«الطيور الغاضبة»... عندما حاول الإعلام سلبها وعيها

بات من الصعوبة بمكان الفصل اليوم بين مسارات الحروب والأزمات في المنطقة، وبين كثافة الإنتاج الإعلامي وما يحمله من مضامين تستهدف الوعي وتسعى إلى تغيير القناعات والسلوك، فالحرب لم تعد تقتصر على القوة العسكرية وحدها، والجانب الإعلامي كان منذ القدم من أبرز أدوات الحروب، فكيف الحال والحرب أصبحت مُركّبة وتطال جميع مناحي حياة الأفراد والمجتمعات لا سيما في الأبعاد السوسيولوجية والسيكولوجية.
وقد نشط استخدام أفلام الرسوم المتحركة القصيرة بشكل متبادل ومكثف خلال الحرب الأميركية-الإسرائيلية الأخيرة على إيران ولبنان. وفي الحالة اللبنانية، ولفهمٍ أعمق لهذه الإنتاجات الفيديوية التي قد لا تتجاوز مدة الواحد منها دقيقة واحدة، لا بد من ربطها بالسياق السياسي للأحداث وتحديداً بالعودة إلى القرن الماضي إبان فترة الاحتلال الإسرائيلي لما سمي بالشريط الحدودي حينها، وصولاً إلى تحرير الأراضي اللبنانية عام 2000 عبر المقاومة المسلحة مدعومة بمجتمع مسلحٍ بقناعات وخيارات وإرادة حياة.
وقد انعكس ذلك الانتصار حالة وجدانية ثورية في عموم العالم العربي تجلّت في لحظة وعي وإدراك لإمكانية تحرير أراض عربية من المحتل الصهيوني بأيد وطنية، بعد عقود من البناء الذهني والمفاهيمي على تداعيات ما سمي بالنكبة الفلسطينية و«النكسة» العسكرية التي أصابت الجيوش العربية بما تُمثل، وبعدما استفحلت في الوعي العربي العام فكرة أن الكيان الغاصب المحتل لأراض عربية لا يمكن أن يُحارَب لأنه لا يُهزم.
شكّل تحرير لبنان عام 2000 نقطة تهديد لاستمرارية مشروع الهيمنة العسكرية في منطقة غرب آسيا الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية وحليفتها «إسرائيل» المغتصبة للأراضي الفلسطينية، وحلفاء آخرون، وقد عمل هؤلاء بكل ما أوتوا من إمكانيات على ضرب النموذج الفكري لـ«المقاومة القوية» التي تمكنت من إرغام المحتل على الانسحاب من الأراضي اللبنانية بقوة السلاح، رغم أنه كان خياراً شعبياً. ومن البديهي أن تكون المنظومة الإعلامية بوسائلها المتنوعة واحدة من أبرز أدوات تصنيع وتعليب ونشر المفاهيم في المجتمع.
إنّ تأثيرات وسائل الإعلام ما زالت محل دراسة علماء الاجتماع والإعلام منذ نشاطها خلال الحرب العالمية الثانية، حيث برز استخدامها حينها في الدعاية السوداء أو بروباغندا الحرب. وقد انقسم المفكرون في تحليل أسباب تأثيرات الإعلام الجماهيري، فمنهم من ركّز على أثر الوسيلة بحد ذاتها، بينما ركز آخرون على المضمون والمحتوى. وعند أصحاب نظرية تأثير الوسيلة الإعلامية، تصدرت جملة مارشال ماكلوهن الشهيرة «الوسيط هو الرسالة»، لتأكيد أن تأثير الوسيلة في بنية المجتمع أعمق من مضمونها، وبنى عليه جان بودريار باعتقاده أن وسائل الإعلام الجماهيري أدّت إلى تحولات عميقة في حياتنا، إذ إنها باتت تحدد لنا ما يجب أن نراه.
وفي المقابل، ركز بعض المفكرين على المحتوى ومن أبرزهم يورغن هابرماس، الذي اعتبر أن المضامين بمثابة «صناعة الثقافة»، وهي الصناعات الترفيهية التي تضم أنشطة السينما والتلفاز والموسيقى والإذاعة والصحف والمجلات وغيرها، واعتبر أصحاب هذه النظرية أن هذه الصناعة أدّت إلى تجذّر سطوة المصالح، وأن «الرأي العام» أصبح محصّلة لعمليات الاستمالة والتلاعب والسيطرة، كما تبدو عليه الحملات الدعائية والترويجية.
إذاً، هذه العمليات تستهدف التأثير في أفكار الناس ومعتقداتهم وهو ما يعرف بعلم الأفكار أو «الأيدولوجيا»، سواء بشكلها المحايد كما نظّر لها الكاتب الفرنسي دي تريسي أو بشكلها النقدي الذي يبرز في فكر كارل ماركس حيث يجدها «وعياً مزيفاً» عبر سيطرة الفئات النافذة على الأفكار السائدة واستخدامها لتكريس الهيمنة في النظام الاجتماعي السائد.
وما سلف يؤكد أهمية الدور الذي تلعبه الوسائل الإعلامية، سواء تأتّى ذلك من قوة الوسيلة، وهي في تطور مطّرد حيث وصلنا اليوم إلى شبكات التواصل الاجتماعي، أو من قوة مضمون الأفكار التي تحتويها، فهي بالمحصلّة تسهم في تشكيل المفاهيم ما ينعكس تأثيراً في التنشئة المجتمعية بجوانبها كافة التعليمية والوطنية والسياسية والقانونية وغيرها. كما يمكن الاستفادة منها في رسم صورة الهوية الفردية وبالتالي تشكّل الوعي الجماعي، ومن أبرز وأخطر أدوارها هو الدور التعبوي في حالات الحروب. لذلك لا يمكن الاستغناء عنها في كل الفترات كأداة لبث الأفكار بهدف السيطرة على عقول الجماهير.
ومع انهيار الاتحاد السوفياتي اعتبرت الولايات المتحدة الأميركية أنها الفائزة في الحرب الباردة، وبالتالي كانت الغَلَبة لنموذجها السياسي- الاجتماعي. وكان من أبرز إفرازات تفوّق ذلك النموذج، ظهور مفهوم القوة الناعمة الذي نظّر له جوزف ناي (مساعد وزير الدفاع الأميركي) معرّفاً إيّاه بأنه القدرة على جذب الآخرين وجعلهم يريدون ما تريده. وإذا كانت القوة الصلبة تنبع من القدرات العسكرية، فإنّ القوة الناعمة تأتي من جاذبية النموذج.
ويحدّد ناي أبرز جوانب تلك القوة: القيم السياسية وجاذبية الثقافة. وتقوم القوة الناعمة على مخاطبة الأفراد وليس الدول حيث تتوجّه للمجتمع المدني لخلق بيئة معجبة بالنموذج الأميركي، وتولت وسائل الإعلام والأفلام الهوليوودية مهمة الترويج لذلك النموذج، بدءاً من النمط السياسي «الديموقراطي»، «والليبرالي» الاقتصادي، وليس انتهاءً بمأكولات «الفاست فود» وشرب «الكولا» ولبس «الجينز». ولأن المجال لا يتسع هنا للخوض بنقاش حول حقيقة اكتفاء الولايات المتحدة في اعتماد مسار القوة الناعمة دون الصلبة، خاصة أنها شنت الكثير من الحملات العسكرية «الصلبة» في بلدان متعددة، فإن ما يهمنا هو أن مفهوم الاعتماد على أدوات الجذب تجاوز ذلك فصار أسلوباً هجومياً، وبات يعرف بنوع جديد من الحروب سمي بالحرب الناعمة.
وقد استخدمت الولايات المتحدة هيمنتها على وسائل الإعلام والاتصال، وكثّفت هجماتها على المفاهيم والقيم والمعتقدات، سواء كانت تتعلق بأنظمة الدول أو مواقف مجموعات من الأفراد ممن ينطبق عليهم أنهم يناهضون الإمبريالية والهيمنة الأميركية على الدول والشعوب الأخرى حول العالم.
ولتحقيق هيمنتها على أفكار الشعوب، تستفيد الولايات المتحدة الأميركية من سيطرتها على مؤسسات المجتمع الدولي من جهة، وسوق صناعة الإنتاجات الثقافية من جهة أخرى. فالمؤسسات الدولية، عبر «المنظمات غير الحكومية» المزروعة بكثافة في بلدان عالم الجنوب، تتبنّى النموذج الأميركي الذي يتمثّل في لازمة السعي إلى تأمين حقوق الإنسان وديموقراطية الشعوب ورفع لواء تمكين المرأة وضمان حقوق الطفل (مع أن فضائح وفظائع نموذج إبستين الأميركي تفتح الباب واسعاً على دحض وتفنيد زيف كل هذه العناوين الخادعة).
أمّا الشركات الكبرى المصنِّعة للمضامين الثقافية من أفلام وكتب وموسيقى وغيرها، فلم يعد مصدر قوتها الأساسي يكمن في تعدّد جنسياتها وعبور مضامينها للقارات، بل إنها استفادت من التسارع التكنولوجي والانتقال إلى مجتمع المعلومات، فتعززت قدراتها الهائلة برافعة إضافية لإنتاج ونشر تلك المضامين، فالمجتمع الحالي يقوم على مهن الإنتاج الفكري والإبداعي، حيث تسرّع التكنولوجيا إنتاج المضامين بكثافة وبكلفة أقل وتؤّمن وصولها السريع إلى الجمهور «المتصل والمتفاعل» في كل زمان ومكان.
إذاً، في هذا السياق الواسع من الحرب الناعمة وملحقاتها الإدراكية والمركّبة، وبالاستفادة من الوسائل الإعلامية التقليدية والجديدة، يمكننا العودة إلى الواقع اللبناني وتحديداً إلى الحملة المستمرة على فكرة «المقاومة» منذ تحرير عام 2000. ومن الأمثلة على ذلك في الفترة القريبة، ظهور مضامين إعلامية تهاجم المقاومة باستخدام لعبة «الطيور الغاضبة» خلال أسبوع واحد وفي ظل استعار العدوان الإسرائيلي على لبنان. يمكن الاستعانة بالتحليل السيميائي للتركيز على عناصر فيديو واحد تقل مدته عن دقيقة واحدة واستنباط الرسائل المفاهيمية التي تم تمريرها، والتي تنسجم مع ما قدمنا له من سعي الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي المتواصل لضرب نموذج المقاومة القوية عبر استخدام الحرب النفسية تجاه المجتمع من خلال أدوات الدعاية والتضليل.
وتهدف الدعاية إلى التأثير في سلوك الآخرين عن طريق غرس بعض الأفكار، وهي عملية نفسية تركّز على الجانب الانفعالي عند الإنسان بشكل يؤدي إلى تبنّي المضمون المطروح، وأي وضع انفعالي سيكون أكثر ملاءمة من تجيير أهوال العدوان الإسرائيلي المتجدد على لبنان؟
وقد ذهب معدّو الفيديو إلى أبعد وأعمق من مجرد المس بشخصية دينية لها دور سياسي، على خطورة ذلك، إلى مسرحة الفعل المقاوم بصورة تشدد على أنه لا تناسب بين قوّة العدو الإسرائيلي ورد المقاومة، فمنذ لحظة قرار قيادة المقاومة بالرد (مع صوتية لأمينها العام) يُظهَّر الرد ضعيفاً فيُرمى مقذوفٌ عبر «النقّيفة» (المقلاع) على بدائيتها باتجاه أحد الأعمدة (وهي تكرار وتثبيت لفكرة سابقة استخدمت لتوهين المقاومة وتصويرها بأنها تقصف فقط أعمدة المراقبة الإسرائيلية على الحدود اللبنانية بين عامي 2023 و2024). أمّا الرد الإسرائيلي على المقذوف «البدائي»، فيأتي بخروج عشرات الطائرات من البرج نفسه لتقوم بتدمير الكثير من منازل العصافير (الشعب اللبناني المستهدف بالقصف، تحديداً مجتمع المقاومة) ما يضطرها للهروب مذعورة بأعداد كبيرة.
ولا ينفع التبرير بأن الفيلم أظهر شخصية العدو بهيئة الخنازير لأن ذلك هو واقع اللعبة، بينما ما هو أخطر: مشاهد متعددة لتثبيت تفوّق رئيس وزراء كيان العدو بتظهيره في موقع عالٍ حين أوعز بقرار الرد العنيف، فيما «العصافير الثلاثة المقاومة» مع رمزية العصائب الصفراء على رؤوسها، تركض هاربة «نزولاً» للتأكيد أن موقعها أكثر ضعفاً نسبة لموقف نتنياهو، وتنتهي بها المشهدية في حفرة وهي خائفة ترتجف وتنتظر المحلّقة الإسرائيلية من فوقها تراقبها، بينما خنزير آخر يمسك بآلة التحكم من بعد للتأكيد أن مسار المعركة بأكمله يتحكم فيه العدو المسيّطر، ويحركه كيفما شاء.
ولما كان من أبرز أساليب التضليل الإعلامي إخفاء الحقائق واختلاق وقائع ممسرحة تساعد على تقبّل الأفكار والمفاهيم، غُيّب عن المُشاهد أن المشكلة في لعبة «الطيور الغاضبة» تبدأ أصلاً حين يسرق الخنازير بيض الدجاج لذلك نرى العصافير غاضبة، وليس لأنها مخلوقات ولدت غاضبة، ولا لأنها تهوى الحرب والدمار والموت. وفي السياق التضليلي نفسه جاء مشهد هروب «عصافير الشارات الصفراء»، بمن تمثل، في الوقت الذي ينشغل فيه العدو واقعياً في اجتراح الحلول لتجاوز مشكلة مبادرة المقاومة بالهجوم بواسطة المحلّقات الانقضاضية التي صنعتها أيدٍ لبنانية خالصة لإيلام جيشه ودفعه إلى مغادرة الأرض كما حصل عام 2000.
يُظهر استخدام الفيديو في لبنان، وخاصة في مجال الصراع مع العدو الإسرائيلي، انقلاباً في تطبيق المفاهيم التي روّج لها النموذج الأميركي عبر وسائل الإعلام العالمية والمحلية وعبر المنظمات الدولية وغير الحكومية. فلم تعد ديموقراطية النموذج الأميركي هدفاً، إنما بات الهدف نزع مشروعية المقاومة الوطنية البطولية؛ هنا، لا يحق لأبناء الوطن اختيار حريتهم واتخاذ قرارهم بالدفاع عن سيادتهم وأرضهم وأرواحهم. ولم تعد معزوفة حق الإنسان بالحياة، وحق الطفل بالتعلّم، وحرّية الممارسة الإعلامية وسموّ المهن الصحّية والإسعافية وتمكين المرأة، لم تعد جميعها تحظى بالاهتمام، إنما بات الهدف ترويع وترهيب جميع من ذُكروا، وغيرهم كثر من أهوال الحرب؛ الحرب التي ستنال منهم جميعاً، دون استثناء لأي فئة، حتى لو نصّت على ذلك الاستثناء الاتفاقيات والقوانين الدولية.
وما ينتظرهم، دون اعتبار للعمر والجنس والمهنة، هو الخوف والقتل والتهجير والتدمير الوحشي لمساكنهم. أّما الشباب، وإن لبسوا «الجينز» وتناولوا «الفاست فود» وقاموا بمبادرات خدمة لمجتمعهم، فطالما أنهم في ممارستهم لمقاومة العدو الإسرائيلي غير منضوين ضمن المشروع الأميركي، تسقط عن فعلهم المُبادر تسمية مشاركة الشباب في تحقيق أهداف التنمية المستدامة عبر حل المشكلات المجتمعية، وتنتهي بهم الصورة معزولين في حفرة! ما يهم في حالة هؤلاء الشباب، هو تقزيم أثر الفعل المقاوم وتوهين الصورة الملحمية للمقاومين.
ختاماً، لا يمكن استخدام توصيف آخر لهذا المحتوى سوى أنه دعاية مباشرة وحرب نفسية في زمن الحرب، ولكن مع إشارة خطرة، فتلك الدعاية لا تبثّها وسائل إعلام من البلد المعادي، إنما وسائل إعلام محلية وهو ما يجعل منها دعاية مقنّعة، لأنها تتخفّى فعلياً خلف هوية المرسل لتمرير أفكار توهّن الحالة النفسية للمجتمع الداخلي في أيام الحرب. تلك الدعاية هي جزء من الهجمة المنظمة والمتواصلة الهادفة إلى ضرب فكرة المقاومة وتوهينها، ولا ينفع في هذه الحالة التذرّع بمبدأ حرّية التعبير، لأن الحرية هي حق ولكنها واجب ومسؤولية في آن.
ومسؤولية وسائل الإعلام الاجتماعية تفرض مبدأ التوازن بين كل من الحرية والمسؤولية، لذلك فإن تمتّع وسائل الإعلام بممارسة حرّة لا يمكن أن ينفصل عن الالتزام بالمواثيق والأخلاقيات، فكيف يمكن أن يندرج في إطار الحرية الإعلامية المضمون الذي يتماشى مع أهداف الحرب العسكرية للعدو الخارجي وفي ظل عدوانه؟ وهل يحق لمؤسسة أو مؤسسات إعلامية، أو شخصيات سياسية ووجوه عامة، أن تستفيد من حرية الإعلام للتوهين وإضعاف الشعور الوطني؟
* أستاذة جامعية
