية طبقًا لتقديرات S&P Global، أي ما يعادل نحو 140 مليار دولار.
وقد يدخل قسمٌ كبيرٌ من هذه القروض دائرة التعثُّر، وقد يتَّجه بسرعةٍ نحو تصنيف القروض المعدومة. أمَّا قروض القطاع السياحي فتُقدَّر بين 4-8% من إجمالي القروض المصرفية، أي ما يبلغ حوالي 40 مليار دولار، وينطبق عليها ما ينطبق على القروض العقارية من حيث المخاطر.
وما قد يفاقم التدهور الاقتصادي أنه عندما تنخفض أسعار العقارات، تتراجع قيمة الضمانات، كون أكثر الضمانات المصرفية عقارية الطابع، فتشدِّد البنوك الإقراض بنحو أكبر. إنَّ الحسابات البسيطة تقول لنا إنَّ القطاع المصرفي الإماراتي سيشهد مئات المليارات من هروب الودائع على مستوى المطلوبات، وخسائر موازية على مستوى الموجودات. وبما أنَّ غالبية المصارف الإماراتية مملوكةٌ للدولة مع نسبةٍ بسيطةٍ مملوكةٍ للعامة عبر أسواق الأسهم المدرجة في سوق دبي وأبو ظبي، فإنَّ الدولة ستجد نفسها مضطرَّةً إلى إعادة رسملة هذه المصارف، إن لم يكن بضخِّ رأسمالٍ جديدٍ بالكامل.
هذا جميعه في القطاع المصرفي، ولكنَّ الاقتصاد الحقيقي قد يشهد ما يلي:
إذا تراجع قطاعا العقارات والسياحة معاً بنسبة تُراوِح بين 30% و40% مع تعاظم الأزمة وامتداد فترة الحرب وانعدام الاستقرار، وهما يشكِّلان نحو 27% من اقتصاد الإمارات، فإنَّ ذلك سيؤدي مباشرةً إلى خسارة تقارب 9-10% من الناتج المحلي في سيناريو متوسط (انخفاض 35%). فالعقارات وحدها قد تُقلِّص حوالي 6% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما تقلّص السياحة خسارةً تُقدَّر بحوالي 3.5% من الناتج المحلي. وأمَّا قطاع الطيران فحكايةٌ مستقلَّة، وقد تضطرُّ الإمارات إلى ضخِّ مليارات الدولارات دعماً لشركات الطيران للحدِّ من حجم الخسائر.
التأثير لا يتوقف عند هذه الأرقام المباشرة. في الواقع، الضرر يكون أكبر عبر التأثير غير المباشر بسبب ما يُعرف بـ»أثر المضاعف». وفي الآن عينه، إنَّ تراجع الثروة العقارية يدفع الأفراد والشركات إلى تقليص الإنفاق والاستثمار. ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل يمتدُّ هذا الضعف ليؤثِّر على اللوجستيات والتجارة والتجزئة. وعند احتساب هذه التأثيرات غير المباشرة، يتضخَّم الأثر بشكل واضح. وباستخدام تقديرات محافظة، فهذا قد يؤدي بالاقتصاد للانكماش بنسبة تُراوِح بين 14و20% خلال دورة تمتدُّ اقل من سنة.
قد يذهب بعضهم إلى أنَّ الأزمة الراهنة تُشبه في طبيعتها أزمة 2008، وأنَّ الإمارات وقطاعَيها المصرفي والعقاري ستعاود الارتكاز والنموَّ والارتفاع. لكنَّ الحقيقة مُرَّةٌ، إذ إنَّ ما بعد هذه الحرب ليس كما قبلها، كون أركان الاقتصاد من سياحةٍ وخدماتٍ ومصارف قد فقدت ركيزتها المركزية، وهي الثقة في المقام الأول، والأمن في المقام الثاني والثالث والرابع.
وإن عدنا إلى مرتكزات الطلب في السوق العقاري، فقدْ فقدَ هذا السوق جميع أركانه، من حيث قيمته كأصلٍ استثماريٍّ، ومن حيث قدرته على المحافظة على القيمة، وبطبيعة الحال من حيث السيولة. فأساس الاستثمار العقاري يقوم على القدرة على الإبقاء على الدخل الإيجاري للعقار وضمان التدفّقات النقدية، وهو ما لن يكون مُتاحًا بيُسرٍ في المستقبل المنظور.
إنَّ الركود/ الكساد الاقتصادي لدولة الإمارات بات عند المنعطف القريب جداً، وستجد الدولة نفسها مضطرَّةً إلى بيع أصولها الأجنبية وتقليص استثماراتها الدولية لإعادة هيكلة المصارف والوفاء بمستحقات المودعين ودعم الاقتصاد الداخلي.
فهل يعني هذا أنَّ السياسات الاقتصادية والنقدية ستتعزَّز وأنَّ المصرف المركزي سيتحوَّل إلى مؤسَّسةٍ محوريةٍ في رسم السياسات؟ قرار الخروج من «أوبك» يثبت العكس ويُرسِّخ سرديَّة القرارات الارتجالية الإماراتية، فأبو ظبي تعيش حالةً من الإنكار الذاتي.
تمرُّ الإمارات اليوم بالمراحل الخمس للحزن كما وصفتها الطبيبة النفسية إليزابيث كوبلر روس: الإنكار، فالغضب، فالمساومة، فالاكتئاب، وصولاً في نهاية المطاف إلى التقبُّل. وإلى أن تبلغ هذه المرحلة الأخيرة، سيتراجع الاقتصاد الإماراتي ويتقلَّص دور الدولة إلى حدود قدرتها الحقيقية، بعيداً عن وهم القدرة المطلقة.
* باحث اقتصادي
